فنون

استخدام الأغانى الشعبية.. فى المجتمع المصرى

فى مصر ومع بداية ثورة يوليو بدأ الاهتمام بالتراث والمأثورات الشعبية، وخاصة فى مجال الأغنية الفولكلورية، ويذكر الأستاذ رشدى صالح فى مقالة له، بعنوان: "تطور الفولكلور المصرى" فقرة عن إنجازات مركز الفنون الشعبية فى مجال الأغنية الشعبية خلال المدة من 1957 حتى عام 1967 فيقول: "... وعلى الرغم من وجود صعوبات مختلفة ناتجة من حداثة مركز الفنون الشعبية، فقد استطاع هذا المركز أن ينجز ما يلى: سجل بأجهزة التسجيل الصوتى ما يصل إلى خمسة آلاف نموذج من الأغانى والأشعار والأمثال والأقوال والحكايات .
 
والأغانى الشعبية "يعرفها الكسندر كراب بأنها "قصيدة شعرية ملحنة مجهولة الأصل كانت شائعة بين الأميين فى الأزمنة الماضية، ولاتزال حية فى الاستعمال"، بينما يرى هانز موزر بأنها "الأغنية التى يعدلها الشعب وفقا لرغبته. وفى مؤلفه "الأغنية الشعبية- مدخل من دراستها" يعرف أحمد مرسى بأنها الأغنية المرددة التى تستوعبها حافظة جماعة يتناقل أدبها شفاهيا وتصدر فى تحقيق وجودها فى وجدان شعبى (...) يختلف الباحثون حول المعايير التى تميز الأغنية الشعبية وعلاقتها بأنواع الأغنيات الأخرى، فقد اشترط بعض الباحثين أن تكون مجهولة المؤلف وأن يكون تناقلها شفاهيا كمعيارين يميزان هذه الأغنية. وقد استعرض أحمد مرسى آراء العلماء حول إبداع الأغنية الشعبية وانتشارها، وحصرها فى ثلاث مجموعات، هى:
الفريق الأول يرى أن الأغنية الشعبية تؤلف نفسها، بمعنى أن الذى يؤلف الأغنية هى الجماعة الشعبية كلها بشكل عضوى أو تلقائى، وتسمى هذه النظرية "نظرية الإنتاج". أما الفريق الثانى فيرى أن الأغنية الشعبية على الرغم من أنها ملك للناس جميعا إلا أنها من إبداع الفرد أساسا (نظرية الاستقبال). ويرى الفريق الثالث (وهم أصحاب نظرية التداول والانتشار) أن الإبداع الشعبى للأغنية شأنه شأن الإبداع الفردى، لكنه يتأثر بالمجتمع بصورة أكثر وضوحا من خلال تبنى الناس للأغنية، ثم تداولها وانتشارها وتأديتها لتحقيق دورا فى حياة الشعب . 
 
 ومن الرواد المصريين الذين قاموا بدور عظيم فى حماية الأغنية الشعبية وأخلصوا لها ولمبدعيها الأستاذ زكريا الحجاوى، الذى طاف القرى والنجوع والكفور فى أرض مصر لاكتشاف هذه الثروات المطمورة من أغانينا الشعبية التى تعبر بصدق عن روح الشعب المصرى الأصيل .
 
وتصنف الأغانى الشعبية إلى قسمين رئيسيين: أغانى خاصة بالنساء، وأغانى خاصة بالرجال، وأول ما يتبادر فى الذهن عن أغانى النساء هو بالطبع أغانى المهد والهدهدة، وترقيص ودغدغة الأطفال، وأغانى السبوع والختان، ثم أغانى الزواج  ثم البكائيات أى أن الأغانى تشتمل دورة حياة الإنسان من المهد إلى اللحد مرورا بحياته العامة وما يتخللها من مناسبات مختلفة .
 


أغانى الأطفال: تحتل أغانى الأطفال مكانا متميزا داخل تراث أغانى الشعبية على الإطلاق، وأوسعها انتشارا. كما نجدها تتشابه فيما بينها إلى حد بعيد من حيث النغم ومن حيث المضمون بين الثقافات على امتداد العالم. وهى من أغانى المصادر التى تحفظ لنا بقايا معتقدات وممارسات درست ولم يعد لها وجود فى عالمنا الحاضر(...) وتتميز أغانى الأطفال من الناحية الشكلية (أو الفورم) بأن الإيقاع هو الذى يلعب الدور الحاسم فيها. وهذا يفسر لنا طبيعة العلاقة الوثيقة بين أغانى الأطفال والرقص الشعبى. كما تتميز أغانى الأطفال بالقافية الواضحة التى يستبدل بها أحيانا السجع والجناس الاستهلالى.
أما النغم فموقع توقيعا شديدا، ويتميز بنفس الشكل الأساسى الذى يطوع عضويا مع كل النصوص. بل يمكن القول بأن لحن أغنية الأطفال واحد متكرر، طالما لم يتعرض بالطبع لمؤثرات من المدرسة أو أى مصدر آخر من مصادر الثقافة الرسمية .
أغانى الأفراح (الأعراس): يذكر الكسندر كراب أن أغانى الزفاف أو الأعراس تتصدر كل الأشكال المعروفة للأغنية الشعبية، وذلك لأنها تساير فترة الاحتفال بأهم المناسبات فى حياة الإنسان وهى الزواج، وتعد أغانى الأعراس من عائلة أغانى الطقوس لأنها تتناول كل طقوس الزواج وشعائره. وقد يصنفها بعض الباحثين حسب مراحل الزواج كأغانى الخطبة، والشبكة، والدخلة، والصباحية.
ويغلب على أغانى الأفراح الغناء الجماعى، وقد يشارك أهل العريس أهل العروس فى الغناء. ففى ريف مصر يجتمع أهل العروس من الفتيات والنساء ويقمن بالغناء الجماعى الذى يصاحبه التصفيق باليدين أو استخدام أداة من أدوات الإيقاع كالطبلة (الدربكة). وتستوعب أغانيهم موضوعات كثيرة تصور صفات الحسن المثالية فى العروس (رأسها رأس يمامة- عيونها عيون الغزلان- شعرها سلب الجمال- فمها خاتم سليمان) وتصف حليها وزينتها والمال الكثير الذى قدم مهرا لها، وهى تلخص القيم الاجتماعية والأخلاقية السائدة فى المجتمع الشعبى .
 
أغانى الجلوة: تتم جلوة العروس فى بعض مناطق الوطن العربى قبل انتقالها فى زفة إلى منزل العريس، ففى عصر يوم الزفاف تقام للعروس جلوة (تجلس على مكان مرتفع معد من الكنب البلدى فى الريف المصرى). وقد يحاط مكان الجلوة بسعف النخيل تيمنا، ويستمر الغناء والرقص أمام العروس لبعض الوقت إلى أن يحضر العريس لاصطحابها فى زفة إلى منزله .
 
أغانى الحناء: أغانى جماعية تصحب حفل تحنية العروس فى معظم بلدان الوطن العربى (...) وفى بعض نواحى صعيد مصر تؤدى أغانى الحنة فى اليوم السابق للزفاف مجموعتان بالتناوب تتألف كل مجموعة من امرأتين. وتؤدى الأغانى بمصاحبة الزغاريد من حين لآخر ، كما هو الحال أيضا فى أعراس وجه بحرى، حيث تتجمع البنات والنساء والأطفال حول العروس بعد تحنيتها فى اليوم الذى يسبق يوم الزفاف، حيث يجلسنها على مكان مرتفع، ويغنين لها أغانى الحنة التى تحفظها القرويات عن ظهر قلب، ويتخلل الغناء بعض الرقصات من البنات، والتصفيق على الأيدى، وكذلك الزغاريد.
 
أغانى الختان (الطهور): كان يقوم بعملية ختان الطفل الذكر حلاق القرية فى الريف العربى عموما، حيث يقام بهذه المناسبة حفل بهيج تغنى فيه الأغانى التى يغنيها المحترفون وغير المحترفين. وقد يحتفل بالختان فى مناسبة زواج أحد أقارب الطفل، فكان يركب حصانا أمام العريس، ثم يختن فى حفل خاص.
 


وتولى هذه الأغانى اهتماما خاصا بذكر أهل الطفل الأم والأب والخال والعم والعمة والخالة ، وكان فى بعض قرى وجه بحرى يقام ختان جماعى لأطفال العائلة من الذكور من الذين يتقاربون فى العمر، ويقام لهم احتفال بهيج يحضره أفراد العائلة، وبعد إتمام عملية الختان، تنطلق الزغاريد، ويقمن نساء العائلة "بنقطة" المزين، أى منحه بعض النقود، غير الأجرة المتفق عليها مسبقا، ثم إعداد وليمة الغداء للمزين ومن حضر من أفراد العائلة والجيران.
 
أغانى الصيادين: من أنواع أغانى العمل تنتشر بين جماعات الصيد فى بحيرات مصر وفى بعض بلاد الخليج العربى. وهى تخضع للحركة المنتظمة المتكررة للصيادين أثناء الصيد أو التجديف. يشيع فيها الغناء الجماعى الذى تشترك فيه مجموعة يقودها أحد الصيادين.
ووظيفة هذه الأغانى الأساسية هى الحث على العمل فى إيقاع واحد.
 
ومن الملاحظ أن هذه الأغانى تختلف فى طبيعتها حسب طريقة الصيد، ففى البحيرات الشمالية الضحلة فى مصر (فى صيد القفشة على سبيل المثال) يسود الإيقاع البطىء أثناء إلقاء الشباك وسحبها وتميل المقطوعات الغنائية للطول. أما فى بحيرة قارون حيث تستخدم القوارب للصيد، فإن الإيقاع يميل إلى السرعة وفقا لطبيعة عمل الجديف، وتميل المقطوعات لأن تكون قصيرة .
 
أغانى ألعاب الأطفال: أغانى بسيطة يغنيها الأطفال من الصبية والبنات أثناء ألعابهم فى ساحات القرية وحاراتها. يخضع إيقاع هذه الأغانى لإيقاع الحركة أو الحركات التى يؤديها الأطفال، فهى تهدف إلى تنظيم حركة اللاعبين فى المقام الأول. ومن الصعب معرفة معانى هذه الأغانى إذ يميل أكثر نصوصها إلى التجريد.
وتذهب بعض الآراء إلى أن أغانى ألعاب الأطفال من صنع المرأة، ومع ذلك فإن أهميتها ترجع إلى أنها نشاط اجتماعى للأطفال ، وهناك أغانى ألعاب  للأولاد وأغانى ألعاب للبنات، وأغانى ألعاب تجمع مشتركة، ولا توجد لعبة من ألعاب الأطفال على امتداد أرض مصر من أقصاها إلى أقصاها تخلو من الغناء الذى يصاحبها.
 
ومن ثم، فالأغانى الشعبية هى وليدة البيئة التى نبعت منها، ووليدة المخيلة التى أبدعتها بصفتها أحد أهم الإبداعات الشعبية، ولم تترك الأغانى الشعبية بابا إلا عبرت عنه، ولا مناسبة إلا ابتكرت لها أغانيها التى تناسبها.

(25 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع