فنون

الأسلحة الفاسدة و"أنا حرة".. السينما المصرية و70 عاما على النكبة

الحفل الذى أقامته السفارة الإسرائيلية فى أحد الفنادق الأسبوع الماضى وحضره البعض من المصريين كان أكبر دليل على أن القضية الفلسطينية التى ظلت هى الهم الأول للإنسان العربى طوال سبعين عاما قد انتهت بهزيمة جديدة تحت اسم السلام لقضية وحدت بين العرب, وكرست السينما كافة جهودها لكشف جوانبها لأكثر من سبعة عقود من الزمن.
وقد انعكست هذه القضية وكافة ما شاهدته المنطقة من تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية حادة من خلال قيام ثورات، وتبديل أنظمة حكم، وسيادة الشعور العام بالنصر أو الهزيمة، على السينما وهى الفن الأكثر مباشرة، وهى تعكس هذه الأحداث السياسية الجسيمة التى شهدها العالم العربى . 


البداية كانت فى مايو عندما اندلعت حرب فلسطين عام 1948، فهى بلا شك الحرب العربية الأولى ضد إسرائيل، كدولة اغتصبت أرض فلسطين، فصار من كرامة العرب أن يتجمعوا فى حرب واحدة، وقد منيت الجيوش العربية بهزيمة أولى فى أرض المعركة، وتركت المأساة ظلالها السياسية، وكتب المحللون السياسيون خاصة إحسان عبدالقدوس، أن سبب الهزيمة هى الأسلحة الفاسدة، وقيل إن الضباط الذين رأوا أسباب الهزيمة فى فلسطين، كان عليهم أن ينتظروا أربع سنوات، لإعلان حركة الجيش، وصار الحديث عن هزيمة 1948 كأن الأسلحة الفاسدة هى السبب الأساسى للثورة .



وسرعان ما راحت السينما تعزف على الإعلام الموجه للثورة بأن الملك فاروق كان وراء صفقة الأسلحة الفاسدة وأن هذه القضية كانت من الأسباب المباشرة لقيام ثورة يوليو . وبدت حرب فلسطين كحدث رئيسى فى كافة الأفلام التى تناولت قيام الثورة، أو تلك الحقبة من التاريخ العربي، ومن هذه الأفلام، على سبيل المثال، "الله معنا "لبدرخان، و" نهر الحب "، و" رد قلبى " لعز الدين ذوالفقار، و" طريق الأبطال" إخراج محمود اسماعيل ، و" الأقدار الدامية " لخيرى بشارة ، و" أرض الأبطال" لنيازى مصطفي, وفيلم الإيمان" لبدرخان, وغيرها من الأفلام.
هناك أفلام عديدة ناقشت حرب فلسطين طوال سبعين عاما، حتى قبل أن تبدأ هذه الحرب، وقد تبنت السينما القضية على أن هزيمة 1948 كان سببها الأسلحة الفاسدة، ولعل أول إرهاصات عن حرب فلسطين هو " قلبى وسيفى " إخراج جمال مدكور عام 1947، أى قبل المواجهة العسكرية بعام، إذ تخيلت الأحداث أن منير نجل المهندس طلعت، وهو شاب لاه، تحول إلى ضابط مناضل يشارك فى عمليات عسكرية معاصرة، وينتصر على الأعداء، ولما لم تكن هناك حروب حقيقية فى هذه الفترة، فإن تخيل الكاتب مصطفى السيد راح إلى هذه المنطقة .
 
وفى عام 1952 قدم أحمد بدرخان فيلمه " الإيمان " وفيه يذهب العديد من المصريين، منهم صابر إلى حرب فلسطين، ونحن نعرف أن هذه الحرب تدور أحداثها فى رمضان، مثل حرب أكتوبر، حيث كان الجنود مصممين على المشاركة فى القتال وهم صيام، وهناك الضابط صابر الذى يترك أسرته ويموت شهيداً فى الحرب، ويصحبه فى ذلك بعضاً من أبناء الأسرة، وقد بدت الحرب هنا فقيرة سينمائياً، لكن قلوب الجنود عامرة بالإيمان.
 


وأهمية قضية الأسلحة الفاسدة فى فيلم "الله معنا"، الذى عرض فى 14 مارس 1955، أنها تحولت إلى قضية رأى عام، باعتبار أن هناك أكثر من طرف سياسى ارتبطوا معاً بهذا الأمر، الطرف الأول هم أصحاب الصفقة، والثانى هو الصحفى الذى أثار الموضوع فى المجلة، التى يكتب بها، أما الطرف الثالث فهم ضحايا هذه الأسلحة التى تفجرت فيهم ..
وهذا النوع من التعددية فى الأطراف يصنع عملاً درامياً متكاملاً، وصراعاً لابد أن ينتهى لصالح أحد الأطراف، فأصحاب الصفقة يتمثلون فى الباشا (محمود المليجي)، الذى يحتفظ فى خزينته الخاصة بما يؤكد على أنها صفقة مشبوهة، ويعضد هذا الباشا رجل السراى (زكور باشا)، كما أن الملك نفسه يتولى حماية الفساد والمفسدين . لأنه كان شريكاً فى صفقات الأسلحة، فكانت السراى تستخدم كل وسيلة لإسكات أى صوت يرتفع، وإخماد أى حركة تقوم.
وهؤلاء الأشخاص يلعبون بمقدرات الوطن سياسياً، وعسكرياً، وهم يكسبون المنصب، والمال، والجاه الاجتماعي، ويسعون إلى الاحتفاظ بمقدراتهم على حساب قوت الناس، ومصائرهم، بل وعلى حساب مستقبل الوطن نفسه ..
أما الطرف الثاني، فيتمثل فى شخصية الصحفي، الذى يكشف خفايا الأسلحة الفاسدة، فيجعل منها قضية سياسية عامة، مما يدفع النيابة إلى التحقيق معه، ويصل الأمر إلى السلطات القضائية .. والجدير بالذكر أن المؤلف إحسان عبدالقدوس عكس تجربته المشهورة فى هذا الصدد فى الفيلم، ثم ظهرت بنفس الشكل مرة أخرى فى فيلم " أنا حرة " المأخوذ عن رواية له.
وفى فيلم " أنا حرة "، فإن الصحفى عباس لم يكتب مباشرة عن قضية الأسلحة الفاسدة، بل عن الحكم الملكى بشكل عام، وهو فيلم خال من ذكر أحداث 1948، ورغم أن أحداثه تدور بين عامى 1947 و 1952.
أما فيلم " رد قلبى " فإن أحداثه تدور بين عامى 1936و1952، لكن حرب 1948 كانت بارزة، بشكل مختلف تماماً عما حدث لـ"علي"، فعلى كان أحد الضباط المشاركين فى الحرب، وفى الفيلم إشارة إلى أن الأسلحة الفاسدة كانت سبباً فى قتل الضباط، منهم صديق مقرب إلى على (جسده رشدى أباظة) اتسم بالبهجة، فانفجر سلاح فاسد فيه، فأرداه قتيلاً.
ولم يصور الفيلم الطرف الآخر من القتال، وكأنما العرب يحاربون أشباحاً، وليس جيشاً نظامياً وكأنما الخصم الرئيسى هم تجار الأسلحة الفاسدة، والفيلم هنا عن ضابط ارتبط بصداقات قوية مع ضباط آخرين، وصار واحداً من الأحرار، وقد بدا التأثير السياسى لحرب 1948 فى هذا الفيلم من خلال السخط العام الذى ساد ضباط الجيش المصري، بعد الهزيمة، فكان ذلك نواة لتأسيس مجموعة الضباط الأحرار وقيام الثورة.
 


وقد عادت السينما إلى قضية الأسلحة الفاسدة، بشكل مكثف فى عام 1966، من خلال فيلم " من أحب " الذى أخرجته ماجدة بمساعدة كل من وجيه نجيب وحسن رضا, الحروب فى هذا الفيلم جزء أساسى من الأحداث، فمن خلالها يتباعد الأحباب ويلتقون، وفى ليلة اندلاع الحرب بين مصر وإسرائيل، يستمع تاجر الأسلحة إلى حوار عاطفي، تبث فيه ليلى مشاعر الحب للضابط طارق، الذى قرر أ ن يتزوج من ابنة عمه نيفين . ومسألة الأسلحة الفاسدة هنا أيضاً عائلية، فوالد ليلى يتاجر فى الأسلحة الفاسدة، وهو يموت منتحراً بعد أن شارك فى تمويل الجيش بهذا النوع من الأسلحة، وسيكون حبيبها الضابط طارق هو أحد ضحايا الحرب، والإصابة هنا ليست فى جسمه ، ولكنها تسبب أزمة نفسية.

وفى عام 1982، عادت السينما مرة أخرى للحديث عن موضوع الأسلحة الفاسدة، فى فيلم مقتبس أيضاً، وهو " الأقدار الدامية " لخيرى بشارة، المأخوذ عن مسرحية " الحداد يليق باليكترا " ليوجين أونيل، أى أن الاتجار فى الأسلحة الفاسدة قد انتقل من المسرح العالمى إلى السينما المصرية . والجدير بالذكر أن نفس الموضوع نوقش فى أكثر من مسرحية، منها  " كلهم أبنائى " لآرثر ميللر، و" سجناء الطونا " لسارتر.
نحن هنا أمام فيلم سياسى من اللقطات الأولى، فعلى عناوين الفيلم، نطالع الصحف التى صدرت فى أواخر عام 1947، وأوائل عام 1948، ونقرأ الخريطة السياسية . فهناك إشارة أن الجيش سيطر على الموقف بعد إضراب ضباط البوليس فى القاهرة والإسكندرية، وأن رئيس الوزراء سافر إلى الإسكندرية لاحتواء الموقف، ووسط عناوين عن الحياة الاجتماعية، والسياسية، هناك خبر عن مشروع الوصايا على فلسطين.
 
وكما أشرنا، فإن هناك خلفيات سياسية واجتماعية فى هذه الأفلام، ولكن هناك أفلاماً أخرى، أغلبها مقتبس عن أفلام عالمية، وجدت أن عليها تمصير الحروب العالمية، فى إطار الحروب العربية الإسرائيلية، لذا فإن النصوص التى سنتعرض لها هنا، لم تكن حرب فلسطين بالنسبة لها سوى ديكوراً لقصص عاطفية أو ما شابه.
من هذه الأفلام مثلاً : " الحياة الحب " لسيف الدين شوكت عام 1954، و " شياطين الجو " لنيازى مصطفى وتأليف الضابط وجيه أباظة عام 1956، و " نهر الحب " لعز الدين ذو الفقار "1960، و " غداً يوم آخر " لألبير نجيب، و " طريق الأبطال " لمحمود إسماعيل عام 1961. والمقصود هنا أننا أمام قصص الحب، وأن الحرب تلعب دوراً فى حسم العلاقات بين الأطراف، وقد برزت مشكلة الحبيب المسافر إلى الحرب، وغيابه، وعدم عودته، وتناثر أخبار عنه أنه ميت، أو مفقود، مما يدفع المرأة أن تغير سلوكها، وترتبط برجل آخر، لكن لا يلبث الحبيب القديم أن يظهر فيدمر ما تم بناؤه ويتولد صراع جديد.

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع