حياة

مسلمون علموا العالم..

8- ابن الهيثم.. رائد علم البصريات

أنار علماؤنا الكبار سماء الحضارة الإسلامية؛ فأناروا الطريق أمام أوروبا، ولقد ازدهرت الحضارة الإسلامية فترةً كبيرةً من الزمان حتى ظهر فيها أساطين العلم فى الطب والكيمياء والرياضيات والفلك والفلسفة والمنطق وغيرها من العلوم؛ حيث أقبل علماؤنا العظام على البحث والدراسة بهمةٍ لا تعرف الكلل، وعزيمةٍ لا يتطرق إليها الوهن، فقرؤوا ودرسوا كل ما وقع تحت أيديهم من دراساتٍ وكتبٍ وبحوثٍ للمتقدمين والمتأخرين، ولم يقفوا عند هذا الحدِّ بل وضعوا عليها الشروح والتلخيص كما قدّموا العديد من الرسائل فى شتى العلوم حتى اعترف علماء الغرب بفضلهم ومكانتهم وريادتهم فى شتى المجالات؛ ومن بين علمائنا الأجلاء العالم العربى محمد بن الحسن بن الهيثم أبو على البصري، عالم البصريات الشهير، فهو أول من شرَّح العين تشريحًا كاملًا، ووضَّح وظائف أعضائها، وهو أول من درس التأثيرات والعوامل النفسية للإبصار، كما أورد كتابه "المناظر" معادلة من الدرجة الرابعة حول انعكاس الضوء على المرايا الكروية، وما زالت تُعرَف إلى يومنا هذا باسم "مسألة ابن الهيثم"، كما نُسِب إليه مبادئ اختراع الكاميرا.
 


مولده ونشأته
وُلِد ابن الهيثم فى البصرة عام "354هـ - 965م" وبها نشأ وتعلَّم مبادئ العلوم، وهو لم يكن فى طفولته كسائر أقرانه يستهويه اللعب واللهو، وإنما عُرِف عنه عزوفه عن اللهو واللعب؛ فكان مقبلًا على الدراسة والتّعلم والقراءة والاطلاع، وعندما شبَّ اشتغل كموظف فى الديوان الحكومي، إلا أنّه عكف على مواصلة الدراسة والتّعلم، فسافر فى طلب العلم إلى بغداد والشام ومصر، فدرس فى بغداد الطب وتخصَّص فى طب العيون، ولقد اعترف أهل بغداد بفضله وبصدارته فى العديد من العلوم؛ حيث كانوا يقصدونه للسؤال فى عدة علوم، برغم وجود كبار العلماء ببغداد فى ذلك الوقت؛ إلا أن ابن الهيثم كان له السبق عليهم جميعًا.
 
ومن المراحل الفارقة فى حياة ابن الهيثم استدعائه من قبل الحاكم بأمر الله فى مصر؛ ليعمل عملًا فى النيل يحصل به نفع الناس حال فيضان النيل؛ حيث نمى إلى الحاكم قول ابن الهيثم وهو فى الشام: "لو كنتُ بمصر لعملت فى نيلها عملًا يحصل به النفع فى حالتى زيادته ونقصه"، فسارت هذه الكلمة حتى بلغت الحاكم بأمر الله، فاستدعى ابن الهيثم وأرسله فى النيل حتى بلغ الموضع المعروف بالجنادل، جنوب أسوان، وبعد أن عاين ماء النيل واختبره عجز عن الإتيان بشيءٍ فى هندسته، وفى روايةٍ أخرى نقلت قول ابن الهيثم: "تأملت فى آثار قدماء المصريين من أهرامٍ وغيرها فعلمت أن من بنى هذه الأوابد لم يكن ليعجز عن إقامة هندسةٍ للمياه فى أسوان، لو وجد ذلك ممكنًا"؛ أى أن ابن الهيثم رأى استحالة عمل هندسة فى النيل؛ فلذلك عاد من النيل عاجزًا، ولكنه خاف من إعلان عجزه للحاكم، حيث كان معروفًا بالقوة والجبروت؛ فأظهر ابن الهيثم الجنون؛ لينجو من بطش الحاكم، فأخذ الحاكم كل ما عنده من مالٍ ومتاعٍ، وأقام له من يخدمه، وتركه فى منزله، فلم يزل ابن الهيثم كذلك إلى أن مات الحاكم؛ فأظهر ابن الهيثم العقل، وخرج من داره بعد ذلك فأخذ غرفةً بجوار الجامع الأزهر سكنًا، وانقطع للكتابة والتأليف والترجمة إلى وفاته.
 


اكتشافاته وإنجازاته
بحث علماء اليونان وفلاسفتهم القدماء فى علم الضوء كثيرًا، وبرغم كل ما وصلوا إليه لم تحالف بحوثهم الصواب، فنرى إقليدس يثبت فى بحوثه أن العين تحدث فى الجسم الشفاف المتوسط بينها وبين المبصرات شعاعًا ينبعث منها، وأن الأشياء التى يقع عليها هذا الشعاع تُبصَر، والتى لا يقع عليها لا تُبصَر، وأن الأشياء التى تُبصَر من زاوية كبيرة تُرى كبيرة، والتى تُبصَر من زاوية صغيرة تُرى صغيرة، وللأسف ظلت البحوث فى علم الضوء تدور فى هذا الفلك فترةٍ كبيرةٍ من الزمان دون أى تقدمٍ أو رُقي، حتى جاء الحسن بن الهيثم فصحّح هذه الأخطاء، فأثبت حقيقة أن الضوء يأتى من الأجسام إلى العين، وليس العكس كما كان يعتقد فى تلك الفترة، فهو أول من شرّح العين تشريحًا كاملًا ووضّح وظائف أعضائها، وهو أول من درس التأثيرات والعوامل النفسية للإبصار، كما خطى بعلم الضوء خطواتٍ واسعة، بلغ فيه ما لم يبلغه من قبل، ولم يتجاوزه من بعده إلا بعد مضى قرونٍ عديدة.
 
ولقد كانت جهوده وإسهاماته فى علم البصريات محل تقدير العلماء وأساس لبداية حقبةٍ جديدة فى مجال أبحاث البصريات نظريًا وعمليًا؛ حيث تركّزت أبحاثه فى البصريات على دراسة النظم البصرية باستخدام المرايا وخاصةً على المرايا الكُروية والمُقعرة والزيغ الكُروي، كما أثبت أن النسبة بين زاوية السقوط وزاوية الانكسار ليست متساوية، كما قدَّم عددًا من الأبحاث حول قوى تكبير العدسات، ويُعدّ من أشهر أعماله كتابه فى علم البصريات "المناظر" الذى يبلغ حجمه 7 أجزاءٍ كبار؛ وتُرجِم الكتاب إلى اللاتينية فى نهاية القرن الثانى عشر أو بداية القرن الثالث عشر الميلاديين، وكان لهذه الترجمة الأثر البالغ على العلوم الغربية، كما طبعه العالم "فريدريش ريزنر" عام "1572 م"، تحت عنوان "الكنز البصري: الكتب السبعة للهَزَن العربي"، وقد ظهر أثر هذا الكتاب على أعمال "روجر باكون" الذى استشهد باسمه، وعلى أعمال "يوهانس كيبلر"، كما أضاف إلى غيرهم من العلماء الكثير.
 


نبوغه فى علوم الفلك والطب
وفى الفلك أبدع ابن الهيثم وأسهم فيه بفاعليةٍ كبيرةٍ حتى أُطلق عليه "بطليموس الثاني"، ولم يصلنا من تراث ابن الهيثم فى الفلكيّات إلا نحو سبع عشرة مقالة من أربعةٍ وعشرين تأليفًا، تحدّث فيها عن أبعاد الأجرام السماوية وأحجامها وكيفية رؤيتها وغير ذلك.
وله فى الطب كتابان: أحدهما فى "تقويم الصناعة الطبية"؛ ضمّنه خلاصة ثلاثين كتابًا قرأها لجالينوس، والآخر "مقالة فى الرد على أبى الفرج عبد الله بن الطيب"؛ لإبطال رأيه الذى يخالف فيه رأى جالينوس، وله أيضًا رسالة فى تشريح العين وكيفية الإبصار، وتعد كتاباته فى الطب من الكتابات الرائدة فى هذا المجال، مما دفع علماء عصره بالاعتراف بفضله وتفوقه عليهم فى الكثير من المسائل الطبية والعلمية.
 


إنتاجه العلمى والفكري
لقد نسب العلماء الكثير من المؤلفات لابن الهيثم، والتى وصل عددها إلى ثمانين كتابًا ورسالةً فى مختلف العلوم، ولعل أهمها على الإطلاق كتاب "المناظر"؛ الذى وضع فيه نظريته المعروفة التى أصبحت أساس علم البصريات فيما بعد، ومن بين مؤلفاته الأخرى نذكر "رؤية الكواكب"، و"اختلاف منظر القمر"، و"التنبيه على ما فى الرصد من الغلط"، و"رسالة فى الشفق"، ومقالة "مستقصاة فی الأشكال الهلالیة"، و"قول فی مساحة الكرة"، و"المرايا المحرقة بالقطوع"، و"المرايا المحرقة بالدوائر"، و"كيفـيات الإظلال"، و"أصول المساحة"، و"أعمدة المثلثات"، و"شرح أصول إقليدس"، و"رسالة فی مساحة المجسم المکافي"، و"مقالة فی تربیع الدائرة"، و"خواص المثلث من جهة العمود"، و"القول المعروف بالغریب فی حساب المعاملات".
 


تشكيك ونقد
شكك عالمنا الكبير فى نظريات بطليموس؛ حيث انتقد ابن الهيثم فى مخطوطته "شكوك على بطليموس"؛ العديد من أعمال بطليموس بما فى ذلك كتبه "المجسطي، والكواكب المفترضة، والبصريات"، مشيرًا إلى الكثير من المتناقضات التى وجدها فى هذه الكتب مما يستحيل معها إثبات الحقائق العلمية، كما اعتبر ابن الهيثم أن بعض الأجهزة الرياضية التى اعتمد عليها بطليموس فى علم الفلك، وخاصة معدل المسار؛ فشلت فى الخصائص الفيزيائية للحركة الدائرية المنتظمة، وكتب فى ذلك نقدًا لاذعًا حول الواقع المادى لنظام بطليموس الفلكي، مشيرًا إلى عبثية اقتراحه بالربط بين الحركات الفيزيائية، والنقاط والخطوط والدوائر الرياضية الوهمية!!.
 
وبرغم نقد وتشكيك ابن الهيثم لمعظم فرضيات بطليموس العلمية إلا أنه فى مخطوطته "تكوين العالم"، تقبّل ابن الهيثم نظرية بطليموس حول كون الأرض مركز الكون، وقدّم وصفًا تفصيليًا للمجالات السماوية فى تلك المخطوطة؛ فنراه يؤكد ويقول: "الأرض ككل كرة مركزها هو مركز العالم، وتتمركز فى وسطه، وهى ثابتة لا تتحرك فى أى اتجاهٍ بأى نوعٍ من الحركات، فهى دائمًا ساكنة".
 


شهادات غربية
وصفه المستشرق السويسرى "سوتير"، فقال: "كان علمًا من أعلام العرب فى الرياضيات والطبيعيات، وكانت له إلى ذلك مشاركة فى الطب، وفى علوم الأوائل الأخرى، وخاصةً فى فلسفة أرسطو"، ووصفه أرنولد فى كتاب "تراث الإسلام" بقوله: "إن علم البصريات وصل إلى الأوج بظهور ابن الهيثم"، كما حازت كتاباته إعجاب المنصفين من الغربيين حتى أنهم بالغوا فى إطرائه ووصفه، فقال جورج سارتون - من كبار مؤرخى العلم -: "هو أعظم عالم فيزيائى مسلم، وأحد كبار العلماء الذين بحثوا فى البصريات فى جميع العصور"، وقد حازت بحوث ابن الهيثم فى الضوء إعجاب "ماكس مايرهوف" إلى درجةٍ جعلته يقول: "إن عظمة الابتكار الإسلامى تتجلى لنا فى البصريات".
 
ووصف الدكتور تشالرز جروسى - متخصص فسيولوجيا الأعصاب والجوانب العصبية والنفسية للإبصار- بعد دراساتٍ عميقة فى كتاب "المناظر" لابن الهيثم، قال: "والخلاصة الأساسية التى يمكننا الخروج بها هى أن هذا الرجل المرموق يستحق منا دراسة أعمق، فمع أن العمل الفريد الذى قام به ابن الهيثم فى دمج الفيزياء والرياضيات ووظائف الأعضاء فى نظريةٍ جديدةٍ عن الإبصار قد احتل مكانةً تاريخية، إلا أن نظرياته عن سيكولوجية الإدراك وآثارها ستظل مجالًا خصبًا ومهمًا للبحث والدراسة"، كما أثبت تفوقه العلمى عالم الرياضيات الفرنسى "شارل أبرنون"، حيث قال: "إن بحوث ابن الهيثم فى ميدان المناظر تُعَدُّ أصل معارفنا فى علم الضوء".
 
كما أكّدت تفوّق ابن الهيثم فى العديد من المجالات "زيغريد هونكه" الألمانية فى كتابها "شمس الله تسطع على الغرب"، حيث شهدت فيه بتأثر الغرب تأثرًا بالغًا بعلوم وكتابات ابن الهيثم، فقالت: "كان الحسن بن الهيثم أحد أكثر معلمى العرب فى بلاد الغرب أثرًا وتأثيرًا... لقد كان تأثير هذا العربى النابغة على بلاد الغرب عظيم الشأن فسيطرت نظرياته فى علمى الفيزياء والبصريات على العلوم الأوروبية حتى أيامنا هذه؛ فعلى أساس كتاب المناظر لابن الهيثم نشأ كل ما يتعلق بالبصريات ابتداءً من الإنكليزى "روجر بيكون" حتى الألمانى "فيتيلو"، وأما ليوناردو دافنشى الإيطالى مخترع آلة "التصوير الثقب" أو الآلة المعتمة... فقد كان متأثرًا تأثيرًا مباشرًا بالمسلمين، وأوحت إليه آثار ابن الهيثم أفكارًا كثيرة، وعندما قام "كبلر" فى ألمانيا خلال القرن السادس عشر ببحث القوانين التى تَمكَّن "جاليليو" بالاستناد إليها من رؤية نجوم مجهولة من خلال منظار كبير كان ظل ابن الهيثم الكبير يجثم خلفه، وما تزال حتى أيامنا هذه المسألة الفيزيائية الرياضية الصعبة التى حلها ابن الهيثم بواسطة معادلة من الدرجة الرابعة مُبرهِنة بهذا على تضلعه البالغ فى علم الجبر، نقول: ما تزال المسألة القائمة على حسب موقع نقطة التقاء الصورة التى تعكسها المرآة المحرقة بالدوائر على مسافة منها ما تزال تسمى "بالمسألة الهيثمية" نسبة إلى ابن الهيثم نفسه". 
 


وفاته
اختلف المؤرخون فى تاريخ وفاة ابن الهيثم، وقد توفى عام "430 هـ -1040م"، فى القاهرة، عند أكثر المؤرخين، عن عمرٍ يناهز الـ 75 عامًا.
 
مراجع
الحسن بن الهيثم، أحمد سعيد الدمرداش، دار الكتاب العربى للطباعة والنشر - القاهرة 1969م.
علم الطبيعة نشوؤه ورقيه وتقدمه الحديث، مصطفى نظيف، مطبعة مصر ـ القاهرة 1927م.
تراث العرب العلمى فى الرياضيات والفلك، قدرى حافظ طوقان - مصر 1963م.
عيون الأنباء فى طبقات الأطباء، ابن أبى أصيبعة، مطبعة مصطفى وهبى - القاهرة 1965م.
الفهرست، ابن النديم، المكتبة التجارية - القاهرة 1970م.
تاريخ الطب، البيهقى - دمشق 1946م.

(67 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع