فنون

"ن" والقلم..

حياة العجوز وإبداع البحر

كتب الروائى الأمريكى أرنست هيمنجواى (1899- 1961) الكثير من القصص القصيرة والروايات.. وتأثر به كثيرون من المُـبدعين على مستوى العالم (خاصة فى فترة الستينيات من القرن العشرين).. ومن بين رواياته المهمة رواية (وداعـًا للسلاح) عن الضابط الذى أصيب فى الحرب العالمية الأولى.. وتنشأ بينه والممرّضة علاقة حب.. وتتخللها مشاهد لتجسيد مآسي الحروب وبشاعتها.. وعلى نفس هذا اللحن (بعذوبته الشجية الأسيانة) كتب رواية (لمن تدق الأجراس؟) الصادرة عام 1948عن قصة الشاب الأمريكى الذى رافق بعض اليساريين، أثناء الحرب الأهلية الإسبانية.. ويبدأ صراعه النفسى عندما يتلقى أمرًا بتفجير جسر خلال الهجوم على إحدى المدن.. وكانت رسالة الرواية - أيضـا- إلقاء وتكثيف الضوء Focus (بلغة السينما) بهدف التحذير من قتل الإنسان للإنسان، فى الحروب التى تدور بين الدول، بينما الضحايا من الجنود والضباط الذين لادخل لهم فى الصراع الناشب بين الزعماء.. ومن بين رواياته البديعة أيضـا رواية (ثـمّ تـشرق الشمس). 
 
أردتُ بهذا التقديم أنْ يكون المدخل لرواية (العجوز والبحر) التى كادتْ أنْ تبتلع معظم أعماله الإبداعية.. وذلك بالرغم من أهمية هذه الأعمال.. وثناء النقاد عليها. 
والسبب- فى رأي- أنّ العجوز والبحر أشبه بسيمفونية تجريدية عن الإرادة الكامنة داخل (كل) الكائنات الحية (من أصغر حشرة إلى الإنسان) وهو ما جسـده هيمنجواى فى الصراع الذى داربين العجوزالذى أصرّعلى اصطياد السمكة الضخمة، التى رفضتْ الاستسلام بسهولة.. وفى كل صفحات الرواية- وبشكل أدبى بديع- تجسيد لهذا الصراع الناطق والمُـعبـر عن (قوة الإرادة). 

وأعتقد أنّ هيمنجواى استمد فكرة الرواية من تأمله فى تجاربه الذاتية، حيث إنه كان من عـشاق المشى والجلوس أمام البحر.. كما كان من عـشاق صيد السمك. لذلك يذهب ظنى أنّ بطل الرواية هو كاتبها. 
والملفت للنظر أنّ هذه الرواية التى تخلو من الأحداث.. وليس بها غير شخصية العجوز(باستثناء صديقه الشاب فى الصفحات الأولى ثـمّ يختفى تمامـا) ليكون صفاء التركيز على البطليْن الوحيديْن (العجوز والسمكة) وبالرغم من اختفاء الشخصيات والأحداث، أنتجتْ السينما الأمريكية واحدًا من أفلامها الكلاسيكية البديعة عنها عام1958.. واشترك فى الإخراج مُـبدعيْن كبيريْن (جون ستورجس) و(فريد زنيمان) والمفاجأة البهيجة أنّ الراوى الممثل الفنان البديع (سبنسرتريس) ونال هذا الفيلم جائزة الأوسكارلأفضل موسيقى تصويرية. 
كان هيمنجواى من الذكاء عندما بدأ روايته بالتعريف بشخصية العجوز الذى ظهر فى الصفحات الأولى.. وهو ينصح صديقه الشاب بعدم ارتكاب جريمة السرقة، حتى ولو كان الهدف مجرد سدْ ألم الجوع.. وكأنما أراد المبدع- بهذه البداية- توصيل رسالة، وهى أنّ صراع العجوز مع السمكة، ليس بهدف تناول لحمها.. وإنما الحرص على نجاح إرادته.. وبلغة فن الرواية الأصيل الذى (يعتمد على الإيحاء لأنه أبلغ وأقوى من الإفصاح) يعرف القارئ أنّ العجوز((شرب قهوته فى هوادة.. وكانت هى كل زاد يومه، فقد ملّ الطعام منذ سنوات)) وكان الشاب يرغب فى مصاحبته فى رحلة الصيد.. ولكن العجوز رفض عرضه.. ودّعه الشاب قائلا ((حظ باسم أيها العجوز)) فقال له ((ولك أنت الآخر ياولدى)).

 

بعد ذلك بدأ المُبدع رسم باقى ملامح العجوز، فهو من عشاق البحر.. ويتأمله على طريقة الشعب الإسبانى.. وقبل أن يسأل القارئ: لماذا الشعب الإسبانى؟ يخبره- فى نفس الصفحة- لأنه الشعب الذى (أنـث) البحر.. ويتحدث الإسبان عنه كما لوكانوا يتحدثون عن امرأة جميلة، بينما شباب الصيادين ينظرون إليه كرجل.. ولكن العجوز رفض وجهة نظرهم ((فكان يتخيـل البحر أنثى تهب الحياة بالعطاءات. 
 
وكان المُـبدع من الذكاء عندما مهـد للصراع بين العجوز والسمكة الضخمة، بالصراع بين سرب من الطيور التى انقضتْ على (دلفين كبير) لتنهش لحمه. ليس ذلك فقط.. وإنما لمح العجوز الدلفين وهو يطارد الأسماك الصغيرة.. ولكى يـعمّـق المُـبدع مغزى هذا المشهد.. ذكر أنّ العجوز شاهد الطيور الجارحة وهى تـشارك الدلفين فى مطاردة الأسماك الصغيرة.. والمغزى من هذا المشهد هوأنّ الأسماك الصغيرة إذا كانت لاتملك قدرة (مجابهة) الأعداء الأقوى منها، فإنّ (سلاحها) للمُـحافظة على حياتها هو(هزيمتهم) بالفرار من مخالبهم.. وهذا فى حد ذاته التعبير الذى تملكه عن إرادة الحياة. 
وفى المشد التالى: أقبلتْ السلاحف البحرية.. وبدأتْ تلتهم الأسماك الصغيرة. وبعد أنْ رأى العجوزهذا المشهد حـدّث نفسه قائلا: أنا لا أحب هذا النوع من السلاحف.. ولكنى أحب السلاحف الخضراء نظرًا لسرعتها وأناقتها.. ولا أحب الصفراء.. وبالرغم من ذلك كان يشعر بالشفقة عليها جميعـا ((لأنّ لى قلبـا مثل هذه السلاحف.. ولى يدان وقدمان مثلها)).
 
بدأ صراعه مع (سمكة تونة ضخمة) وعندما شاهدها رمى شباكه.. ولكن حجمها أرهقه وأضعف ساعده، فاستلقى على ظهره.. واجتذبها بكل قوته.. ولكنها فرّتْ من شبكته.. وبعد ذلك اختفتْ كل أسماك التونة.. وهبطتْ إلى جوف الماء.. وفجأة ظهرتْ أسراب أخرى من سمك التونة الضخمة.. وكان على استعداد دائمًـا للإمساك بواحدة.. وشعر بسمكة تنهش السردينة التى تحيط بالخطاف.. ولكنها هربتْ منه فقال لها: خذى جولة فى البحر ثم عودى لتأكلى من طيبات هذا الطـعم.. وعندما شعر بسمكة أخرى غرزها الخطاف قال لها: شمى حلاوة رائحة السردين.. وبسرعة تخلى عن شطحاته فى مخاطبتها عندما شعربضعف مقاومته، نتيجة الألم فى يده.. وهبوط الحبل إلى أسفل الماء.. وبالتالى زحفتْ السمكة بعيدًا عنه.. وهنا فقط تذكـر صديقه الشاب.. وشعر بالندم لأنه رفض صحبته فى رحلة الصيد. 
 
مضتْ أربع ساعات والسمكة تسبح موغلة فى أعماق مياه البحر.. وقال العجوز لنفسه: غير مهم طالما جئتُ من هافانا على أضواء الليل.. ولاتزال أمامى ساعتان قبل أنْ تغرب الشمس.. ولعلّ السمكة تظهر مع شروق الشمس.. وأضاف: إننى لا أشعر بأى تقلص فى يدى.. وأشعر أننى فى قمة قوتى. قال هذا بعد أنْ دخل الخطاف فى فم السمكة.. وقال بزُهو الخطاف فى فمها وليس فى فمى.. ولكن هذا الزُهو تراجع عندما شعر بقوة السمكة.. وقال: إنها تجر زورقى.. وأودُ رؤيتها حتى أعرف أى غريم أواجه.. وقطع تأملاته عندما اقترب زوج من الدلافين حول زورقه. وشاهد قفزاتهما فى الماء.. واستطاع أنْ يـميـز بين صوت الذكر وتأوه الأنثى.. ضحك وقال: يبدو أنهما يلهوان ويتضاحكان.. ويمارسان العشق بطريقتهما. 
 
وبالرغم من رغبته فى الانتصار على السمكة الضخمة، تملكه شعور بالرثاء لها وهى عالقة بالخطاف.. وقال: إنها سمكة عجيبة ومذهلة.. ولم أظفر فى حياتى بسمكة بهذه القوة.. ولكنها لاتعرف أنها تواجه رجلا عجوزًا، إنها تجرنى وتحارب غير مذعورة.. هل تحارب وفق خطة؟ أم أنها تـصارع مستميتة مثلى؟ 
فى هذا الجزء فإنّ هيمنجواى كثـف مغزى الرواية (بأسلوب الفن) ودون مباشرة: مغزى إرادة الحياة بين كائنيْن: أحدهما من بنى الإنسان والآخر من عالم البحار.. وعن استكمال هذا المشهد رأى العجوز السمكة الذكر قريبة من الأنثى.. وفكـر هل يضرب الأنثى أم الذكر؟.. ولكنه خشى أنْ يضرب الذكرالحبل بذيله الحاد كسن المنشار وبحجمه.. وقرّر ضرب السمكة الأنثى.. وانقلبتْ على ظهرها فجذبها إلى زورقه.. وبينما العجوز يـخلـص الخطاف من حلق الأنثى.. ويستعد لغرز الحربة، إذا بالذكر يقفز فوق الزورق قفزة عالية، علـه يرى أين ذهبتْ أنثاه. 
 
هنا إشارة بليغة عن أنّ الكائنات الحية (غيرالعاقلة مثل الأسماك) تتضامن مع بعضها عند الشعور بالخطر.. وهذا هو مغزى قفز الذكر فوق الزورق ليطمئن على أنثاه.. وهو ما يؤكد على أنّ الصراع بين العجوزوالسمكة، مجرد (حيلة فنية) لإبرازالهدف الذى سعى هيمنجواى إليه.. وهو أنّ إرادة الحياة ليستْ سمة من سمات 
وللتأكيد على ذلك أضاف المبدع أنّ العجوز قال لنفسه: إنّ السمكة على إثر غدرى بها، لم تجد بدًا من الاختيار.. ولقد اختارتْ البقاء فى الماء العميق.. أما أنا فقد اخترتُ أنْ أسير معها بعيدًا عن البشر.. وها أنا الآن مصيرى مُـرتبط بمصيرها.. ويا ليتنى لم أكن من هواة صيد السمك. 
 
وبالرغم من ذلك فإنه فى مشهد آخرمن مشاهد الصراع بينه والسمكة قال لها: ((إننى أحبك وأحترمك كثيرًا.. ولكننى سأصرعك حتى الموت)) وبعد أنْ أنهى كلامه إذا به يفاجأ بهزة قوية ألقته داخل الزورق.. وكادت الهزة- لولا تماسكه وقوة إرادته- أنْ تلقى به فى الماء.. وكان تبرير العجوز أنّ تلك الهزة سببها: ربما أنّ السمكة شعرتْ بالألم.. وأضاف: وأنا أيضًـا أشعر بالألم. ثم سألها: بمَ تشعرين الآن؟ إننى أشعر بأنّ هذه السمكة أختى.. ولكن لامناص لى من قتلها.. ولابد أنْ أحتفظ بقواى لهذه المهمة.. ولكننى لا أعرف: ماذا تـدبر هذه السمكة. إنها تبدو هادئة. إنّ خطتى يجب أنْ تكون أبرع من خطتها.. وعندما رآها وقد قفزتْ إلى سطح الماء قال: لابد أنها تعمّدتْ تخويفى وبث الرعب فى قلبى. سأجعلها تشعر أنها أقوى منى.. ونظرًا لطول مدة الصراع بينه وبينها خاطبها قائلا: إذا كنتِ لم تتعبى حتى الآن، فأنت إذن سمكة عجيبة.. ولقد نالى التعب كما نالك. فليرحم الله هذه السمكة.. وليرحمنى معها. 
أمسك العجوز بالحبل وشدّ الدلفين نحوه بقوة.. ورفعه إلى الصارى.. والدلفين يقاوم ويعض الخطاف فى محاولة يائسة للافلات.. وبعدها سقط فى جوف الزورق بجسده القوى.. ولم يلبث أنْ هدأتْ حركته، فخلـصه العجوز من الخطاف.. ووضع سمكة سردين فى الخطاف.. ولكن الدلفين لم يستسلم.. وظلّ يـقاوم. فشطح خيال العجوز وقال: لوحاول الناس أنْ يقتلوا القمرفهل يستطيعون؟ ولونجحوا فهل سيهرب القمر؟ واستمرّفى شطحاته فأضاف: إنّ فكرى يلمع كالنجوم التى هى اخوتى.. وينبغى علىّ أنْ أنام. إنّ النجوم تغفو وكذلك الشمس والقمر.. وحتى البحار تنام فى أوقات معينة، عندما تنعدم التيارات والأمواج العاتية، فتنبسط صفحتها. 
 
وبعد أنْ عاد لرشده قال: ((لاينبغى أنْ أفشل وألقى مصرعى أمام سمكة، لاسيما وهى تسعى نحوى.. وأنا أطلب العون من الله.. وسأصلى للسماء.. ولكننى الآن لا أملك ترديد صلواتى)) فى هذه المناجاة مزج العجوزالجد بالهزل بروح المقاومة، لأنه عندما عاد للواقع حـدّث نفسه قائلا: ولكنكَ لاتزال صالحـا للصمود.. وعندما شعر بالسمكة وهى تشد الحبل نحوها قال لها: إنك تقتليننى أيتها السمكة.. وبعد أنْ طعنها بالحربة.. وكانت على وشك الموت إذا بها تنهض من جديد.. وارتفعتْ فوق الماء.. كأنما تريد أنْ تـظهر طولها وقدرتها. 
وبعد أنْ تأكد من أنه قتلها قال: إننى عجوز مُـجهد.. ولكننى صرعتُ هذه السمكة التى هى أختى.. وعندما شعر بالرثاء لها أضاف: كانت عيناها كعينىْ راهب مُـتبتل، ولكن لم يكن هناك بدٌ من قتلها.. وقد أدركتْ المسكينة ألاّ سبيل للنجاة. 
فى هذا المشهد ركـز المُـبدع على تجسيد أنّ رغبة الإنسان فى قتل الكائن الحى (غيرالعاقل) تختلف عن قتل الإنسان للإنسان، لأنّ الرغبة الأولى سمحتْ بها قوانين الطبيعة منذ أقدم العصور، بينما الثانية مُـجرّمة ومـحرّمة فى كل التشريعات السماوية.. والقوانين الوضعية. 
 
وفى الصفحات الأخيرة كانت المـفاجأة الدرامية التى (ربما لم يتوقعها كثيرون) وهى أنّ أسماك القرش شمّـتْ رائحة دم الدلفين، فهاجمتْ الزورق الذى يحمل جثمانها. حاول العجوز الدفاع عن فريسته.. ولكن هل يقدر على سمك القرش، الذى يعيش على التهام أى نوع من السمك.. وهو نوع قوى وسريع ومُـسلح.. ولا ندّ له فى البحر فقال العجوز لن أستطيع أنْ أمنع القرش عن ضربى والإطاحة بى.. وبعد أنْ طعن سمكة القرش عدة طعنات، فإنها لم تستسلم للموت.. ولكنه نجح فى النهاية من قتلها، فناجى نفسه قائلا: إنكَ لم تقتل السمكة لمجرد أنْ تعيش، أولبيعها للراغبين، لقد قتلتها بدافع الزهو بنفسك أيضًـا، لأنك صياد.. ولما تذكـر سمكة الدلفين قال: لقد عشقتها وهى على قيد الحياة.. وعشقتها بعد أنْ فارقت الحياة.. ولو كنتَ تـحبها حقـا، فلماذا قتلتها؟.. وهل ما فعلته خطيئة؟ أم أنه أكبر من الخطيئة؟ 

حاول العودة للواقع فقال لنفسه: إنك تفكـر أكثر من اللازم أيها العجوز.. وقد استمتعتَ بقتل القرش. إنه يعيش على السمك.. وأنا أيضًـا أعيش على السمك الذى هوقوام حياتى. إنّ الصيد يقتلنى كما أنه مصدر رزقى. 
كانت المفاجأة الدرامية الثانية، أنْ زحفتْ جيوش من أسماك القرش، بسبب رائحة الدم.. وبعد نهـش لحم الدلفين قال: إننى آسف أيتها السمكة، ليتنى ما ظفرتُ بك. يا نصف سمكة. يا من كنتِ سمكة إننى آسف عندما أوغلتُ فى البحر. لقد حطمتك وحطمتُ نفسى.. ولكن أخبرينى كم سمكة قتلتها أيتها السمكة العجوز؟ 
 
أعتقد أنّ هذه الرواية هى تلخيص (بكثافة الإبداع) لمُـجمل تاريخ الكائنات الحية (عاقلة وغير عاقلة) منذ دبـتْ الحياة على الأرض، لتكون عـبرة (كما أراد هيمنجواى) لبنى الإنسان بالكف عن قتل بعضهم البعض، حتى ولوكان الجوع هو سبب القتل.. كما تفعل الكائنات غير العاقلة، التى لايـمكن لومها. 

(27 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع