فنون

أكاديميون ونقاد: التجريبى مهرجان استنفد أغراضه

تحظى مصر بكتلة سكانية شبابية هائلة وهو ما يستدعى أن تتواكب حركة الفنون والآداب وحتى العلوم لتناسب حركة هذا الجيل الشبابى الذى يتسم بالسرعة والانفتاح على كل الدنيا وأيضا الإحجام واندعام الرغبة بالمشاركة بأى فاعلية مصرية حتى وإن كان هناك حضور عالمى بهذه الفاعلية، وهو ما حدث مع مهرجان المسرح التجريبى والمعاصر بالدورة الخامسة والعشرين له، وهو ما استدعى معرفة الأسباب التى أدت لهذا الانقطاع الجماهيرى الشبابى عنه. 
 


حيث قال دكتور أبو الحسن سلام أستاذ مناهج التمثيل والإخراج بكلية الآداب جامعة الإسكندرية أنه لابد لكل مهرجان فنى أجندة وفائدة مجتمعية تتحقق من خلال فاعلياته والمشاركة به، وهو ما كان يحدث مع البدايات الأولى للمهرجان بعام 1988 وحتى الدورة الأخيرة بالعام 2011 حيث كان يحقق المهرجان فائدة كبرى ليس فقط للمسرحيين والمهتمين بفن المسرح ولكن بشكل عام وهذا كان يتمثل بالمطبوعات والمترجمات التى كانت تقدم على هامش المهرجان بالإضافة للندوات العديدة التى كانت مفتوحة للحضور العام، أما هذه الأنشطة فقط انحسرت عاما بعد عام.  
وأضاف سلام أن التفاعل البشرى الأيديولوجى بأى واقع جغرافى بأى فاعلية هو ما يصنع الذوق والضمير المجتمعى ويخرجها من حالات السلبية إلى حالة الإيجابية واليقظة، والمسرح جزء مهم فى تشكيل الضمير فهو أداة من أدوات النخبة لصناعة الضمير، أما الآن فقد سيطرت صيغة الشلالية على الأنشطة التى يقدمها المهرجان، وأصبحت هذه الأنشطة محصورة فى إطار فكرهم الخاص فلا تواصل مع دائرة أوسع من الجمهور المسرحى ولا جمهور الفنون بشكل عام وكذلك جمهور النقاد.
 


ونوهت دكتورة هدى وصفى مقررة لجنة المسرح بالمجلس الأعلى للثقافة إلى أن فكرة المهرجان التجريبى فكرة صائبة مائة بالمائة، فهو مهرجان يهدف لتقديم مشاريع فكرية شبابية مستحدثة تتسم بالجدية، ومنذ بداية الدورة الأولى للمهرجان بالعام 1988 قدم المهرجان العديد من الفرق المسرحية الأوروبية التى تقدم عروضا وفنانا مسرحيا مستحدثا، وهذا ما يتناسب الآن مع المتغيرات والمستحدثات المجتمعية بأشكالها المختلفة، ومشكلة مجتمعاتنا أنه لا يوجد به فلاسفة أو مفكرين يقدمون تغذية للحركات الفنية الشبابية بالمجتمع التى تتحرك على أفكار هؤلاء الفلاسفة والمفكرين، ولكن ما يحدث أننا نستورد الفكر ولا نقدم أى جديد بناء على دراسة لإمكاناتنا المجتمعية بالمحيط الجغرافى الذى نعيش فيه. 
وأشارت وصفى إلى أن المهرجان التجريبى جاء نتاج حركة مسرحية مصرية كانت تؤمن بالتجربة الفنية مثل المسرح الأسود ومسرح الجرن والسامر وغيرها من أشكال مسرحية بدأت بالظهور وكانت تستدعى الاحتكاك بمدارس مسرحية جديدة ومختلفة وليس تطبيق فلسفة وتجربة الآخرين، وكنا نستحدث أفكارا مسرحية من تجاربنا وأفكارنا الخاصة، ولكن الآن لا يوجد التعليم الكافى لصناعة تجارب فكرية وفنية جديدة.
 


وصرح الدكتور عاطف النمر الناقد المسرحى إلى أن هناك إعراض والهجر الجماهيرى للمهرجان - فأين أهل المسرح من هذا المهرجان المسرحى - وهذا بسبب ما حدث لمهرجان من ضعف فنى لعدم اختيار عروض فنية جيدة منتقاة بشكل سليم، هذا بالإضافة لضعف وندرة المترجمات عن المسارح والاتجاهات المسرحية العالمية والتى شكلت مكتبة مسرحية لكل مسرحي، فالمهرجان كان يحقق الثراء المسرحى لمرتديه، أما الآن فلقد تم تفريغ المهرجان من محتواه ومضمونه ويجب أن يعود كما كان مهرجانا تنافسيا ليشجع الفرق العالمية على المشاركة ولإحداث السخونة الفنية وهو ما يعيد الجمهور للمهرجان ويحقق الأثر الفنى والمجتمعي.
 



وأكد د.عمرو دوارة المخرج والمؤرخ المسرحى أن مشكلة المهرجان التجريبى توقفه لخمسة دورات متتالية، ومن المفترض أن بلد كمصر يكون بها العديد من المهرجانات المسرحية مثل تونس والمغرب مثلا، لأن المسرح التجريبى هو شكل من أشكال المسرح وأحد قوالبه وليس كل المسرح، ولكن الجيل الحالى يتصور أن هذا هو المسرح بمفرداته التى تعتمد على الجسد والرقص والإيماءة، ولكن هناك مسرح أهم وهو مسرح الكلمة والمسرح الشعرى والاستعراضى والذى يتناسب معنا حضارة وفكرا، ولابد أن نؤمن بالكلمة والخطاب الدرامي، كما أن التجريب وسيلة وليس غاية. 
ولفت دوارة إلى أن الهدف من أى فاعلية وحدث فنى هو التواصل مع الجمهور والمتلقى فهو الضلع الثالث فى العملية الفنية، كما أن قلة عدد العروض من 37 عرضا إلى 27 خلق حالة من الضعف الفنى وعدم الإقبال الجماهيرى فالكم يخلق كيف، كما أن للتجريب ذاته عناصر أخرى كالتجريب فى الإضاءة أو الموسيقى أو فى أشكال التمثيل والنص المسرحى وهو ما يحتاج لورش مسرحية ممتدة ليست ليوم واحد أو يومين ولكن لشهور عديدة تنتج هذه الورش عروضا مسرحية مصرية القالب والطباع وتحمل فكرا مستحدثا نبهر به العالم ولقد قدم مسرحيون عدة تجارب مسرحية أذهلت الناس مثل عرض "مخدة الكحل" للمخرج انتصار عبد الفتاح والذى قام بالتجريب المسرحى مستخدم الصوت والموسيقى وكذلك المخرج أحمد مختار والذى قدم عرض "الخادم الأخرس" للكاتب الإنجليزى هالود بينتا وكذلك عرض "الحصان" للكاتب الإنجليزى بيتر شافير ومن إخراجي، كل هذه التجارب كانت نتاج ورش مسرحية طويلة خضعنا لها جميعا قام بالتدريس بها أساتذة وأسماء فنية كبيرة، كما أنه لابد من إحداث تطوير تكنولوجى بخشبة المسرح ذاتها لأن المسرح يعتمد الآن على التقنية كجزء أساسى بالعملية الفنية وهو ما قام به المخرج جلال الشرقاوى فى مسرحية "انقلاب" حيث استخدم العنصر التكنولوجى لجزء من الحدث الدرامى على خشبة المسرح.
 


وقال دكتور محمد عبد الهادى أستاذ ومدرب التمثيل إن المهرجان التجريبى يعانى بالفعل من ضعف بالعروض المصرية المشاركة به حاليا ولكن هذا الضعف الفنى راجع للمناخ العام إجمالا فالمهرجان كان له رد فعل وصدى جماهيرى وتأثير فنى بالحركة المسرحية كلها أما الآن فلقد اختلف الوضع وهذا ليس بسبب المسرحيين وحدهم ولكن لضعف الثقافة والفكر العام إجمالا، وهذا ليس بسبب الإدارة الحالية للمهرجان ولكن ظروف المجتمع والتغيرات السياسية الأخيرة هى التى أنتجت هذا الزهد الجماهيرى لكل ما هو ذو قمة فنية والبحث عن الرخيص المسلى دون جهد ذهني، وهذا ما يستلزم من النخب الفنية بذل المزيد من الجهد لتعديل هذا الفكر ومحو ثقافة الرخيص لثقافة وفكر أهم وأقيم وهى ثقافة المشاركة الفكرية والتفاعل الذهنى مع كل حدث وفاعلية فنية أو فكرية أيا كانت.
 
وأشارت الكاتبة والناقدة هند سلامة أن هناك بالفعل فارقا بالمهرجان سواء قبل التوقف لمدة خمس دورات أو العودة من جديد، فالظروف السياسية والاقتصادية تحدث فارقا بأى حدث كان، والاستقرار يحقق رواجا فنيا بالإضافة إلى أن ميزانية المهرجان تغيرت كثيرا خصوصا مع فارق العملة بعد تحرير سعر الصرف، وهو ما أحدث عجزا لدى إدارة المهرجان فى دعوة أعداد كبيرة من الفرق المسرحية العالمية من50 فرقة ولجان تحكيم ومسابقة رسمية وهذا ما لا يتحقق الآن بسبب ضعف الميزانية وهو ما يعد قيدا على إدارة المهرجان الحالية وكذلك هناك أسباب سياسية تمنع مشاركة بعض الفرق المسرحية من دول بعينها، ودورة العام الحالى كانت الأفضل احتفالا بمرور ربع قرن على تدشين المهرجان التجريبي، فالفرق المسرحية المشاركة هذا العام كانت أفضل فنيا بكثير من العامين السابقين كما قامت إدارة المهرجان بإعادة عرض العروض المصرية المميزة الفائزة بجوائز المهرجان للأعوام السابقة كالطوق والأسورة وقهوة سادة وكلام فى سرى وخالتى صفية والدير وهو ما أظهر الفن المصرى بشكل جيد أما العروض والمشاركون الأجانب، ولا أحد يعرف سبب الغياب الجماهيرى عن المهرجان سواء من دارسى المسرح أو المتخصصين وهذا مؤشر خطير جدا على مستقبل الحركة المسرحية.
 
ونفى المخرج عصام السيد المنسق العام للمهرجان كل ما قيل عن ضعف الإقبال الجماهيرى والدليل هو فاعلية الموقع الإلكترونى للمهرجان والإقبال الكبير عليه وهذا ما حدث بالضبط مع نشرة المهرجان بالإضافة إلى أن هناك عروضا بالمهرجان حققت إقبالا جماهيريا ضخما لدرجة أنها قامت بتقديم العرض مرتين فى نفس الليلة. 

وأشار السيد إلى أن إضافة المعاصر إلى التجريبى حقق شمولا فنيا من ناحية مشاركة كل الأشكال المسرحية المستحدثة فهى أشمل من ناحية اختيار العروض، كما أنه سيتم عقد ورش مسرحية طوال العام على هامش المهرجان، وكذلك سيتم تدشين مركز تدريب عالمى يقوم بالتدريس فيه مدربون عالميون من الخارج لتدريب فنانين من كل أرجاء الوطن العربي.

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع