حياة

علماء مسلمون علموا العالم..

9- الزهراوي.. مُؤسِّس الجراحة الحديثة

فى الوقت الذى كانت فيه الكنيسة الغربية تُحرِّم الطب؛ لأنها كانت تعتبر المرض عقاب من الله لا ينبغى للإنسان أن يحاول صرفه عمن يستحقه، وهو الاعتقاد الذى ظل سائدًا فى الغرب حتى القرن الثانى عشر الميلادي، نرى المسلمون على الجانب الآخر يعملون على تطوير النظام الطبى منذ مطلع القرن التاسع الميلادى فأخرج الإسلام فى العصور الوسطى أعظم الأطباء على مرِّ التاريخ، فطوَّرُوا المستشفيات، ووضعوا الأُسُس العلميّة الدقيقة للجراحة كما مارسوها على نطاقٍ واسع، ولم يقف الأمر عند الرجال فقط بل مارس النساء الطب أيضًا، وحفظت لنا كتب التاريخ العديد من أسماء النساء اللاتى برعن فى ممارسة الطب، حتى دُرِّست كتب أطباء العرب والمسلمين فى المدارس الطبية الغربية لفتراتٍ طويلةٍ من الزمان، فكان لهم الفضل والأثر العظيم على الطب فى أوروبا فى العصور الوسطى وبالأخصِّ الرازى وابن سينا، وأبو القاسم الزهراوى عالمنا الجليل، والذى يُعدُّ من أشهر الجراحين المسلمين، بل يُعدُّ أول طبيبٍ وجراحٍ فى العالم أجمع، حيث ظلّت أعماله المرجع الأول للجراحة حتى القرن السادس عشر الميلادي، حيث وضع الأُسُس والقوانين لعلم الجراحة الحديثة كما مارسها بنفسه سنواتٍ طويلة فأجرى العديد من العمليات الجراحية التى لم يجرؤ أحد من العلماء قبله أن يقوم بها لمدى خطورتها ودقتها، فقد تعامل مع الجراحة على أنها علمٌ قائمٌ بذاته ومستقلٌّ عن علم المُداواة، كما ربطها بشكلٍ وثيق بعلم التشريح. 
وصفه الحُميدي؛ فقال: "كان من أهل الفضل والدِّين والعلم، وعلمُه الذى لم يسبقُ فيه علم الطب، وله فيه كتابٌ كبيرٌ مشهور كثير الفائدة، سمَّاه: كتاب "التصريف لمَن عجز عن التأليف"، ذكره ابن حزم وأثنى عليه، وقال: "ولئن قلنا إنه لم يؤلَّف فى الطب أجمعُ منه للقول والعمل فى الطبائع لتصدقن"، وقال عنه مؤرِّخ العلم جورج سارتون: "الزهراوي! أكبرُ جرَّاحى الإسلام على الإطلاق"، وجاء فى دائرة المعارف البريطانية أنه أشهر من ألَّف فى الجراحة عند العرب.
 


مولده ونشأته
هو أبو القاسم، خلف بن عباس الزهراوى الأندلسي، المعروف فى أوروبا باسم "Abulcasis"، الطبيب الجراح، أول من وضع الأُسُس والقوانين للجراحة، والتى من أهمها ربط الأوعية لمنع نزفها، كما اخترع خيوطها، ولد الزهراوى فى مدينة الزهراء بالقرب من مدينة قرطبة بالأندلس، واختلف المؤرخون فى تاريخ مولده والأشهر أنه ولد عام "325هـ - 936م"، وكان الزهراوى من عائلةٍ تنتمى إلى الأنصار، فأصله من المدينة المنورة، ولكنه نُسِب لمكان ولادته، فقيل له الزهراوي، ولذلك كان يُلقّبُ بالأنصاري.
لم يصل إلينا الكثير من أخبار الزهراوي، ولكن نستطيع القول من خلال سيرته العلميّة التى ذكرها المؤرخون بأنّ الزهراوى قد التحق بالعمل فى مستشفى قرطبة؛ الذى أنشأه الخليفة عبد الرحمن الناصر، فلم يكن مجرد طبيب وحسب بل كان يُعمِل النظر فى الطرق والوسائل المستخدمة فى علاج المرضى، ومع المذاكرة والبحث العلمى الجادِّ ومتابعة أحوال المرضى تكونت شخصيته العلميّة، حيث ترسَّخت قناعاته الطبيّة، فكانت قاعدته الأساسية والتى انطلق منها مزاولة الطبيب للجراحة بدلًا من أن يُوكِل ذلك لمن كان يُسمّى ـ صاحب الصنعة ـ؛ وهو يكون عادةً من الحجّامين أو الحلاقين، حيث كان الأطباء فى ذلك العصر يأنفون من ممارسة تلك الأعمال الجراحية التى تقتضى غمس أيديهم فى الدم والقيح؛ ولذلك فإنّ الزهراوى قد مارس الجراحة وبرع فيها وصبر على الانتقادات التى وُجِّهت إليه حتى صار علمًا فيها؛ ويؤكد كل ما ذكرنا آثار الزهراوى العلميّة التى خلَّفها واعتمد عليه الأوروبيون فى تعليم الطب للطلاب، فإنّ اسمه لا يزال يتردَّد فى أوروبا حتى الآن وبطرقٍ مختلفة، فهو يسمى "أبولكاسس ABULCASIS والبلكاسس، والزهراوي، وزاهرفيوس".

 

كتبه وأبحاثه
ترك الزهراوى العديد من الكتب والأبحاث والتى تُعدُّ فى غاية الأهمية فى المجال الطبى نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر؛ "مقالة فى عمل اليد"، و"مختصر المفردات وخواصها"، كما ذكر الزركلى فى كتابه "الأعلام" أنه اقتنى للزهراوى مخطوطة مغربية بخط أندلسى مرتبة على الحروف من الألف إلى الياء، بعنوان "كتاب فيه أسماء العقاقير باليونانية والسُّريانية والفارسيّة والعجمية، وتفسير الأكيال والأوزان، وبدل العقاقير وأعمارها، وتفسير الأسماء الجارية فى كتب الطب".
ومن أهم كتبه على الإطلاق موسوعته الطبيّة "التصريف لمن عجز عن التأليف"؛ فالحقيقة التى ينبغى ألا نغفلها أن الجرَّاحين الذين عُرِفُوا فى إيطاليا فى عصر النهضة وما تلاه من قرونٍ قد اعتمدوا اعتمادًا كبيرًا على موسوعة الزهراوى الطبيّة، كما يقول عالم وظائف الأعضاء الكبير هالر: "كانت كتب أبى القاسم المصدر العام الذى استقى منه جميع من ظهر من الجرَّاحين بعد القرن الرابع عشر". 
 


إنجازاته واكتشافاته
يقول كامبل فى كتابه "الطب العربي": "كانت الجراحة فى الأندلس تتمتع بسمعة أعظم من سمعتها فى باريس أو لندن أو أدنبره؛ وذلك أن ممارسى مهنة الجراحة فى سرقسطة كانوا يُمنحون لقب طبيب جرّاح، أما فى أوروبا فكان لقبهم حلاّق جرّاح، وظلَّ هذا التقليد ساريًا حتى القرن العاشر الهجري"، وعليه فالحقيقة التى ينبغى ألا يُغفَل عنها أن الجراحين الذين عُرفوا فى إيطاليا فى عصر النهضة وما تلاه من قرونٍ قد اعتمدوا اعتمادًا كبيرًا على كتاب موسوعة الزهراوى الطبية "التصريف لمن عجز عن التأليف"، ومن بين إنجازات الزهراوى واكتشافاته ما يلي: وضعه الأُسُس والقوانين لعلم الجراحة والتى من أهمها؛ ربط الشرايين الكبيرة لمنع نزفها أثناء العملية الجراحية، وسبق بهذا الربط سواه من أطباء الغرب بـ"600" عام، كما اخترع خيوطًا لخياطة الجروح واستخدمها فى جراحة الأمعاء خاصة، وقد صنعها من أمعاء القطط، كما أنّ أبا القاسم أول من مارس التخييط الداخلى بإبرتين وبخيطٍ واحد مُثبَّت فيهما؛ كى لا تترك أثرًا مرئيًّا للجُرح.
كما ابتكر الزهراوى العديد من أدوات الجراحة؛ كالمشرط والمقص الجراحي، وجفت الولادة، والمنظار المهبلى المستخدم حاليًا فى الفحص النسائي، والحقنة العادية، والحقنة الشرجية، كما توصَّل إلى صنع الملاعق الخاصة لخفض اللسان وفحص الفم، كما صنع مقصلة اللوزتين، والجفت وكلاليب خلع الأسنان، ومناشير العظام، والمكاوى والمشارط على اختلاف أنواعها، وغيرها الكثير والكثير من الآلات والأدوات الطبية فقد ابتكر أكثر من مائتى أداة جراحية، كانت اللبنة الأولى والأساسية للجراحين الغربيين من بعده فى أوروبا خلال القرن السادس عشر.



كما قام الزهراوى بالعديد من العمليات الكبرى فى عصره كما قام بالعديد من عمليات البتر فوضع أسس وقوانين البتر حيث كانت عمليات البتر فى عصره تكتفى بالتخلص من العضو المعتل؛ فأوصى هو أن تقطع الأنسجة السليمة التى تبعد عن الأنسجة المريضة، وتلك هى الطريقة التى يستخدمها الطب الحديث، كما نصح الزهراوى الجراحين باستئصال جميع الأجزاء المريضة فى الالتهابات الكبيرة، وهذه النصيحة مازال يُعمَل بها إلى الآن، كما أنه أول من وصف استعداد بعض الأجسام للتعرض للنزيف، كما أنه أول من وصف طريقةٍ لإخراج الأجسام الغريبة من داخل المريء وذلك بواسطة إسفنجة يصل بينها وبين خارج الفم خيط متين، كما يرجع له الفضل الأول فى شرح عملية تفتيت حصى المثانة فعُدَّت من اختراعات العصر الحاضر على غيرِ حقٍّ. 
ويُعدُّ الزهراوى صاحب فكرة عملية القسطرة والمبتكر لأدواتها، كما أجرى عمليات صعبة فى شقِّ القصبة الهوائية، فى حين أنَّ الأطباء قبله مثل ابن سينا والرازى قد أحجموا عن إجرائها لخطورتها، وابتكر الزهراوى أيضًا آلة دقيقة جدًّا لمعالجة انسداد فتحة البول الخارجية عند الأطفال حديثى الولادة؛ لتسهيل مرور البول، كما نجح فى إزالة الدم من تجويف الصدر، ومن الجروح الغائرة كلها بشكلٍ عام، وهو أول من طبَّق فى كل العمليات التى كان يُجريها فى النصف السفلى للمريض رفع حوضه ورجليه قبل أى شيء؛ مما حفظ له السبق على الجراح الألمانى "فريدريك تردلينوبورغ" بنحو "800" سنة. 

وهو أول من وصف عملية سَلِّ العروق من الساق لعلاج دوالى الساق، والعرق المدنى واستخدمها بنجاحٍ، وهى أقرب ما تكون بالعملية التى تمارس فى وقتنا الحاضر، والتى لم تستخدم إلا منذ حوالى ثلاثين عامًا فقط، بعد إدخال بعض التعديل عليها، وإن ما كتبه الزهراوى فى التوليد والجراحة النسائية ليعتبر كنزًا ثمينًا فى علم الطب؛ حيث يصف وضعيتى "trendelembure – walcher" المهمَّتَيْن من الناحية الطبية، كما وصف إضافةً العديد من طرق التوليد، وكيفية التعامل مع الولادات العسيرة، وكيفية إخراج المشيمة الملتصقة، وكيفية التعامل مع الحمل خارج الرحم، والطرق المختلفة لعلاج الإجهاض المتكرّر، كما ابتكر آلةً خاصةً لاستخراج الجنين الميّت، سابقًا بذلك دكتور"فالشر" بنحو "900" سنة فى وصف ومعالجة الولادة الحوضية، وأنه أول من استعمل آلات خاصة لتوسيع عنق الرحم، وأول من ابتكر آلة خاصة للفحص النسائى لا تزال تستعمل إلى يومنا هذا. 

ولقد برع الزهراوى فى طب الأسنان وجراحة الفكين؛ حيث أعطى له أهمية كبيرة فى موسوعته الطبية الضخمة المسماة بـ"التصريف لمن عجز عن التأليف"؛ فنراه وصف كيفية قلع الأسنان بلطف، وأسباب كسور الفك أثناء القلع، وطرق استخراج جذور الأضراس، وطرق تنظيف الأسنان، وكيفية علاج كسور الفكين، والأضراس النابتة فى غير مكانها، كما برع فى تقويم الأسنان، هذا وقد اهتم الزهراوى بمرض السرطان وعلاجه فأولاه أهمية بالغة وقدَّم فيه العديد من البحوث؛ فأعطى لهذا المرض الخبيث وصفًا وعلاجًا بقى يُستعمل خلال العصور المختلفة، ولم يزد الطب الحديث كثيرًا على ما قدمه الزهراوى فى هذا المجال. 
ويُعدُّ الزهراوى أول رائدٍ لفكرة الطباعة فى العالم؛ ففى كتابه "التصريف" سجَّل الزهراوى فكرته عن الطباعة حيث وصف كيفية صنع أقراص الدواء؛ وطريقة صنع القالب الذى تُصَبُّ فيه هذه الأقراص، مع طبع أسمائها عليها فى الوقت نفسه؛ وذلك منعًا للغش فى الأدوية، فيكون بذلك قد سبق كل من جاء قبله بهذه الفكرة العبقرية لمنع الغش فى الدواء وتمييز الأدوية بعضها عن بعض.
 


قالوا عن الزهراوي
يُعدُّ الزهراوى من أكبر المرجعيات الجراحية فى العصور الوسطى، وقد بيَّن فضله ومنزلته العديد من المؤرخين والباحثين؛ فوصفه ابن أبى أصيبعة، فقال: "كان طبيبًا فاضلًا خبيرًا بالأدوية المفردة والمركَّبة، جيِّد العلاج، وله تصانيفٌ مشهورة فى صناعة الطب"، كما ذكره ابن سينا فى كتابه "القانون فى الطب"، فقال: "خلف بن عباس الزهراوى كان طبيبًا فاضلًا خبيرًا بالأدوية المفردة والمركبة جيد العلاج، وله تصانيفٌ مشهورةٌ فى صناعة الطب وأفضلها كتابه الكبير المعروف بالتصريف لمن عجز عن التأليف، وهو أكبر تصانيفه وأشهرها وهو كتاب تامٌّ فى معناه".

كما وصفه علماء الغرب والمستشرقين؛ فقالوا: وصف دونالد كامبل مؤرِّخ الطب العربى تأثيرَ الزهراوى على أوروبا؛ فقال: "ألغت طرقُ الزهراوى طرقَ جالينوس، وحافظت على مركز متميز فى أوروبا لخمسمائة عام... كما ساعد على رفع مكانة الجراحة فى أوروبا المسيحية..."، وفى القرن الرابع عشر استشهد الجرَّاح الفرنسى غى دى شولياك بكتاب "التصريف لمن عجز عن التأليف" أكثر من 200 مرة، وقال عنه جوستاف لوبن فى كتاب حضارة العرب: "هو أشهر جرَّاحى العرب، وتخيَّل الكثير من أدوات الجراحة، وصنع معظمها ودوَّنها فى كتبه، وله وصفٌ سَحْق الحصاة فى المثانة؛ حيث كانت من اختراعات العصر، ولم تعرِف أوروبا أبا القاسم إلا فى القرن الخامس عشر؛ حيث ذاع صيته آنذاك".

وذكر أهمية كتبه وأبحاثه عالم الفيزيولوجيا هالر، فقال: "كانت كتبُ أبى القاسم المصدر العامَّ الذى استقى منه جميع من ظهر من الجراحين بعد القرن الرابع عشر..."، ووصفته كذلك المستشرقة الألمانية الدكتورة زيغريد هونكه، فقالت: "الزهراوى أوَّلُ مَن توصَّل إلى طريقةٍ ناجحةٍ لوقف النَّزف من الشرايين..."، وقال عنه المستشرق جاك ريسلر فى كتابه "الحضارة العربية": "وشرح جرَّاحٌ كبير -هو أبو القاسم الزهراوي- علم الجراحة، وابتكر طرقًا جديدة فى الجراحة، امتدَّ نجاحُها فيما وراء حدود إسبانيا الإسلامية بكثير، وكان الناس من جميع أنحاء العالم المسيحى يذهبون لإجراء العمليات الجراحية فى قرطبة".
 


وفاته
اختلف المؤرخون فى وفاة الزهراوي، فقيل سنة "404هـ - 1013م"، وقيل سنة "427هـ - 1036م"؛ فرحم الله عالمنا الجليل؛ الذى قدَّم للإنسانية العديد من الإنجازات التى ساعدت فى إنقاذ الكثيرين من بنى البشر.
 
مراجع
أثر العرب والإسلام فى الحضارة الأوروبية، الهيئة العامة المصرية للتأليف والنشر - القاهرة 1970م. 
علماء الأندلس إبداعاتهم المتميزة وأثرها فى النهضة الأوربية، شوقى أبو خليل، دار الفكر – دمشق 2004م. 
الحضارة الإسلامية أساس التقدم العلمى الحديث، جلال مظهر، مركز كتب الشرق الأوسط – القاهرة 1969م.
أضواء على تاريخ العلوم عند المسلمين، محمد حسين محاسنة، دار الكتاب الجامعى - الإمارات 2001م.
الحلل السندسية فى الأخبار والآثار الأندلسية، شكيب أرسلان، المطبعة الرحمانية - مصر 1936م.
شمس العرب تسطع على الغرب، هونكه زيغريد، دار الجيل - بيروت 1993م.
 

اقرأ ايضاً

(56 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع