حياة

علماء مسلمون علموا العالم..

7- جابر بن حيان.. شيخ الكيميائيين

لقد حمل المسلمون أنوار الإسلام إلى ربوع الدنيا شرقًا وغربًا، رافعين لواء الحضارة والعلم والمعرفة قرابة الثمانية قرونٍ؛ تاركين للمعرفة الإنسانيَّة في شتى مجالاتها تراثًا علميَّا ومعرفيَّا لم تتركه أمةً ولا حضارةً قبلهم ولا بعدهم، متمثلًا في العديد من الإنجازات والاكتشافات العلميَّة والمعرفيَّة ومكتبةٍ ضخمة تحوى أمهات الكتب والمعاجم والموسوعات العلميَّة التي خطَّتها أقلام علمائهم الذين أفنوا أعمارهم في التفكير والإنتاج العلمي في شتى مجالات المعرفة، فكانوا يطربون لصرير أقلامهم كما يطرب الموسيقار لألحان آلته التي يعزف عليها، ومن بين هؤلاء العلماء الأفذاذ، رائد علوم الكيمياء أبو موسى جابر بن حيان بن عبد الله الأزدي.



ابن حيان.. حياته ونشأته
إنّه أبو موسى، جابر بن حيان بن عبد الله الأزدي، نسبةً إلى قبيلة أزد اليمنيّة، عالم مسلم عربي، برع في علوم الكيمياء والفلك والهندسة وعلم المعادن والفلسفة والطب والصيدلة، ويُعدّ مؤسِّس علم الكيمياء التجريبي؛ فهو أول من استخلص معلوماته الكيميائية من خلال التجارب والاستقراء والاستنتاج العلمي، وكان ابن حيان غزير الإنتاج والاكتشافات، حتى إن الكيمياء اقترنت باسمه، فقالوا: "كيمياء جابر"، وكذلك: "صنعة جابر"، كما أُطلق عليه أيضًا "شيخ الكيميائيين"، و"أبو الكيمياء".

هاجر والده حيان بن عبد الله الأزدي من اليمن إلى الكوفة في أواخر عصر بني أمية، وعمل في الكوفة صيدليًّا وظلَّ يمارس هذه المهنة مدة طويلة -ولعل مهنة والده كانت سببًا في بدايات جابر في الكيمياء؛ وذلك لارتباط العلمين- وعندما ظهرت دعوة العباسيين ساندهم حيان، فأرسلوه إلى خراسان لنشر دعوتهم، وهناك ولد النابغة جابر بن حيان، وعندما شعر الأمويون خطر نشاط حيان بن عبد الله الأزدي في بلاد فارس ألقوا القبض عليه وقتلوه، ولهذا اضطرت عائلة حيان الأزدي أن تعود إلى قبيلة الأزد في اليمن، وهناك نشأ جابر بن حيان، وعندما سيطر العباسيين على الموقف عام "132 هـ" في الكوفة واستتب الأمن، رجعت عائلة جابر بن حيان إلى الكوفة، فانضم ابن حيان إلى حلقات الإمام جعفر الصادق؛ ولذا نجد ابن حيان تلقى علومه الشرعية واللغوية والكيميائية على يد الإمام جعفر الصادق، كما ذكر ابن حيان أنه درس على يد الحميري، ومعظم مؤرخي العلوم يعتبرون جابر بن حيان تلقى علومه من مصدرين: الأول من أستاذه الحقيقي الإمام جعفر الصادق، والثاني من مؤلفات ومصنفات خالد بن يزيد بن معاوية، فعن طريق هذه المصادر تلقى علومه ونبغ في مجال الكيمياء وأصبح بحق أبو الكيمياء؛ فقد وضع الأسس لبداية الكيمياء الحديثة.

واستقر ابن حيان في بيتٍ كبيرٍ بالكوفة، وفتح محل عطارةٍ بسور بيته، وتزوَّج وأنجب ثلاثة أولاد، موسى، وعبد الله، وإسماعيل، وقام ببناء معملًا خاصًا به بدأ فيه باختبار ما قاله القدماء من تجارب الكيمياء وإثبات صحة ما قالوا، واعتاد جابر على كتابة و تسجيل الملاحظات والنتائج و كثيرًا ما اكتشف أن ما نقلته الكتب كذبًا، ثم اتصل بالعباسيين وقد أكرموه اعترافًا بفضل أبيه عليهم كما كان ابن حيان أيضًا صاحب البرامكة. 
 


إنجازاته العلمية..
لابن حيان العديد من الإنجازات في علوم الكيمياء نذكر منها؛ اكتشافه لـ"الصودا الكاوية"، أو القطرون (NaOH)، وهو أول من استحضر ماء الذهب، وهو أول من أدخل طريقة فصل الذهب عن الفضة بالحلِّ بواسطة الأحماض؛ وهي الطريقة المستخدمة إلى يومنا هذا، وهو أول من اكتشف حمض النتريك، وهو أول من اكتشف حمض الهيدروكلوريك، كما أضاف جوهرين إلى عناصر اليونان الأربعة؛ وهما "الكبريت والزئبق"، وأضاف العرب جوهرًا ثالثًا؛ وهو الملح، وهو أول من اكتشف حمض الكبريتيك وقام بتسميته بزيت الزاج، كما أدخل تحسيناتٍ على طرق التبخير والتصفية والانصهار والتبلور والتقطير، كما استطاع إعداد الكثير من المواد الكيميائية كسلفيد الزئبق وأكسيد الأرسين (arsenious oxide)، كما نجح في وضع أول طريقة للتقطير في العالم، فقد اخترع جهاز تقطير ويستخدم فيه جهاز زجاجي له قمع طويل لا يزال يُعرَف حتى اليوم في الغرب باسم "Alembic" من "الأمبيق" باللغة العربية، وقد تمكّن جابر بن حيان من تحسين نوعية زجاج هذه الأداة بمزجه بثاني أكسيد المنجنيز، وكان ابن حيان أول من استعمل الميزان في قياس مقادير المحاليل المستعملة بتجاربه الكيميائية؛ حيث كانت عنده وحدات قياسٍ خاصة به، وكان أصغرها؛ هو الحبة التي تبلغ قيمتها نحو 0.05 من الجرام.

كما وضع ابن حيان العديد من المصطلحات العلمية لا يزال الغربيون يستخدمونها حتى يومنا هذا، منها: "الكيمياء-Chemistry"، و"الأمبيق-alembic"، و"الغول-Alcohol"، و"الكافور-Camphor"، و"القلويات-Alkali"، و"الإكسير-Elixir"، و"العنبر-Amber"، و"ألوم-Alum"، و"الانتيمون-Antimony"، و"سينابار-Cinnabar"، و"جبس-Gypsum"، و"الملغم-Amalgam"، و"الصودا-soda"
 


مؤلفاته..
تعود شهرة جابر بن حيان إلى مؤلفاته الكثيرة، والتي تُرجِمَت إلى عدة لغاتٍ، ومن الأمور التي ساهمت في شهرته وضعه شروحًا لكتب أرسطو وأفلاطون، ورسائل في الفلسفة، والتنجيم، والرياضيات، والطب، والموسيقى، وذكر الزركلي في "الأعلام" أن تصانيفه قد بلغت خمسمائة كتابٍ ضاع أكثرها، وقد تُرجِمَت بعض كتب ابن حيان إلى اللغة اللاتينية في أوائل القرن الثاني عشر، كما تُرجِم بعضها من اللاتينية إلى الإنجليزية عام 1678م، كما ظلّ الأوربيون يعتمدون على كتبه لعدة قرونٍ، وقد كان لها بالغ الأثر في تطوير الكيمياء الحديثة، وفي هذا يقول "ماكس مايرهوف": "يمكن إرجاع تطور الكيمياء في أوروبا إلى جابر ابن حيان بصورةٍ مباشرة"، وأكبر دليلٍ على ذلك أن كثيرًا من مصطلحاته التي ابتكرها ما زالت مستعملة في مختلف اللغات الأوربية حتى يومنا هذا. 

ولقد تأثَّر جابر بن حيان بكتابات الكيميائيين المصريون القدماء والإغريق أمثال؛ زوزيموس الأخميمي، وديموقريطس، وهرمس الهرامسة، وأغاثوديمون، بل وكتابات أفلاطون، وأرسطو، وجالينوس، وفيثاغورث، وسقراط، وتعليقات ألكسندر، من أفروديسياس، وسمبليسوس، وفرفريوس، وغيرهم، ويُعدّ جابر بن حيان من أوائل من صنَّف "السموم"؛ ففي كتابه "السموم ودفع مضارها"؛ الذي قسّمه إلى خمسة فصولٍ؛ بحث فيه أسماء السموم وأنواعها، وتأثيراتها المختلفة على الإنسان والحيوان، وعلامات التسمم والمبادرة إلى علاجها، والاحتراس من السموم، وقد قسّم السموم فيه إلى حيوانية كسموم الأفاعي والعقارب وغيرها، ونباتية كالأفيون والحنظل، وحجرية كالزئبق والزرنيخ والزاج، وقد ترك ابن حيان غير هذا الكتاب مائة من المؤلفات؛ منها اثنتان وعشرون في موضوع الكيمياء، منها كتاب "السبعين"؛ وهو أشهر كتبه ويشتمل على سبعين مقالًا يضم خلاصة ما وصلت إليه الكيمياء عند المسلمين في عصره، وكتاب الكيمياء، وكتاب الموازين، وكتاب الزئبق، وكتاب الخواص، وكتاب الحدود، وكتاب كشف الأسرار، وكتاب خواص أكسير الذهب، وكتاب الحديد، وكتاب الشمس الأكبر، وكتاب القمر الأكبر، وكتاب الأرض، وكتاب إخراج ما في القوة إلى الفعل.

ومن يقرأ هذه الكتب يجد ابن حيان نفسه يذكر خلالها مئات الكتب التي قام بوضعها في مختلف العلوم سواء في المنطق أو الطب أو الزيج أو الأحجار والمعادن أو العزائم أو الكيمياء، ولكن ضاع كثير من هذه المؤلفات، أو لم نعثر عليها بعد، ولذلك لم أذكر إلا ما اشتهر من هذه الكتب والرسائل أو تأكد لي وجوده، وقد استقصى المستشرقون هذه المؤلفات والرسائل الموجود منها والمفقود وخاصة "هولميارد"، و"بول كراوس"، و"برتلو"، الذين أشاروا كذلك إلى العديد من الترجمات اللاتينية لمثل هذه العديد من الترجمات اللاتينية لمثل هذه المؤلفات في العصور الوسطى الأوربية.
 


شهد له العلماء فقالوا..
شهد له ابن خلدون في "مقدمته"؛ وهو بصدد الحديث عن علم الكيمياء، فقال: "إمام المدونين فيها جابر بن حيان، حتى إنهم يخصُونَها به فيسمونها "علم جابر"، وله فيها سبعون رسالة"، وقال عنه أبو بكر الرازي في "سرِّ الأسرار":"إن جابرًا من أعلام العرب العباقرة وأوَّل رائدٍ للكيمياء"، وكان يشير إليه باستمرار بقوله: "الأستاذ جابر بن حيان"، كما ذكر مؤلفاته ابن النديم في "الفهرست" وذكر نبذةً عنه، ووصفه أنور الرفاعي في كتابه "تاريخ العلوم في الإسلام" بأنه: "اشتهر بإيمانه وورعه، وكذلك بتصوفه". 

كما شهد الأوروبيون بعلم جابر بن حيان؛ حيث اعتمدوا على كتبه عدة قرونٍ، وعن فضله على حضاراتهم يقول المستشرق الألماني "ماكس مايرهوف" المهتم بأبحاث العلماء المسلمين في المجال الطبي: "يمكن إرجاع تطور الكيمياء في أوروبا إلى ابن حيان بصورةٍ مباشرة، وأكبر دليل على ذلك أن كثيرًا من المصطلحات التي وضعها ما زالت مستعملة في مختلف اللغات الأوروبية"، بل إن أكثر تلك المصطلحات ما زالت تحتفظ بـ"أل" التعريف دلالةً على عربيتها، وقال عنه مؤرخ العلوم في العصر الحديث "جورج سارطون": "لن نتمكن من معرفة القيمة الحقيقية لجابر بن حيان إلا إذا تم تحقيق وتحرير ونشر جميع مؤلفاته"، ورأى بعض العلماء أن ابن حيان مهَّد لاختراع القنبلة الذريّة حيث أنه أول من أشار إلى قوة الربط الذريّة التي بُنيَ على أساسها عملية تفجير طاقة الذرّة، بل أنّه قال بالنص: "في قلب كل ذرة قوة لو أمكن تحريرها لأحرقت بغداد".

وقال عنه العالم الكيميائي الفرنسي "مارسيلان بيرتيلو" في كتابه "كيمياء القرون الوسطى": "إن لجابر بن حيان في الكيمياء ما لأرسطو في المنطق"، حيث كانت كتبه في القرن الرابع عشر من أهم مصادر الدراسات الكيميائية وأكثرها أثرًا في قيادة الفكر العلمي في الشرق والغرب، وقال عنه الفيلسوف الإنكليزي "باكون": "إن جابر بن حيان هو أول من علّم علم الكيمياء للعالم، فهو أبو الكيمياء".

 

وفاته..
توفي جابر بن حيان بالكوفة بعدما أثرى العالم بعلمه ومعارفه وقد جاوز التسعين من عمره، بعد فراره من العباسيين بعد نكبة البرامكة، فسجن بالكوفة وظلّ في السجن حتى وفاته حوالي عام "199هـ"، الموافق "815م" على اختلافٍ بين المؤرخين.
 
مراجع
عيون الأنباء في طبقات الأطباء، ابن أبى أصيبعة، مطبعة مصطفى وهبي القاهرة 1965م.
الشفاء، ابن سينا، القاهرة 1965م.
الفهرست، ابن النديم، المكتبة التجارية، القاهرة 1970م.
تاريخ الطب، البيهقي، دمشق 1946م.
نهاية الطب، الجلدكى، القاهرة بدون تاريخ.
أساسيات العلوم الذرية في التراث الإسلامي، أحمد عبد الوهاب، القاهرة 1977م.
جابر بن حيان: مختارات من رسائله- تحقيق المستشرق بول كراوس، القاهرة 1950م.
 

اقرأ ايضاً

(67 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع