فنون

المخرج السوري عروة المقداد:

أحلم بفيلم عن سوريا بعد الحرب

عروة المقداد مخرج سورى شاب عرض فيلمه "300 ميل" مؤخرًا فى مصر ضمن مهرجان أيام القاهرة السينمائية، وهو فيلمه التسجيلى الطويل الأول بعد عدة أفلام قصيرة حاز إحداها "شارع الموسيقى" على جائزة سمير قصير لحرية الصحافة. اختير فيلمه "300 ميل" للمشاركة فى المسابقة الرسمية لمهرجان لوكارنو الدولى وحصل على جائزة الفيلم الطويل الأول فى مهرجان “دوك ليزبوا” فى لشبونة، بالإضافة إلى مشاركات عربية ودولية أخرى ورأى النقاد أن الفيلم يقدم رؤية مختلفة عما يجرى فى سوريا. تجرى أحداث الفيلم ما بين مدينة حلب ودرعا بريف دمشق ويتناول فكرة المسافات التى صارت أبعد مع تطور الأحداث السورية والجذور التاريخية لتقسيم المنطقة العربية من خلال حوار عبر الأثير مع ابنة أخيه الطفلة نور التى تنتمى لأسرة شهد بعض أفرادها تجربة اللجوء فرارًا من الاحتلال الإسرائيلى وبعضها الآخر هربًا من الغزو الأمريكى للعراق بينما يفصلها عن عمها مسافة 300 ميل لا يمكن تجاوزها بسبب الحرب الأهلية فى سوريا. فى هذا الحوار يحدثنا عروة المقداد من بيروت عن تجربته السينمائية التى ولدت ونمت فى ظروف تزداد صعوبة. 
 
بوابة الحضارات: متى اكتشفت أن هذه هى اللحظة المناسبة لفيلمك التسجيلى الطويل الأول بعد تجاربك القصيرة "بعدنا طيبين، وتحت سماء حلب، وشارع الموسيقى" هل هى لحظة أن تكونت لديك معرفة أقرب بلغتك السينمائية؟
عروة المقداد: تطورت لغتى السينمائية خلال سبع سنوات، نتيجة التجربة فى ظرف شبه مستحيل لصناعة السينما حيث أمضيت ست سنوات منذ أمسكت الكاميرا فى المظاهرات ما بين اعتقال وهروب وتخفى ومحاولات عبور الحدود. ولكن هذا لا ينفى معرفتى بأننى عند صناعة أفلامى القصيرة كنت محيطًا بجميع الجوانب الفنية لصناعة الفيلم. بعض أفلامى الأولى كانت تعكس مواقف لا تحتمل التأجيل ومن بينها مثلًا “بعدنا طيبين” ويركز على الحياة اليومية فى سوق "الشعار" بحلب الذى كان يقصف بشكل يومى بينما يشهد فى الوقت نفسه حراك مدنى فريد من نوعه لسكانه فى مدينة عادة ما يتم تسليط الضوء فيها على التطرف فقط، وأظنه من الوثائق القليلة التى يظهر فيها أن البطل هو المكان وناسه. لكن هذا يفتح السؤال حول طبيعة الفن عموماً، فالفن يحتاج إلى مسافة من الحدث ليكون أعمق عندما يراقب الفنان ويستفيد من عامل الزمن فى تكوين نتاجه الفني. فكيف يمكن للفنان أن يساهم فى التغيير الذى يتطلب مرور فترة زمنية عندما يكون هو نفسه جزء من الحدث؟ أظن أنها مسألة معقدة بحاجة، لدى لمزيد من البحث.


 

* "بعدنا طيبين" عنوان فيلمك الأول هو أيضًا عنوان برنامج شهير لزياد رحبانى وجان شمعون فى إذاعة بيروت. هل كنت تستعير موقفهما الساخر بمرارة من الحرب والتقسيم الطائفى أم كانت مصادفة؟ 
** اختيار العنوان هو مصادفة بالدرجة الأولى ولكنه يحمل سخرية من نوع آخر فالبطل الحقيقى فى الفيلم هو الحالة الجماعية التى تظهر فى الوجه المدنى للسوق بعكس السخرية فى عمل زياد من الاقتتال الطائفى الذى يقتل أى قيمة مجتمعية أو جمعية. الفيلم يحمل فى طياته سخرية أبطاله من واقعهم المزرى بمواصلة حياتهم الطبيعية بوعى والإصرار على التشبث بالجانب المدنى للحياة. 
 
 

* تذكرنى عدستك بكاميرا مارون بغدادى فى أفلامه التسجيلية فى الجنوب اللبنانى فى السبعينيات. تقترب، تسأل وتتكلم بلا لغة سوى مقاسات الكادرات والمسافات بداخلها. هل تتبع خطى صناع أفلام محددين فى طريقك "التسجيلي" ؟
** المفارقة أننى تعرفت أكثر على مارون بغدادى بعد الانتهاء من صناعة فيلمى ٣٠٠ ميل عندما عدت إلى بيروت لأنهى الجوانب الفنية للفيلم ففوجئت بمنعى من الخروج من لبنان. فى هذه الفترة كان لدى الوقت للتعمق فى معرفة بغدادى بداية من الطريقة المفزعة والساخرة التى مات بها والتى تنذر بمشهد مقلق ربما يتكرر فى سوريا أو هو يتكرر بالفعل بطرق مختلفة، ثم شاهدت أفلامه فتملكني، رغم الفارق الكبير بين تجربتى التى لا تزال فى بدايتها وتجربة بغدادي، إحساس أننى أتلمس شيئا ربما من خياره الفنى والأخلاقي. 
الكثير من المخرجين السوريين والعرب ومخرجين عالميين أثروا تجربتى لكننى أحاول أن أجد لغتى البصرية المستقلة، ربما أكون قد تأثرت ببعضهم، ولكن التجربة التى خضناها خلال السبع سنوات فى سوريا والمغايرة لما جرى فى حقب أخرى من حيث الموضوع وأسلوب التفكير تفرز أساليب فنية مغايرة أيضًا. 
 
* شريط الصوت من العلامات المميزة فى أفلامك وهو دائمًا عامر بصوت الحياة اليومية للناس والطائرات والقذائف وسيارات الإسعاف ويكاد يخلو من المؤثرات المقحمة من خارج المشهد. حدثنى عن هذا الخيار؟ 
** ضجيج الحياة الذى يعلو فوق ضجيج الطائرات والقذائف والمعارك هو ضجيج ساحر ويشى بأن الحياة تتفوق على الموت فى النهاية، وهو المعنى الذى كثفه شريط الصوت فى "بعدنا طيبين" حيث نستمع فقط لصوت المدينة الذى يشبه صوت الأنفاس التى لم تتوقف والتى تبدو عميقة وقديمة كقدم مدينة حلب. الموت صار جزءا ملازما من يوميات السوريين وشريط الصوت فى أفلامى يعكس أنفاس البشر التى تذكر بأننا مازلنا على قيد الحياة وأن الموت وقتامة المشهد لم تتغلب علينا بعد. فى "٣٠٠ ميل" لا وجود لمشاهد دموية لكنه عامر بأصوات الشخصيات التى لم تمت بعد لكنها تتنفس بعمق محاولة التشبث بالحياة قدر المستطاع.

 
 
* ألم يقربك "300 ميل" أكثر من مرادك فى علاقتك كصانع أفلام بالجمهور بأسلوب سرد يغازل الفيلم الروائى فكأنك حسمت الصراع الذى طالما تحدثت عنه ما بين التوثيقى المحض وجماليات السينما؟
** فى الحقيقة لم يحسم بعد، كما أن كثيرا من الأفكار فى رأسى مازالت قيد الاختبار كوظيفة الفن فى الحياة ودور الفنان فى التغيير وموقعى من المشهد العام فى سوريا، وماذا يجب علينا أن نفعل؟ أشعر بالمتعة أثناء تواجدى بين الناس وتصوير حياتهم وفى كثير من الأحيان أشعر بالاندماج التام مع الشخصيات بعكس شخصيتى عندما لا أحمل الكاميرا. فى "٣٠٠ ميل" حاولت الدمج بين الروائى والتوثيقى من خلال خلق إحساس بأن الشخصيات تؤدى أدوارا تمثيلية وتطلب الأمر جهد كبير فى التعامل مع الشخصيات تحول لاحقاً إلى متعة متبادلة بيننا وهو ما خلق بدوره علاقة مع الجمهور. كنت معنيًا بالجمهور بالدرجة الأولى لأننى سعيت لتحريضه على التفكير وطرح الأسئلة والاستمتاع فى نفس الوقت لأن المتعة شرط أساسى فى السينما، وهذا أيضا تناقض من المرعب التعامل معه: أن تصنع سينما ممتعة ومسلية عن حيوات أناس يتعرضون للموت أى أن تجمل الألم. لا توجد أجوبة حاسمة وواضحة بل هى قيد التجريب والمحاولة.
 
* فى 300 ميل كان لزاما عليك أن تدير فريقا من المصورين تفصلك عنهم أميال ما بين حلب ودرعا كما كان من بين شخصياتك طفلة هى نور. كيف أدرت فريق العمل؟ 
** لم يكن هنالك فريق تصوير، كنت وحدى فى حلب أحاول تتبع مسار الشخصيات بدون مساعد ولا ميزانية ولولا مساعدة الكثير من أبناء حلب وتحديداً الأماكن التى تواجدت بها لما استطعت إكمال الفيلم، ومن بينهم على أبو يعرب وعدنان الشخصيات الرئيسية فى الفيلم اللذان لم يوفرا جهدًا فى إنجاحه كجزء من انتمائهم وإيمانهم بالثورة. أما فى درعا حيث عائلتى أعطيت كاميرا لنور ابنة أخى وقلت لها أن تصور يومياتها تحت إشراف أخى فراس الذى يظهر فى الفيلم والذى ولولاه ما استطعت إكماله. كنا نتناقش فى الخط العام للفيلم وكان يشرف على تأمين كل شيء لنور لتستطيع أن تكون حرة فى استخدامها للكاميرا.
 
* هل لجأت فى بعض الأحيان لترتيب ما ستقوله نور فى رسائلها؟ 
** كل ما قالته نور كان تلقائياً، ولكننا لم نستخدم الكثير من المقاطع التى صورتها بسبب عدم صلاحية الصوت أو التصوير، نور تمتلك حساسية عالية وفريدة من نوعها ولكنها تبقى طفلة. لجئنا إلى ترتيب بعض المقاطع لتتناسب مع سياق القصة لكننى حرصت على ألا تخضع جميع المقاطع التى تظهر لنور فى الفيلم للقص أو التلاعب وهو ما مثل تحديًا آخر فى صناعة الفيلم.
 
* كيف جاءتك فكرة الفيلم الذى تجاوز شهادات حية بالكاميرا كما كان عليه الحال فى أفلامك السابقة إلى ربط التاريخ بالجغرافيا بالزمن فى حكاية مكتملة الأركان؟ 
**راودتنى فكرة الفيلم عندما ذهبت إلى حلب للمرة الثانية، كنت أرى المصير البائس الذى تتحول إليه المدينة، وكان ثمة الكثير من الإشارات التى تدل على أن سقوط من نوع ما سيحدث فيها. كنت قد تعرفت على عدنان فى زيارات سابقة، وقد أثارتنى سخريته وشجاعته وتمسكه بموقفه رغم تغير وتبديل الكثير فى مواقفهم. أبو يعرب يشبه نموذج عدنان، الشخصية التى لم تتغير والتى مازالت تتمسك بأخلاقها رغم معاركها اليومية أو "حروبها الصغيرة". وأثناء التفكير فى هاتين الشخصيتين كنت أفكر فى المسافات التى خلقت فى المنطقة وأسباب التقسيم الجغرافى الذى حصل الى درجة أن المسافة بين حلب ودرعا أصبحت مستحيلة. عدت إلى الجذر الأساسى فى تقسيم المنطقة وهو وجود الكيان الإسرائيلى على أرض فلسطين الذى خلق أجيالا من اللاجئين وقسم المنطقة وأدخلها فى حروب لم تتوقف. الحدث الثانى كان الغزو الأمريكى للعراق الذى أيضاً دفع الى تقسيم المنطقة بشكل مرعب وخلق بدوره أجيال من اللاجئين ، وكلا الحادثين مرتبط بشكل شخصى فى حياتى فجدتى من فلسطين لجئت الى سوريا ووالدة نور لجأت من العراق إلى سوريا هربا من جحيم الغزو الأمريكي. الثورة السورية جاءت ضد نظام حكم سوريا بالحديد والنار تحت مسمى المقاومة، لكن رد النظام وصل إلى درجة أنه قادر على تقسيم سوريا من أجل التمسك بالحكم. كل تلك الخطوط ترتبط ببعضها وتنفتح الواحدة على الأخرى.
 
* خلال التصوير ألم تخش وجودك فى جبهة قتال أنت مهدد فيها بالموت فى أى لحظة. كيف تقيم علاقتك بالموت بينما أنت تصنع فيلمًا عنه؟ 
** أنا من الشباب السورى الذى انخرط فى الثورة منذ البداية وتطورت علاقتى مع الكاميرا من خلال تصوير المظاهرات وبالتالى خطر الموت كان حاضرًا منذ البداية. عند نزولى إلى حلب فى المرة الأولى وفى المرات اللاحقة لم أكن اتواجد كصانع أفلام، وإنما كثائر يحاول أن يجد له مكانا ما فى هذه الثورة، وهو يسعى كالعديد من الشباب للحفاظ عليها، لاحقاً ربما شعرت أننى أقدر على صناعة الأفلام أكثر من أى شيء آخر كأن أكون مسعفًا أو متظاهرًا أو موثقًا للأحداث. منذ تبلور فيلم 300 ميل فى رأسى كنت أعى الخطورة التى أواجهها وما ظهر فى الفيلم هو جزء يسير من المشهد طوال 4 سنوات فهنالك الكثير من اللحظات التى كنا ننتقل فيها من بيت إلى بيت خوفاً من التصفية كما حدث فى الفترة التى سيطرت فيها داعش على المدينة وقد نجونا بأعجوبة من مجزرة "مشفى الأطفال" التى راح ضحيتها الكثيرون لكن كما أسلفت لم تكن حياتى أغلى من حياة السوريين الذين كان يقدمون حياتهم فى الدفاع عن خيارهم.
 
* ماذا عن دعم الفيلم ورحلة إنتاجه بعد عدة أفلام أنتجتها من جيبك الخاص؟
** عندما بدأت صناعة الفيلم لم امتلك سوى 300 دولار والكاميرا قبل أن أحصل لاحقًا على منحة من مؤسسة بدايات، ولكن الفيلم مر بأزمة أخرى عندما انسحبت إحدى شخصياته بعد ستة أشهر من التصوير وهو ما جعل الفيلم يعود لنقطة البداية. أثناء تلك الفترة حصلت على جائزة سمير قصير لحرية الصحافة عن فيلمى "شارع الموسيقى" والتى ساعدتنى كثيرًا فى إكمال الفيلم وصنع نسخة مبدئية لمحاولة الحصول على دعم ولولا تقديم عدة جهات مانحة الدعم للفيلم كمؤسسة اتجاهات والمورد الثقافى والمركز الثقافى البريطانى لما استطعنا إكماله على الرغم من أنه لم يكن كافيًا لتغطية كل النفقات لكننا استطعنا انجازه فى النهاية. وأظن أن موضوع الفيلم كان عائقا أمام تمويله ولاحقًا أمام توزيعه ومشاركته بالمهرجانات وتسليط الضوء عليه، فهو يطرح إشكاليات معقدة لا تجد الكثير من الجهات الممولة أو شركات التوزيع رغبة فى تبنيها.
 
* أفلامك بما فيها 300 ميل وراءها جهد واعى بعدم الانزلاق السهل فى الاستعطاف بتصدير مشاهد دموية مؤلمة هل تحاول التخفيف على المشاهدين لتبقيهم أطول وقت ممكن.. أم انك لا ترغب فى أن يكون الاستجداء والاستعطاف هما المتحدثان الرسميان عما يحدث فى سوريا؟ 
** هذا الوعى ناتج بالدرجة الأولى عن رغبة حقيقة فى صناعة شريط سينمائى لا يتعلق نجاحه بالإشارة إلى الحرب أو الاستعطاف، وبالدرجة الثانية أنا أريد دفع المشاهد للتفكير، حاولت من خلال الفيلم أن يعرف المشاهد السوريين المدافعين عن خيارهم فى الحرية والعدالة وان ينخرط فى صراعاتهم التراجيدية. كما أننى أيضاً ارفض أن يكون الاستجداء والاستعطاف هما المتحدثان الرسميان عن سوريا ذلك أنه ثمة الكثير من المشاكل الداخلية التى أوصلت الثورة إلى هذا المشهد المعقد، ولنفهم هذا المشهد المعقد لا يكفى أن نستجدى وأن نستعطف، هنالك صراع حقيقى وأزمات أخلاقية تمر بها الشخصيات وبالتالى يجب علينا أن نفكر بهذه الأخطاء والعثرات وأن يكون هنالك مراجعة لهذه التجربة والفيلم وثيقة يمكن لمن يريد أن يعرف ما حدث بسوريا فى العمق فى هذه الحقبة الرجوع إليها.
 
* فى "300 ميل" وفى "تحت سماء حلب" هل تطرح التساؤلات لأنها تساؤلات حقا أم أنها طريقتك فى الوصول بالمستمع لقناعة أنت تعرفها من البداية، أم إنك من خلال أفلامك تراجع بصوت عال وجماعى الموقف مما جرى ويجرى فى سوريا منذ 2011؟ 
** أنا لا أروج " بروباجندا" لأى جهة، وإنما باحث عن الحقيقة للوصول إلى الحرية وهذا ما فعلته فى الفيلم الذى كان من الممكن فى كثير من المواقف أن يفقدنى حياتي. أنا لم أعرف حلب قبل الثورة ولم يكن لدى أى أصدقاء فى البداية فيها باستثناء واحد هو الصحفى رأفت الرفاعى الذى ساعدنى فى الكثير من المواقف. وبالتالى هذه التساؤلات هى حقًا تدور بداخلى وهى أيضًا وخارج إطار الفيلم طريقتى فى الدفاع عن ثورتى لأننى لم أهادن أى طرف أو أى جهة. وفى مستوى آخر هى أيضًا مراجعة بصوت عال وجماعى لما حدث فى سوريا بعد منتصف ٢٠١٢، أى منذ بداية ظهور الإسلاميين ودخول التمويل والتدخل الخارجى الذى افسد الكثير من الجهات التى كانت محسوبة على الثورة. 
 
* تسأل مقاتلين يحملون السلاح أسئلة من نوع "أديش بتحب بارودتك؟ بتفكر مين بتقتل؟ أديش راحوا ظلم بالاشتباكات؟ بتحب بدلتك العسكرية؟ أديش صارلك ما شفت البنت ياللى بتحبها؟" ما الذى يدور فى ذهنك وأنت تطرح مثل هذه الأسئلة؟
** ثمة مشهد خارج إطار الكاميرا، وهو أن الكثير من الشبان المنشقين عن النظام حملوا السلاح كمحاولة للدفاع عن أنفسهم وأسئلتى كانت نوعا من تذكيرهم والمشاهد أيضًا أنهم بالدرجة الأولى أناس بسطاء يحبون الحياة، وأن الحياة المدنية هى الهدف الأول والأساسى الذى نسعى إليه. كان ذلك جزءا من قناعة راسخة لدى فى الفترة التى صورت فيها مع الكثير من الشبان الذين حملوا السلاح. قد يبدو المشهد مختلف الآن وهذه حقيقة وبالطبع كان هنالك مشهد آخر قاتم يحتاج إلى نقاش آخر ولكن أنا كنت اصنع وثيقة عن تلك المرحلة. وبالمناسبة حتى هذه اللحظة الشخصيات التى ظهرت فى أفلامى لم تتغير فى طريقة تفكيرها بحسب الجهة والقوة المسيطرة وهذا رهان كنت أعيه منذ البداية. 
 
*كل أفلامك حتى الآن فيما عدا "شارع الموسيقى" كانت حلب بطلها الرئيسى لماذا اخترت حلب لتكون المتحدث الرسمى عن سوريا ؟ 
** لم اختر حلب، أنا من مدينة درعا فى جنوب سوريا ومنذ بداية المظاهرات كنت أتنقل ما بين دمشق وريفها وبين درعا وريفها والمسافة التى تفصل بينهما أقل من ساعة. اعتقلت فى بداية الثورة ثم بقيت حتى منتصف ٢٠١٢ متخفياً بين دمشق ودرعا أحاول المشاركة فى كل ما استطيع عمله فى الثورة. خرجت إلى الأردن لأسباب طارئة ولم استطع العودة ثم انتقلت إلى بيروت ثم حاولت الرجوع مرة أخرى إلى درعا ولكننى لم استطع فقررت الانتقال إلى حلب عندما خرج ٨٠ ٪ من المدينة عن سيطرة النظام وكانت عامرة بنشاط العديد من الجهات المدنية فشعرت حينها إننى استطيع أن أقدم شيئا ما للحراك الناشئ هناك. وأنا حاليًا ممنوع من مغادرة لبنان منذ عام ونصف العام. 

* بعد تجربة فيلمك التسجيلى "٣٠٠ ميل" التى اقتربت فيها من الروائى بطريقة ما هل ننتظر فيلمًا روائيًا لعروة المقداد فى الخطوة القادمة؟ 
** مازلت عالق فى بيروت منذ عام ونصف دون أن استطيع مغادرتها إلى أى مكان فى العام بدون أوراق ولا إمكانية الحصول على تصاريح للتصوير. لكننى أعمل على فيلم قصير يمزج بين الروائى والتسجيلي، ومن بين الشخصيات التى ترافقنى فى الفيلم المخرج الراحل "مارون بغدادي" والشاعر الراحل "خليل حاوي" وكلاهما مات بطريقة مفزعة وتحمل دلالات متعددة. لا أعرف إذا ما ستكون التجربة ناجحة ولكننى أحاول وأجرب. لدى رغبة كبيرة فى صناعة فيلم روائى طويل، يدور فى ذهنى مشهد ختامى لفيلم كلاسيكى أود صنعه لامرأة تنقذ حبيبها وتعلن نهاية الحرب، وفى سذاجة مفرطة تدمع عينى كلما تخيلت الفيلم معروض فى شاشات السينما فى سوريا بعد سنوات من نهاية الحرب وهى تتمتع بحكم وطنى وعادل.
 
* ما الذى كنت تفعله قبل الثورة السورية وكيف أخذتك السينما إلى عالمها الرحب؟
** درست الصحافة فى دمشق وبدأت علاقتى الحقيقة مع السينما من خلال أخى "إياس المقداد" الذى يكبرنى بأربع سنوات وهو مخرج يقيم فى بلجيكا. كنا نشاهد الكثير من الأفلام ونخوض الكثير من النقاشات حول الأفلام وصناعتها وسحرها، وقد استفدت كثيرًا من خبرته العميقة. كنت فى تلك الفترة أكتب القصص فاتجهت لكتابة السيناريو بسبب غياب السينما فى سوريا. كنا نعيش فى الطابق الخامس من بناية فى ريف دمشق حيث كنا نتقاسم أنا وإخوتى ووالدتى حياة هادئة فيها رغبة بالكشف والمعرفة ونقاشات مسلية وممتعة حول الفن والحياة والدين والسياسة، قبل أن تبدأ الثورة ونفترق لمصائر مختلفة.
 
* كيف يمكن للشباب العربى الذى فتح الربيع المجازى شهيته ووعيه على صناعة السينما أن يواصل تمسكه بأهمية أن يحكى حكايته بأقل التكاليف ويواصل التعلم رغم محدودية وكلفة الفرص وألا يسقط فى إناء عسل المغريات أيًا كانت والتى من بينها التوقف عن عمل الأفلام؟ 
** هذه نقطة فى غاية الأهمية فالعائق الأول أمام صانع الأفلام هو عدم القدرة على تأمين كلفة صناعة الفيلم وهى صناعة تحتاج إلى أموال كبيرة وهذا لا يمنع من المحاولة والتجريب وهى مسألة شاقة فى ظل الظروف التى تعيشها المنطقة لكنها لا تدعو إلى الإحباط فالمحرك الأساسى لصانع الأفلام هو الرغبة فى أن يحكى المرء قصته عن طريق الصورة، وهو ما سيدفعه لمواصلة التجريب والتمرين والمحاولة لكى يصل إلى شريط سينمائى يرضيه وبالتالى يصل للجمهور. 
 
* ما الذى يمكن أن تقدمه مصر برأيك للسينمائيين السوريين الشبان؟
** مصر بلد عريق فى صناعة السينما وقد تأثرنا كثيراً بمخرجيها وأحد أكثر الأفلام التى لا أستطيع نسيانها وأثرت فى بشكل كبير فيلم “الكيت كات” وفيلم “أرض الخوف” وثمة الكثير من الأفلام التى أثرت بأجيال لا يسعنى إحصاءها. أسعدتنى مشاركة فيلمى فى مهرجان أيام القاهرة السينمائية وهى مبادرة فى غاية الأهمية لخلق التواصل مع صناع السينما المستقلين والذين مازالوا فى بداية طريقهم، ربما يمهد ذلك لتعاون مستقبلى حول المواضيع التى تعايشها المنطقة ويخلق نقاشات تفيد فى تطوير الرؤية والاستفادة من تجربة مصر فى صناعة السينما. أود أن أضيف أيضًا أن الحياة فى القاهرة بالنسبة لى تشبه فيلما سينمائيا. لقد أمضيت أسبوعًا فى القاهرة منتصف العام 2012 فى فندق مطل على ميدان طلعت حرب، وكنت عند الساعة السادسة صباحاً عندما يرسل الضوء أول خيوطه افتح ضلفتى الشرفة الخشبية التى تتمدد طولًا بشكل غريب وجميل لأتابع المشهد فى الخارج وكانت مجرد فكرة وجودى فى القاهرة كفيلة بجعلى ابتسم بسعادة غامرة طوال مدة إقامتى هناك. فى أحيان كنت أسمع صوت المظاهرة قادم من بعيد فأطل من النافذة وأنا أدخن لفافة تبغ بينما تقترب رويدًا رويدًا لتلتف حول ميدان طلعت حرب. كنت حينها أضحك وأقول، أنا فى فيلم سينما إنها القاهرة.

(38 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع