فنون

لتظل ناصعةً الجمال..

البشرية تغتسل من شرورها في تاريخ الفن

ما زالت الكتب التى تحاول تقديم " تاريخ الفن" فى اللغة العربية قاصرة عن الوفاء بعرض صورة شاملة ومتسلسلة لتاريخ الفن التشكيلى والعمارة، إذ تأتى غالبًا مُبتسرة وسريعة ولا تُحقق الحد الأدنى من الإشباع الروحى والجمالى المنشود لطالب الفن أو للقارئ المتخصص أو العام.
هذا ما يستهل به الكاتب العراقى خزعل الماجدى المتخصص فى التاريخ القديم، كتابه "فنون ما قبل التاريخ" الصادر حديثًا عن دار رؤية للنشر والتوزيع، وفيه يقول الماجدى إن البشرية فى تاريخ الفن تغتسل من شرورها وتراب حروبها لتظل ناصعةً على مَسرى الجمال فيها وهو يرتقى بها إلى مصاف الإنسانية الحقة. 
 
الماجدى يذكر، فيما يذكر، أن تاريخ الفن ينقسم أكاديميًّا إلى خمس مراحل كبرى هى العتيق، القديم، الوسيط، الحديث، والمعاصر. كما يرى أن تاريخ الفن العتيق يضم نوعين من الفنون، أولهما فنون ما قبل التاريخ والتى شغلت ماضى الإنسان منذ ظهوره وحتى بداية العصور التاريخية التى كانت باكورتها فى وادى الرافدين 3200 قبل الميلاد، وثانيهما هو فنون الشعوب البدائية التى لا تزال تعيش اليوم أو فى الماضى القريب جدًّا على وجه الأرض، وقد حافظت على ثقافتها القديمة وهى ما قبل تاريخية النشأة ومعاصرة الظهور. أما الشعوب ما قبل التاريخية الحقيقية فقد انقرضت منذ زمن بعيد.
 


ماهية الفن
فى كتابه هذا يحاول خزعل الماجدى أن يوضح ماهية الفن وطبيعة الفنون وتصنيفها وتاريخها والطريق التى يدرس بها هذا التاريخ بتتابعه الزمني. كما يُعرّف بعصور ما قبل التاريخ ويتطرق إلى مراحلها وفتراتها، مناقشًا نوع الإنسان الذى ساد فيه وثقافاته وأدواته ومنجزاته منذ ظهوره وحتى بداية العصور التاريخية. 

أيضًا يناقش الماجدى عمارة ما قبل التاريخ متتبعًا محاولات الإنسان لتحقيق الأشكال والوظائف المعمارية المختلفة من منازل ومعابد وقبور وشواخص معمارية منذ الكهوف وحتى ابتكار المعابد والقصور فى نهاية عصور ما قبل التاريخ فى الشرق والغرب. كما يبحث فى منحوتات ما قبل التاريخ من الباليوليت والميزوليت والنيوليت والكالكوليت، حيث استطاع الإنسان أن ينجز مأثرة فنية عظيمة من خلال منحوتات الفينوسات والإلهات الأم وتماثيل النساء والرجال والآلهة الذكرية والحيوانات وغيرها.الماجدي، إضافة إلى كل هذا، يناقش فى " فنون ما قبل التاريخ " نشأة فن التصوير من خلال ثلاثة أنواع هى فن الكهوف، وفن الصخور، وفن الأرض، التى ظهرت فى عصور ما قبل التاريخ.

ولمْ يكتفِ بهذا بل راح يبحث فى اثنى عشر نوعًا من الفنون الصغرى فى عصور ما قبل التاريخ، منها فنون الحُلى والعظام والعاج والخشب والمعادن والفخّار والخزف والنسيج والأزياء والديكور.كما يتناول رموز ما قبل التاريخ التى كانت دليلا مهمًّا فى الأديان والثقافات القديمة، وكيف جرى التعامل معها بشكل موحد أو مختلف.كما يتتبع تطور رموز الكتابة ومحاولات الإنسان ابتكار طريقة فى التعامل بالعلامات الكتابية وصولا إلى ابتكار النظام الكتابى الفعال فى سومر فى نهاية عصور ما قبل التاريخ.وبعد أن يضع الماجدى فى كتابه هذا جدولا زمنيًّا لتطور فنون ما قبل التاريخ طامحًا إلى وضع صورة تاريخية شاملة لهذه الفنون، يصل إلى القول بأن مرحلة ما قبل التاريخ تُعد بفنونها بحق أبهى صفحات الفن وأعظمها لما تنطوى عليه من بكورية نادرة وأصيلة، ولأنها تحتوى أدق شعيرات نمو أنواع الفنون وحيثياتها المحيطة بها، ولأنها ببساطة تُشكل أكثر من 99 بالمائة من تاريخ الإنسان.
 


الفن والعلم
فى تعريفه للفن يقول الماجدى إن الفنون هى الجزء العملى من الثقافة، وهى معنية بإبداع وابتكار أشكال جديدة من العمل الجمالى الذى يُغنى أحاسيس ومشاعر الإنسان إنتاجًا وتلقّيًا، ورغم انقسام الفنون إلى أنواع كثيرة ومختلفة إلا أن الفنان يمزج أحيانًا بين أكثر من فن واحد فى العمل، ويرى بعضهم أن الفن يتعارض تعارضًا واضحًا مع العلم، لكنه لا يتنافس معه فى كشف الحقيقة، بل العيش بها وممارستها بقصد أو بدونه.غير أن التعريف الأنسب للفن، حسب رؤية الماجدي، هو أنه وسيلة ترتيب أو تركيب لأشياء موجودة فى العالم لصُنع تصاميم جديدة ومختلفة.هذا ويأتى العمل الفنى من الروح ويوجد للروح ويكمن تفوقه فى ديمومته التى تُخلّد الأحداث التى تتم ثم سرعان ما تزول.ويُجمل الماجدى وظائف الفن فى وظيفته المعرفية، الاجتماعية، النفسية، والتاريخية، ويرى كذلك أنه يمكن اعتبار ظواهرية الفن منهجًا جديدًا لمعالجة ووصف الفنون وظواهرها المشتركة فى كل الثقافات والأزمان، وهو أحد المناهج العلمية الحديثة التى يستخدمها علم الجمال.أما التصنيفات المعاصرة للفنون فقد تجاوزت، على حد قول الماجدي، تصنيف سوريو، عندما نظرت إلى الفنون نظرة شمولية أخذت بعين الاعتبار شمولية الفن انطلاقًا من نوع وأداة التعبير التى تُحدث تأثيرًا فى حواس ومشاعر المتلقي، وهى تُصنف إلى فن بصري، فن سمعي، فن أدائي، فنون اللغة والكتابة، فن الطهي، الفن الآلي. 
 


علم الحواس
غير أن الماجدى يورد تصنيفه هو الجديد للفنون، تصنيف يستوعب الفنون جميعها ويسد النقص الحاصل فى بعضها، وهو يعتمد على التعريف المختصر والواقعى للفن وهو: الجزء العملى من الثقافة والذى يثير فينا الجمال من خلال حاسة واحدة أو أكثر، ولأن الجمال هو علم الحواس، لذا جاء تركيز الماجدى على الحواس الخمسة باعتبارها أساس الفنون الجميلة عندما تكون تحت هذا التأثير. 
 
فى " فنون ما قبل التاريخ " يرى خزعل الماجدى أن ثمة نظريات كثيرة تفسر نشأة الفن تاريخيًّا وكيفية ظهوره والأسباب التى جعلته يظهر ويتطور، وأشهر هذه النظريات: النشأة الدينية، الاقتصادية، السياسية، الجمالية والنفسية.الماجدى يذكر، فى الجزء الذى خصصه للحديث عن فن العمارة، أن عمارة ما قبل التاريخ قد تطورت ببطء كبير حتى أصبحت واضحة المعالم فى نهاية تلك العصور، مُقسمًّا إياها إلى العمارة المدنية وتضم الكهوف والبيوت والقصور، والعمارة الدينية وتشمل المعابد والمزارات والمدافن. هنا أيضًا يتحدث الماجدى عن فن النحت فى فترة ما قبل التاريخ، كما يتناول الفنون الصغرى أو التطبيقية، وهى الأعمال الفنية المصنوعة لغايات عملية أولا، هى للزينة وليست للفن المجرد، كذلك يتحدث عن رموز الكتابات الأولى التى كانت منتشرة فى لوحات الكهوف ورسومات الصخور.
 
وختامًا أنهى مقالى هذا بما كُتب على ظهر الغلاف الأخير للكتاب من أن هذا الكتاب هو الأول ضمن مشروع طموح فى تاريخ الفن، يحاول أن يسد النقص الكبير الذى تعانى منه مكتبتنا العربية فى هذا المجال، والذى بات اليومَ مطلبًا مُلحًّا لأساتذة وطلبة الفنون، وللقارئ متخصصًا كان أم عامًّا.
 
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع