حياة

مسلمون علموا العالم..

3- البتَّاني.. أسطورة الفلك

لقد حمل المسلمون أنوار الإسلام إلى ربوع الدنيا شرقًا وغربًا، رافعين لواء الحضارة والعلم والمعرفة قرابة الثمانية قرونٍ؛ تاركين للمعرفة الإنسانيَّة في شتى مجالاتها تراثًا علميَّا ومعرفيَّا لم تتركه أمةً ولا حضارةً قبلهم ولا بعدهم، متمثلًا في العديد من الإنجازات والاكتشافات العلميَّة والمعرفيَّة ومكتبةٍ ضخمة تحوى أمهات الكتب والمعاجم والموسوعات العلميَّة التي خطَّتها أقلام علمائهم الذين أفنوا أعمارهم في التفكير والإنتاج العلمي في شتى مجالات المعرفة، فكانوا يطربون لصرير أقلامهم كما يطرب الموسيقار لألحان آلته التي يعزف عليها، ومن بين هؤلاء العلماء الأفذاذ، الفلكي أبو عبد اللّٰه محمد بن جابر بن سنان البتَّاني.
 

الفلكي أبو عبد اللّٰه محمد بن جابر بن سنان البتَّاني

حياته ونشأته
هو الفلكي أبو عبد الله محمد بن جابر بن سنان البتَّاني، يُكنَّى بـ"البتَّاني" نسبة إلى مسقط رأسه "بتّان"، كما يُكنَّى بالرّقي نسبةً إلى مدينة "الرِّقة" التي قضى بها معظم حياته مع الكثير من الأُسَر الحرانيّة، وأنجز بها الكثير من إنجازاته العلميَّة.
ولد البتَّاني الحرّانيّ في حران عام "240هـ-854م"، وتلقى البتَّاني أول ما تلقاه من تعليمٍ على يد والده جابر بن سنان البتَّاني والذي كان أحد مشاهير العلماء، ثم انتقل إلى الرّقة الواقعة على نهر الفرات، حيث أكمل تحصيله العلميَّ هناك، وأصبح بعدئذٍ عالمًا مرموقًا من علمائها، وفي بداية القرن العاشر الميلادي هاجر إلى سامراء حيث عمل بها حتى نهاية حياته.
لم تحفظ لنا كتب التاريخ والتراجم تفاصيل عن أساتذة البتَّاني والمراحل التعليمية المختلفة في حياته، إلّا أنّه قد عاصر "علي بن عيسى الأسطرلابي" و"يحيى بن أبي منصور" وهما من أكبر الفلكيين في عصره ومن المحتمل أنه تتلمذ على أحدهما ولا سيما وأنّ الأول كان حرانيًا مثله، ولكن الأمر المؤكد أن البتَّاني قد تفوَّق على كل من سبقه وعاصره في هذا المجال بعد أن استوعب مؤلفاتهم الفلكيَّة المتوافرة في عصره.

وقد وقف البتَّاني جزءًا كبيرًا من حياته العلميَّة على رصد الكواكب وأفلاكها، وتوصَّل نتيجةً لجهودٍ جبارة إلى تصحيح أرصاد القدماء للكثير من النجوم، إمّا لوقوع سابقيه في أخطاءٍ لدى إجراء هذه الأرصاد، وإمّا بسبب تَغيّر مواقع النجوم نفسها بالنسبة إلى الأرض، وله أرصاد رائعة في الخسوف والكسوف استند إليها كثير من فلكيي القرن الثامن عشر لدى دراستهم لتسارع القمر.
ومما ساعد البتَّاني على هذه الاكتشافات تصادف وجوده في عصر ازدهار العلوم بعهد الخليفة المأمون، فقد كان المأمون قد أمر ببناء مرصد بغداد الفلكي لتكون مهمته الرئيسية تحديد مواقيت الصلاة للمسلمين، وكان ذلك تحت إشراف العالم الشهير "سند بن علي"، والذي كان رئيسًا للفلكيين في هذا العصر، ولم يكن هو المرصد الوحيد في ذلك الوقت، فقد كانت هناك عدة مراصد متفرّقة في أنحاء البلاد الإسلامية، وقد حرص الخلفاء علي تزويد تلك المراصد بأجهزة فلكيّة بالغة الدقة؛ لما يترتب عليها من تحديد شعائر الإسلام؛ فقد كان من صناع تلك الأجهزة المهندس "علي بن عيسي الأسطرلابي"، و"أبو علي يحيي بن أبي منصور".

ويُعدّ البتَّاني من كبار علماء الفلك في عصره ومن جاء بعده أيضًا؛ وذلك لاكتشافاته العديدة وإنجازاته الهامة، ذكره القفطي بقوله: "أحد المشهورين برصد الكواكب والمتقدمين في علم الهندسة وهيئة الأفلاك وحساب النجوم وصناعة الأحكام، وله "زيج" جليل ضمَّنه أرصاد النيرين وإصلاح حركاتها المثبتة في كتاب "بطليموس" المعروف بكتاب "المجسطي" وذكر فيه حركات الخمسة المُحيّرة على حسب ما أمكنه من إصلاحها".
 


اكتشافاته
حقق البتَّاني إنجازات بارزة في علم الفلك، بالإضافة إلى إنجازاته في العلوم الرياضية "حساب المثلثات، والجبر والهندسة" والجغرافيا، ونظرًا لأهمية إنجازاته الفلكية، حاز وبكل جدارة على لقب "بطليموس العرب" تشبيهًا له بالعالم الفلكي "كلوديوس بطليموس".

ومن أهم إنجازات البتَّاني الفلكيَّة، أرصاده الصحيحة التي تُعد أدق ما أجراه الفلكيون العرب من أرصاد، ومن أدق الأرصاد التي أجريت حتى القرن السابع عشر؛ وهو الأمر الذي ما زال يُثير دهشة وإعجاب علماء الفلك؛ نظرًا لافتقار البتَّاني للآلات الفلكيَّة الدقيقة التي توافرت في القرنين الماضيين، ولا نقول ما هو موجود منها الآن! وفي إطار تلك الأرصاد الصحيحة، رصد البتَّاني زاوية الميل الأعظم، وقاس موضع أوج الشمس في مسيرتها الظاهرية فأثبت تغيَّره عن القياس الذي أجراه "بطليموس" في القرن الثاني الميلادي، ومن بين أهم إنجازاته ما يلي:
• صحَّح البتَّاني قيمة الاعتدالين الصيفي والشتوي.
• كما حسب البتَّاني قيمة ميل فلك البروج على فلك معدل النهار فوجدها "35" دقيقة و"23" ثانية، والدراسات الفلكيَّة الحديثة تُبيّن لنا أنه لم يخطئ إلا في دقيقة واحدة حسب طول السنة الشمسية بدرجة عالية من الدقة، وبخطأ مقداره دقيقتان واثنتان وعشرين ثانية فقط.
• وصل البتَّاني إلى بعض المعادلات الأساسية والحلول الهامة في علم حساب المثلثات الكري "Spherical Trigonometry"، وهو ما أسهم إسهامًا كبيرًا في ارتقاء علم الفلك.
• البتَّاني هو أول من استبدل "الوتر" الذي كان بطليموس يستعمله بـ"الجيب"، وهو إحدى النسب المثلثيّة
• كما أجرى البتَّاني أرصادًا دقيقة للكسوف والخسوف؛ اعتمد عليها فلكيو الغرب في حساب تسارع القمر أثناء حركته خلال قرنٍ من الزمان.
• برَّهن البتَّاني على احتمال حدوث الكسوف الحلقي للشمس؛ مصححًا بذلك خطأ "بطليموس".
• كما حقَّق البتَّاني مواقع عدد كبير من النجوم، وصحَّح بعض نظريات حركات القمر وكواكب المجموعة الشمسيّة.
• توصّل البتَّاني إلى نظريّةٍ قوية الأسانيد، تُوضّح وتُفسِّر أطوار القمر عند ولادته.
• كما أوضح البتَّاني حركة الذنب للأرض.
• ساهم البتَّاني إلى جانب علماء فلكٍ آخرين، في ترسيخ استعمال الغرب أسماء النجوم كما سمَّاها العرب، وكذلك ساهم في إدخال أكثر من 160 مصطلحًا فلكيَّا باللغة العربية يستعملها الغربيون في علوم الفلك إلى يومنا هذا، نذكر منها: "الثور – Altaur"، "الجدي – Algedi"، "الذنب – Denab"، "آخر النهر – Acarnar"، "الفرقدان – Farcadin"، "قلب الأسد – Kalbehsit"، "قلب العقرب – Kalbolacrab"، "الكوكب –Kochab"، "رأس الجوزاء – Rasalgeuse"، "المركب – Markab"، "التنين – Etanin"، "الخابور – Alchabor"، "الدبة – Dubhe"، "الطائر – Altair"، "الفرس – Alpherath"، "الغراب – Algorab"، "الكور – Alkor"، "فم الحوت – Famlhaut"، "الواقع – Wega"، "بطن الحوت - Baten-Kaitos"، "رأس الغول – Algol".
• كما قام البتَّاني بـ فهرسة "489" من النجوم.
• وأوضح البتَّاني أنّ أبعد مسافة لـ "الشمس" من الأرض تكون مُختَلِفَةٌ دائمًا، ونتيجةً لذلك فإنّ الكسوف الحلقي للشمس له نفس فرص الحدوث مثل الكسوف الكُلِّي.
• لقد كان للبتَّاني دور كبير في تطور علوم الفلك؛ وذلك لإنجازاته واكتشافاته وتأثيره الكبير الذي تركه على العلماء مثل: "تايخو براهي، وكبلر، وجاليليو، وكوبرنيكوس".
 


إبداعه الفكري
ألَّف البتَّاني عددًا كبيرًا من المؤلفات، تضمنت أرصاده الدقيقة ومقارناته بين التقاويم المعروفة لدى الأمم المختلفة "الهجري، الفارسي، الميلادي، القبطي"، وأوصافه للآلات المستخدمة في عمليات الأرصاد الفلكيَّة وطرق صناعتها.
ومن أهم كتبه "الزيج"، والذي وضعه عام "287هـ - 900م" على أساس أرصاد قام بها في الرّقة وأنطاكية في العام نفسه، متخذًا "زيج الممتحن" ليحيى بن منصور مرجعًا له، ويعد "الزيج الصابئ" من أهم وأصح الأزياج المعروفة التي أثمرتها الحضارة الإسلامية، ويشتمل كتاب "الزيج الصابئ" على مقدمةٍ، وسبعةٍ وخمسين فصلًا، ضمّنها البتَّاني الكثير من أرصاده الفلكيِّة وأفكاره ونظرياته في علم الفلك، كما ضمّ الكتاب أكثر من ستين موضوعًا؛ أهمها: تقسيم دائرة الفلك، وضرب الأجزاء بعضها في بعض، وتجذيرها، وقسمتها بعضها على بعض، ومعرفة أقدار أوتار أجزاء الدائرة، ومقدار ميل فلك البروج عن فلك معدل النهار وتجزئة هذا الميل، ومعرفة أقدار ما يطلع من فلك معدل النهار، ومعرفة مطالع البروج فيما بين أرباع الفلك، ومعرفة أوقات تحاويل السنين الكائنة عند عودة الشمس إلى الموضع الذي كانت فيه أصلًا، ومعرفة حركات سائر الكواكب بالرصد ورسم مواضع ما يحتاج إليه منها في الجداول في الطول والعرض.

كما عرّف البتَّاني قانون تناسب الجيوب، واستخدم معادلات المثلثات الكريّة الأساسية، كما أدخل اصطلاح جيب التمام، واستخدم الخطوط المماسة للأقواس، واستعان بها في حساب الأرباع الشمسية، وأطلق عليها اسم "الظل الممدود" الذي يُعرف باسم "خط التماس"، وقد جاء في المقدمة التي كتبها البتَّاني لـ"زيجه" ما يلي: "إنّ من أشرف العلوم منزلةً علم النجوم، لما في ذلك من جسيم الحظّ وعظيم الانتفاع بمعرفة مدة السنين والشهور، والمواقيت وفصول الأزمان، وزيادة النهار والليل ونقصانهما، ومواضع النيّرين وكسوفهما، وسير الكواكب في استقامتها ورجوعها، وتبدّل أشكالها ومراتب أفلاكها، وسائر مناسباتها، وإني لمّا أطلت النظر في هذا العلم، ووقفتُ على اختلاف الكتب الموضوعة لحركات النجوم، وما تهيّأ على بعض واضعيها من الخلل فيما أوصلوه فيها من الأعمال، وما ابتغوه عليها، وما اجتمع أيضًا في حركات النجوم على طول الزمان لمّا قيست أرصادها إلى الأرصاد القديمة، وما وجد في ميل فلك البروج على فلك معدّل النهار من التقارب، وما تغيَّر بتغيره من أصناف الحساب، وأقدار أزمان السنين وأوقات الفصول، واتصالات النيّرين، التي يستدل عليها بأزمان الكسوفات وأوقاتها، جريت في تصحيح ذلك وأحكامه على مذهب "بطلميوس" في الكتاب المعروف "بالمجسطيَّ"، بعد إنعام النظر وطول الفكر والرويّة مقتفيًا أثره متبعًا ما رسمه، إذ كان قد تقصّى ذلك من وجوهه، ودلّ على الأسباب العارضة فيه، كالبرهان الهندسيّ العدديّ الذي لا تُدفَع صحته ولا يُشكُّ في حقيقته، فأمر المحنة والاعتبار بعده، وذكر أنه قد يجوز أن يستدرك عليه في أرصاده على طول الزمان، كما استدرك هو على "أبرخس" وغيره من نظرائه...".

وقد تُرّجم الكتاب إلى اللاتينية أكثر من مرّة في القرن الثاني عشر، وفي عام "1899م" طبع "الزيج الصابئ" بـ"روما"، بعد أن حقّقه "كارلو نللينو" عن النسخة المحفوظة بمكتبة الاسكوريال في إسبانيا.
ومن بين أهم كتبه كتاب "معرفة مطالع البروج فيما بين أرباع الفلك"؛ حيث يتناول البتَّاني في هذا الكتاب الحل الرياضي للمسألة التنجيمية لاتجاه الراصد، و"رسالة في مقدار الاتصالات"، و"رسالة في تحقيق أقدار الاتصالات"؛ وقد تناول البتَّاني في هاتين الرسالتين موضوع اتفاق كوكبين في خط الطول أو في خط العرض السماوي، سواء أكانا على فلك البروج، أو كان أحدهما أو كلاهما خارج هذه الدائرة، و"شرح المقالات الأربع لبطليموس"؛ وهو عبارة عن أربع مقالات ذيَّل بها بطليموس كتابه "المجسطي" عالج فيها مسائل التنجيم وتأثير النجوم على المسائل الدنيوية، وكتاب "تعديل الكواكب"؛ حيث بحث البتَّاني فيه الفرق بين حركات الكواكب في مساراتها باعتبارها ثابتة المقدار، وبيَّن حركاتها الحقيقية التي تختلف من موضعٍ لآخر.
 


أخطاء صحَّحها
تفوَّق البتَّاني على علماء عصره بل ومن سبقوه أيضًا فصحَّح العديد من المسائل العلميّة لهم؛ حيث كان الفلكيون قبل البتَّاني وعلى رأسهم "بطليموس" يقولون بثبات ميل حركة أوج الشمس بحساب دائرة الفلك، إلى أن جاء البتَّاني فبيّن أنّ الميل يتغير مع الزمن، وأن أوج الشمس والتباعد المركزي لمسارها قد تغيّر منذ عهد "أبرخس"، على الرغم من أن "بطليموس" أكَّد على ثباتها، ولم ينس البتَّاني أن يُوضِّح أنّ حركة أوج الشمس هي حركة الاعتدالين، ومن ذلك أوجد أن طول السنة المدارية هو "365" يومًا و"5" ساعات و"46" دقيقة و"34" ثانية؛ أي: بخطأ نقصانٍ مقداره دقيقتان و"22" ثانية، بينما كان خطأ "بطليموس" بزيادةٍ مقدارها "6" دقائق و"26" ثانية؛ كما أنه أوضح كيفية تغير القطر الظاهري للشمس والقمر، مثبتًا إمكانية حدوث الكسوف الحلقي للشمس، بعكس ما كان يظنه "بطليموس"، وقد استخدم البتَّاني في إثبات ذلك أجهزة فلكيَّة من صنع يده.

وتؤكّد المصادر العلمية الفلكية الغربية إلى أن حسابات البتَّاني كانت أدق من فلكيين عاشوا بعده بعدة قرونٍ وتوفَّرت لهم معداتٍ أفضل من التي توفَّرت له، ومنهم الفلكي الألماني "نيكولاس كوبرنيكوس"، فاستحق وبكل جدارة اللقب الذي أطلقه عليه فلكيو أوروبا؛ وهو "بطليموس العرب". وصفه الفلكي الإيطالي "كارولو نيلنو" قائلًا: "إن للبتَّاني رصودًا جليلة للكسوف والخسوف اعتمد عليها الفلكي دنثورن عام "1749م" –أي: بعد سبعة قرونٍ من وفاة البتَّاني" في تحديد تسارع حركة القمر خلال قرنٍ من الزمان". 
 


شهادات غربية
أجمع علماء الغرب على تفوّق البتَّاني في علوم الفلك على علماء عصره بل ومن سبقه معترفين له بالفضل والتفوَّق العلمي، ومن بين من اعترفوا بتفوقه الفلكيّ الشهير "إدموند هالي" بدقة أرصاد البتَّاني، واعترف بذلك أيضًا "كاجوري" في كتابه "في تاريخ الرياضيات"، كما أشار مؤرخ العلم "جورج سارتون" إلى البتَّاني بإعجابٍ شديد باعتباره أعظم الفلكيين المسلمين، وعن إنجازات البتَّاني العلميَّة ذكرته دائرة المعارف الإسلامية الإنجليزية، قائلة: "البتَّاني؛ فلكي ورياضي عربي مشهور، ويعتبر أحد أعلام رجال الفلك في العالم، ولد في "بتان" بنواحي "حران"، وقد أسهم في وضع أساس علم المثلثات الحديثة ووسّع نطاقها، واكتشف الكثير من حقائق علم الفلك، ولم يُعلَم أحدٌ في الإسلام بلغ مبلغ البتَّاني في تصحيح أرصاد الكواكب وامتحان حركتها، وهو أول من اكتشف "السمت" و"النظير"، وحدَّد نقطتهما في السماء، وعني برصد الكسوف والخسوف، وصحّح بعض نتائج بطليموس الإسكندري".

ووصفه "جوزيف شاخت" في كتابه "تراث الإسلام"، فقال: "يعتبر البتَّاني مبرزًا بين جميع الفلكيين العرب والمسلمين، فقد وضع جداول "الزيج الصابئ"، وقام بأرصاد عديدة لها جانب كبير من الدقة لدرجة أنه استطاع إثبات حدوث الكسوف الحلقي للشمس"، وبعد ذلك بعدة قرون، تمكّن "دنثورن – Dunthorne" بالاعتماد على أرصاد البتَّاني من تحديد تسارع القمر في حركته حول الأرض.
كما ذكر معجم ماكميلان لعلم الفلك البتَّاني ضمن قائمة مشاهير علوم الفلك عبر التاريخ، وفي كتاب "The Spirit of Islam - روح الإسلام" يقول المفكر الإسلامي الهندي "سيد أمير علي" واصفًا البتَّاني: "شكَّلت جداوله الفلكيّة المترجمة إلى اللغة اللاتينية ركائز علم الفلك لقرونٍ عدة، ومع ذلك فالبتَّاني معروف أكثر في تاريخ الرياضيات باعتباره أول من أدخل الجيب وجيب التمام بدلًا من الوتر في الحسابات الفلكيَّة وحساب المثلثات"، ويُعتبر كتاب "الزيج الصابئ" واحدًا من أهم مائة كتاب في التراث العربي الإسلامي الكريم، وأهم كتاب فلك عربي إسلامي؛ لأنّ القائمة التي عدَّدت المائة كتاب، لم تحو من كتب الفلك العربية الإسلامي شيئًا غيره". ويعرف الغرب البتَّاني باسم "ألباتيجنوس – Albategnius"، و"ألباتيجين – Albategni".
 


"ناسا" تُكرِّم البتَّاني
كرَّمت وكالة الفضاء الأميركية "ناسا" البتَّاني، بتسمية أحد فوهات القمر باسمه عام "1345هـ"، وذلك اعترافًا لفضله وإنجازاته في هذا المجال، والتي اعتمد عليها علماء الغرب في العديد من أبحاثهم الفلكيّة، فقد استشهد بأعماله الفلكيّة العديد من فلكيي عصر النهضة بأوروبا، واستخدم "كوبرنيكوس" علم البتَّاني واستنتاجاته في كتاباته التي تُعرف في علم الفلك باسم "ثورة كوبرنيكوس"، وهو مصطلح يشير إلى الثورة على النظرية المعروفة بنموذج مركز الأرض وأنها مركز الكون، وتعتبر تلك النظرية نواة الثورة العلميّة التي انطلقت في أوروبا خلال القرن السادس عشر الميلادي.
كما أُشير إلى البتَّاني في العديد من الأعمال التلفزيونية والأدبية الغربية كأحد أهم رواد علم الفلك، فأطلق اسمه على إحدى المركبات الفضائية في المسلسل الأميركي الفضائي الشهير "ستار تريك"، كما استخدم اسمه في المسلسل البريطاني الشهير "دكتور هو" الذي استمر عرضه على مدى 26 عامًا ودخل موسوعة "غينيس" للأرقام القياسية، كما أُطلِق أيضًا اسم البتَّاني على رسم للمجموعة الشمسية في حلقة "نايت أوف ذا هيومنز - ليلة بني البشر".
 
وفاته
أجمع المؤرخون على أن البتَّاني توفى عام "317هـ - 929م"، بالقرب من مدينة الموصل في العراق، ويذكر لنا الزركلي في كتابه "الأعلام"، أنّ البتَّاني ارتحل مع بعض أهل الرّقة إلى بغداد، فلما رجع مات في طريقه بقصر الجص، قرب سامراء، وكان ذلك حوالي عام "929م"، ويُعتبر البتَّاني واحدًا من علماء الفلك العرب الأكثر شهرة؛ حيث كرَّس كل حياته حتى وفاته لمُراقبة الكواكب و النجوم والأفلاك.

(63 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع