خط عربى‏

جحيم "دانتى الإيطالى" يلهب الإبداع..

فن الخط يقرب شعوب العالم فى الأقصر

"فى منتصف طريق حياتنا.. وجدت نفسى فى غابة مظلمة إذ ضللت سواء السبيل
آه ما أصعب وصف هذه الغابة الموحشة الكثيفة القاسية التى تجدد ذكراها لى الخوف
إنها شديدة المرارة حتى لا يكاد الموت يزيد عنها، ولكن لكى أتناول ما وجدت هناك من خير، سأتكلم عن أشياء أخرى وجدتها فيها
لا أحسن أن أقول كيف دخلتها، فقد كنت مثقلا بالنوم فى اللحظة التى حدت فيها عن طريق الصواب
ولكن بعد أن بلغت أسفل تل ينتهى عنده ذلك الوادى الذى مزق مرآه قلبى من الخوف
نظرت إلى أعلى ورأيت منكبيه وقد كستهما أشعة الكوكب الذى يهدى الناس فى كل طريق
عندئذ هدأ قليلًا الخوف الذى بقى فى بحيرة قلبى طوال الليلة التى قضيتها فى أسى شديد
وكمن خرج لاهث الأنفاس من البحر إلى الشاطئ فيلتفت إلى المياه الرهيبة ويتأمل
هكذا التفتت روحى إلى الوراء وكانت لا تزال لائذة بالفرار
لكى تحملق فى الطريق إلى لم يدع أبدًا إنسانًا حيًا"



بضع وعشرين شطرًا من مطلع "الجحيم" الجزء الأول من القصيدة الملحمية "الكوميديا الإلهية" لشاعر إيطاليا الأشهر دانتى اليجرى الذى انتهى من كتابتها قبل أشهر قليلة من وفاته عام 1321 كمحاولة مؤثرة لتوحيد بلاده تحت لغة واحدة هى اللغة العامية التوسكانية تعود مجددًا فى القرن الواحد والعشرين لتتحول إلى وسيلة لتوحيد شعوب العالم بداية من القاهرة ومرورًا بالأقصر ثم فينيسيا وصولًا إلى الصين فى وقت لاحق، وكأن رسالة دانتى اليجرى فى القرن الرابع عشر ما زالت صالحة فى كل زمان ومكان. 
 

                                             باولو ساباتينى

بدأت الحكاية أواخر العام 2016 عندما فطن البروفيسور والفنان التشكيلى باولو ساباتينى مدير المعهد الثقافى الإيطالى بالقاهرة، إلى أن النص الذى سطره شاعر بلاده الأشهر فى القرن الرابع عشر هو من أكثر النصوص إن لم يكن النص الإيطالى الوحيد الذى حظى بترجمته إلى غالبية لغات العالم بما فيها اللغة العربية، ليس فقط بفعل ملحمية القصيدة ومناقشتها لموضوع إنسانى يشغل خاطر البشر فى كل مكان على ما تحتويه من خيال ولكن أيضًا لكونها تؤكد أن تجربة متخيلة تدور فى ذهن شاعر إيطالى يمكنها أن تكون مرآة لما يشغل خاطر آخرين، وأن الإحدى والعشرين بيتًا الأولى من نص "الجحيم" وهى الجزء الأول من الكوميديا الإلهية تحمل كل عناصر الحكاية الملحمية بل وتبدو لمطالع القصيدة وكأنها دعوة مثيرة لمصاحبة الكاتب فى رحلته الطويلة متنقلًا بين الجحيم والمطهر والفردوس، فماذا لو اجتمع مجموعة من أبرز خطاطى العالم لإعادة كتابة هذه الأسطر التى تمثل مفاتيح الكوميديا الإلهية بلغات مختلفة وأساليب متنوعة من فن الخط، وهكذا ولد مشروع معرض الخط المتنقل "هلم نكتب الكوميديا الإلهية" الذى بدأت أولى فعالياته فى القاهرة مارس 2017 فى مقر المعهد الثقافى الإيطالى بالقاهرة بمشاركة 21 فنانًا أغلبهم من الخطاطين ومن بينهم البروفيسور باولو ساباتينى مدير المعهد، وبعضهم من فنانى الفيديو آرت والرسامين انهمكوا جميعًا على مدى أيام فى اختيار عباراتهم المفضلة من بين الأبيات المختارة وإعادة كتابتها باللغة والخط المختارين من اللغة الصينية إلى العربية إلى الإيطالية ومن الكوفى إلى الديوانى إلى التوسكاني، وهو المعرض الذى انتقل حاليًا إلى مدينة الأقصر عاصمة الثقافة العربية. 
 
يقول ساباتينى أن المعرض سينتقل من مدينة إلى أخرى محملًا بروح المدينة ممزوجا بحيوية نص دانتى وهو فى كل رحلة من رحلاته سيضاف إليه ما يجعله حدثًا فنيًا وثقافيًا متجددًا يحمل دماء جديدة سواء من خلال وجود فنانين جدد أو أعمال جديدة أو أفكار متنوعة لم تكن موجودة فى المعرض السابق عليه 
 
وهكذا فكما كان معرض "هلم نكتب الكوميديا الإلهية" فى القاهرة مارس الماضى مناسبة لالتقاء خطاطين من مصر والصين وإيطاليا تفننوا فى صوغ مقطوعات فنية بالغة الفرادة والجمال من نص دانتى يذهب المعرض فى رحلته التالية حاليًا إلى مدينة الأقصر عاصمة الثقافة العربية حيث يضاف إلى قائمة الفنانين والأعمال مجموعة جديدة من الخطاطين من محافظة الأقصر فضلًا عن محاولات دءوب لإعادة كتابة نص دانتى باللغتين القبطية والهيروغليفية فكأنه حجر رشيد جديد لكن هذه المرة بكلمات دانتى اليجرى الشاعر الإيطالى الشهير.



المعرض الذى يستضيفه بيت ثقافة الأقصر خلال الأسبوع الأول من شهر سبتمبر ينتقل فى محطته القادمة إلى بينالى فينيسيا بإيطاليا آملًا فى أن يتم جولة عالمية بين قارات العالم يضاف فيها فى كل مدينة قطعة فنية جديدة بيد خطاط آخر يشارك فى مسيرة مشروع إعادة كتابة الكوميديا الإلهية الذى هو فى واقع الأمر إعادة إدراك لما تفتقده الشعوب من تقارب حضارى ووجدانى وفكرى فى ظل واقع تفرض فيه عوامل الفرقة فرضًا. 
 


الخطاط المصرى الشهير صلاح عبد الخالق الذى حاز مؤخرًا على المركز الأول فى ملتقى القاهرة الدولى للخط العربى هو أحد المشاركين فى المشروع منذ بداياته وحتى وصوله إلى مدينة الأقصر والذى يشارك بثلاث لوحات مكتوبة بالخط الكوفى الذى برع فيه محاولًا إعادة إيحائه وإنقاذه من النسيان وقد كان أول الخطوط التى كتب بها القرآن. يقول عبد الخالق أن معرض إعادة كتابة الكوميديا الإلهية لا يمثل فقط فرصة عظيمة للبحث فى قدرة الخط على أن يكون أداة للتقارب بين الشعوب وقدرة الخطاط على أن يكون دائمًا رسولًا للكلمة التى تحمل الوعى والإدراك لكل القيم النبيلة بل تكمن أهمية المعرض أيضًا فى كونه جرس إنذار للاهتمام بالخط العربى كفن نادر يحظى باحترام وتقدير العالم، فعلى الرغم من عدم فهم الفنانين الغربيين المشاركين فى المعرض للغة العربية فإن انبهارهم بالخط العربى دليل على أهمية أن نعمل على تنمية فن الخط العربى لأنه جزء لا يتجزأ من ثقافتنا وتراثنا الحضاري، ويضيف عبدالخالق أن المعرض مثل أيضًا فرصة مهمة للتعرف على جمال الخط اللاتينى وقدرة الخطاطين الغربيين على تشكيل الخطوط لإنتاج قطع فنية بالخط لا تقل جمالًا وإبهارا عن تلك التى يكتب بها الخط العربى "نحتاج إلى المزيد من تلك الفعاليات التى تجعلنا أقرب إلى بعضنا البعض بشكل عملى وواقعى وحقيقي.



الخطاط الأقصرى عبد الوهاب رضوان المشرف على مدرسة أرمنت للخط العربى والمشارك أيضًا فى فعالية الكوميديا الإلهية بالأقصر يرى أن وجود مثل هذا المعرض فى مدينة الأقصر هو دليل على ما تحمله هذه المدينة من عراقة فالفراعنة هم أول من اهتم بفن الخط وها هم خطاطو العالم يعودون إلى المدينة الفرعونية بامتياز وعاصمة الثقافة العربية ليعبروا بالخط عما يجمعهم ويقربهم إلى بعضهم البعض، ويضيف رضوان الذى يهوى الكتابة بالخط الديوانى وتدريسه أن أهم نتائج مثل تلك الفعاليات هى أنها تؤكد دور الخطاط المصرى فى لعب دور بارز فى التقارب بين مصر وشعوب العالم وهو دور لا يتناسب مع الموقع الذى آل إليه الخطاط فى مصر حيث اختفت حصة الخط العربى من المدارس المصرية فى جميع المراحل التعليمية حتى صار الخطاطون الذين يبذلون السنوات فى تعلم الخط العربى فى معاهد الخط لا يعلمون سبيلًا نحو نقل خبراتهم إلى غيرهم من الطلاب والدارسين وهو ما سيؤدى بدوره إلى الانحسار التدريجى لدور الخطاط ثم اختفاء الخط العربى على الرغم من أنه عماد أساسى من أعمدة حضارتنا العربية والإسلامية.


                                            جييدو بالاتورى 
 
جييدو بالاتورى فنان الفيديو الإيطالى الذى شارك فى معرض القاهرة بقطعة فنية تجمع بين روح القاهرة الإسلامية كما أحسها وكلمات دانتي، يشارك فى معرض الأقصر بلوحة مرسومة وفى القلب منها عبارات دانتى بالخط ويقول بالاتورى أنه تساءل كثيرًا قبل مشاركته فى المعرض ما الذى يمكن أن يجمع بين خطاطين وفنانين من أنحاء مختلفة من العالم لا يعرفون لغة بعضهم البعض وكيف يمكن أن يتعاونوا معًا لإنتاج أو إعادة إنتاج نص واحد لكن الإجابة كانت قاطعة عندما شارك فى المعرض بالفعل "كان مشهدًا مبهرًا عندما اجتمع الخطاطون لطبع أسمائهم كل على طريقته فى لوحة واحدة كبيرة فى معرض القاهرة فكأنهم فنان واحد أو كأن كل منهم يعرف الآخر منذ سنوات طويلة.. الفن يقرب الشعوب هذا ما أنا متأكد منه الآن ولهذا أنا هنا مجددًا فى مدينة الأقصر البديعة".

يذكر أن مشروع المعرض المتنقل "هلم نكتب الكوميديا الإلهية" يتم برعاية المعهد الثقافى الإيطالى بالقاهرة وبيت ثقافة الأقصر فى الأقصر، وسوف يذهب المعرض إلى مدن أخرى فى المنطقة والعالم من بينها بينالى فينيسيا بإيطاليا.
 











(41 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع