فنون

أول صورة هزّت الرأي العام العالمي..

الأم المهاجرة

في بداية شهر سبتمبر 2015م، اهتز العالم لصورة الطفل السوري إيلان عبد الله كردي (3 سنوات) وهو جثة ملقاة على شاطئ "بودروم" بتركيا. وقد تسببت تلك الصورة، التي التقطتها المصورة التركية "نيلوفير ديمير"، في إحداث صدمة تحولت إلى"نقطة تحول" في النقاش العالمي بشأن السماح بمرور طالبي اللجوء من سوريا إلى دول العالم لا سيما أوروبا.


الطفل ايلان


وفي شهر سبتمبر أيضاً، كان العالم على موعد مع صورة أخرى اهتزت لها القلوب، ففي الثلاثين من الشهر المذكور عام 2000م، التقطت عدسة المصور الفرنسي "شارل إندرلان"، المصور بقناة فرنسا 2 وقتها، حادثة اغتيال الطفل الفلسطيني محمد الدرة  في شارع صلاح الدين في قطاع غزة على يد قوات الاحتلال الصهيوني.


الطفل محمد الدرة ووالده

وقد تعددت الصور المؤثرة في الرأي العام العالمي على مدى التاريخ، خصوصاً إبان الحروب (كحرب فيتنام) والكوارث (كالمجاعات في إفريقيا)، غير أن هناك صورة واحدة .. والمعروفة بـ "الأم المهاجرة".. كانت هي الأولى في التاريخ التي هزَت الرأي العام الأمريكي والعالمي، وتم استخدامها في الحروب الإعلامية، وإليكم قصتها..

الإثنين الأسود
لا ينسي الأمريكيون أبداً "يوم الإثنين الأسود"، ففي ذلك اليوم  (24 أكتوبر 1929 م)حدث زلزال اقتصادي رهيبب انهيار بورصة "وولستريت" التي فقدت 16 مليار دولار، كما شهد نفس اليوم هبوطا عنيفا في عدة أسواق عالمية أخرى.

 ومن جراء الكساد العظيم الذي خلّفه هذا اليوم الأسود، عانت الولايات المتحدة لعدة أعوام متتالية من تداعيات اقتصادية خطيرة أثرت بقوة علي القطاعات التي تُسيّر سُبل الحياة، فانتشر الرحالة العاطلون البائسون بطول البلاد وعرضها بحثاً عن عمل، الذين قٌّدر عددهم بنحو 13 مليون عاطل، حيث ازدحمت بهم الشوارع بمختلف الولايات، ودخل منهم ولاية كاليفورنيا وحدها نحو مائتي ألف عامل رحّال.


دوروثيا لانج


خلال أحد أيام شهر فبراير 1936م، تبدأ قصتنا مع المصورة الفوتوغرافية  الشابة " دوروثيا لانج" (1895-1965م)، والتي جاءت من نيويورك إلى مدينة سان فرانسيسكو عام 1919م حيث افتتحت مكتباً للتصوير الصحفي، إذ بعد قضائها شهراً كاملاً فى تصوير العمال الرحّالة الباحثين عن الرزق عند الساحل الغربي، وفي أثناء عودتها بسيارتها التي تكدست فوق مقعدها الخلفي شرائط لصور العمال، لمحت المصورة الشابة لوحة إعلانية تشير إلي مخيم لـ "حصَادى الحُمص".

 ورغم قطعها لعشرات الكيلومترات خارجة من المدينة ومتجهة لزيارة والديها، إلا أن حدسها أخبرها بوجوب العودة لتضع بعدستها بصمة تاريخية تؤرخ لبؤس الإنسان ومعاناته، ولعظمة الأمومة وتضحياتها، ولتصنع أيقونة صحفية وفنية لطالما استعانت بها وسائل الإعلام العالمية في منشوراتها وبثها.


فلورنس أوين تومسون

الأرملة البائسة
في ظل الكساد الكبير الذى أصاب أمتها كالطاعون، اتجهت "فلورنس أوين تومسون"(1904-1983م)، وهي أرملة في أوائل العقد الرابع من عمرها، بسيارتها للبحث عن عمل كالملايين من  العمال الرحالة. وبينما هي وأولادها على الطريق، تعطلت سيارتها، ولأنها لم تكن تملك ثمن اصلاحها فقد بدأت في بيعها..  قطعة، قطعة.. لتطعم أولادها، فلا يوجد دخل بالطبع، وباتت الأم وأولادها يقتاتون على: الخُضر المُلقاة بالحقول المجاورة، والعصافير الصغيرة الباردة التي يصطادها الأولاد الصغار، فضلاً عن بعض الطعام الذى يوزع مجاناً. 


فرانكلين روزفلت​

وقد جلست "فلورنس" بـ "جوعها وبؤسها وأطفالها السبعة" وسط مئات العائلات والعمال الجوعى لتبدو أكبر كثيراَ من أعوامها الاثنين والثلاثين حيث جذب شقاؤها على الفور عدسة " دوروثيا لانج" اللماحة بحدسها الأنثوي، فالتقطت لها عدة صور مؤثرة شدّت إحداها انتباه وسائل الإعلام الأمريكية والعالمية لدرجة أن الرئيس الثاني والثلاثين لأمريكا "فرانكلين روزفلت"(1882-1945م) استخدمها شعاراً لحملته الانتخابية الثانية للفوز بالرئاسة، والتي هدفت لإخراج الأمة الأمريكية من أزمتها الطاحنة.

إدارة الصور
في هذه الأثناء، طاف"روزفلت"أنحاء البلاد، وألقى خلال جولته الانتخابية نحو 60 خطاباً، وعد فيها بمحاربة الكساد، ووضع حدٍ لتذبذب الأسعار. وكذلك وعد بمنح مساعدات عاجلة للعاطلين، كما تضمنت خطته تنمية الموارد المالية للدولة.


روى سترايكر 


وكانت إدارة "روزفلت"أول إدارة أمريكية تعتمد الصور فى سياستها الإعلامية للتاثير في: الكونجرس والشعب ووسائل الاعلام، وكانت "دورثيال انج" واحدة من أهم أعضاء فريق شعبة الصور الملحق بالبيت الأبيض الذى أمر "روزفلت" بإنشائه بمبادرة من الخبير الاقتصادى الشهير آنذاك "روى سترايكر".

رمز البؤس
وضمن إطار هذا الفريق، التقطت "لانج" مايقارب 100 ألف صورة بعدستها ، كانت أهمها على الإطلاق صورة " فلورنس تومسون" وأولادها.. الأم المهاجرة ..التي طافت جميع أنحاء العالم وأصبحت رمزا للبؤس الإنساني. ورغم ذلك، فقد ألمحت بطلتها "فلورنس" فى مقابلة مع صحيفة "هيرالد تريبيون"في عام 1978م إلى أنها قد سئمت من استخدامها رمزاَ لبؤس البشرية لأن أحوالها المادية كانت قد تحسنت كثيرا وقتها بعد مرور تلك السنوات. ووصل الأمر بـ "فلورنس" بأن هددت باللجوء إلى القضاء لكف وسائل الإعلام عن استخدام صورتها بهذا الشكل؟!!.

رد الجميل
وفيما يبدو أن الصورة أرادت رد الجميل لصاحبتها بعد نحو 46 عاماً كاملة، فقد نشر أولاد " فلورنس" صورتها عام 1982م على صفحات جريدة الـ " نيويورك تايمز" وكتبوا في إعلان أرفقت به الصورة بأن والدتهم مصابة بالسرطان وتحتاج إلى التبرعات، ليجمعوا 150 ألف دولار في أسابيع قليلة. وللمرة الأولي والأخيرة استفادت "فلورنس" من صورتها البائسة. ولكن الغريب أن "لانج" لم تستفد من التقاطها لتلك الصورة رغم أنها قد صنفت كواحدة من أهم 100 صورة في القرن العشرين .

يذكر أن صورة "الأم المهاجرة" ما زالت موجودة حتى الآن في مكتبة الكونجرس الشهيرة، بالعاصمة واشنطن.
 

(13 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع