حياة

125 عاما على وفاة الخديو توفيق..

2- الأيام الأخيرة ومراسم تشييع جثمانه

أصدر الصحفي المصري عزيز زَنَد مدير جريدة المحروسة ومحررها كتابه "القول الحقيق في رثاء وتاريخ الخديو توفيق" عام 1892م.. وقد عرضنا في المقال السابق ترجمة لزَنَد وأيضًا ترجمة للخديو توفيق كما أوردها عزيز زَنَد في كتابه، ونستكمل في هذا المقال ما بدأ به زند كتابه بذكر الأيام الأخيرة في حياة الخديو توفيق مع وصف لمراسم تشييع جنازته كما جاء في صحيفة النيل الصادرة وقتئذ. 
 


وقد بدأ عزيز زَنَد كتابه بالتأكيد أن الخديو توفيق "قوي البنية سليم الجسم شديد الحرص على رعاية صحته" وتتبّع زند الأيام الأخيرة من حياة الخديو توفيق "وقد خرج من قصره الكائن بمدينة حلوان وذلك بعد ظهر يوم الخميس ختام عام 1891م وتجوّل خارج المدينة ترويحًا للنفس وتنـزيهًا للفكر من عناء الاشتغال، وكانت صحته على غاية ما يرام من تمام السلامة وكمال العافية، ثم عاد عند الغروب إلى قصره فشعر ببرد خفيف خلافًا للعادة فلم يعبأ به إلى أن أحسّ باشتداد البرد أكثر مما كان يشعر به قبلاً فشرح الحالة إلى الأطباء فوصفوا له العلاج اللازم، وأشاروا عليه بالبقاء في القصر تحرّزًا، وفي يوم الاثنين 4 يناير سنة 1892م- 4 جمادى الثانية 1309هـ عادت إليه العافية التامة.. وفي يوم الثلاثاء 5 يناير شعر بشيء خفيف مما كان يشعر به من الألم فكاشف الأطباء بالأمر فعالجوه بالوسائل الطبية، ولكن ذلك لم يمنع اشتداد انتكاس الداء، فقضى الأمير ليلة الأربعاء على طولها الشتائي وطولها المرضي، وأصبح النهار وهو يشعر بزيادة الألم واشتداد وطأة المرض عليه، فاجتهد الأطباء في تخفيف الآلام ومداواة الداء ولكن على غير جدوى.
 

الخديو توفيق

وفي أوائل ليلة الخميس كانت حالة الأمير قد زادت اضطرابًا وارتباكًا رغمًا عن الوسائل التي اتخذها الأطباء، وبعد منتصف تلك الليلة بقليل دعت الحالة إلى تشكيل لجنة طبية استشارية فدُعي كل من الدكتور "كومانوس" والدكتور "هيس" لقيامهما من مصر إلى حلوان على جناح السرعة، فسار بهما قطار خصوصي بعد منتصف تلك الليلة، فشاهدا الأمير في حالة اضطراب شديدة وهو يشكو ويتألم من صعوبة التنفس، فهالهما هذا الأمر واندهشا من بلوغ الشدة إلى تلك الدرجة، ثم أسرعا بوصف العلاج الذي اقتضته حالة المرض وعادا إلى مصر بعد أن مكثا برهة بجانب الأمير.
 


وعند الساعة الأولى من بعد ظهر يوم الخميس عاد الطبيبان إلى حلوان فعاينا أن حالة الأمير زادت عن قبل تقدماً إلى جهة الخطر بما قطع آمالهما من الشفاء، على أن ذلك لم يمنعهما من متابعة المعالجة ولكن واأسفاه على غير فائدة، إلى أن كانت الساعة 7 والدقيقة 17 من مساء يوم الخميس 7 يناير سنة 1892م الموافق 7 جمادى الثانية سنة 1309هـ، وحينئذ انقضى الأمر وانطفأ نور حياة الأمير بخروج السر الإلهي.
 


وما فارقت روح الفقيد جسده حتى قامت قيامة الأحزان وثارت ثورة الأشجان داخل القصر الذي كان فيه عدد غير قليل من كبار القوم، نذكر منهم حضرة دولتلو البرنس حسين باشا كامل شقيق الفقيد، وحضرات النظار الكرام وفي مقدمتهم رئيسهم عطوفتلو مصطفى باشا فهمي، وكلاً من الماركيز "دو ريفرسو" قنصل جنرال دولة فرنسا ووكيلها السياسي والسير "افلن بارنج" قنصل جنرال دولة إنكلترا ووكيلها السياسي وغيرهم، فأدهشهم المصاب وأثر في نفوسهم تأثيرًا مبرحًا، لاسيما دولتلو البرنس حسين باشا فإن تباريح الأسى قد فعلت به فعلاً أليمًا جدًا.. أما مؤثرات الحزن التي استولت على ربة العصمة والعفاف الحرم المصون والكريمتين فلا نتكلم عنها لا كثيرًا ولا يسيرًا بل نترك إدراك عظم ذلك التأثير إلى حكمة القارئ.
 


وقد اجتمع مجلس النظار على إثر حصول المصاب ووقوع الخطب وأرسل نعي الفقيد بالتلغراف إلى سمو الأمير عباس باشا في مدينة فيينا عاصمة بلاد النمسا - ذكر أحمد شفيق باشا في "حوليات مصر السياسية" أنه كان يتلقى العلوم في مدرسة "التريزيانوم"، فلما وصل إلى علمه نبأ وفاة أبيه أبحر إلى مصر على ظهر باخرة حربية نمساوية فوصل إلى القاهرة في 24 يناير-  وأرسل إلى جلالة سيدنا ومولانا السلطان الأعظم ثم إلى جميع المديريات ومحافظات القطر المصري، وقرر بعد ذلك كيفية السير في تشييع الجنازة.
 


وما ذاع خبر المصاب في داخلية البلاد حتى توالى وفود الوفود من كل صوب وناحية من أنحاء الوجهين البحري والقبلي وحتى غصت بهم مدينة حلوان وعاصمة القطر.. وما صبح صباح يوم الجمعة الواقع في 8 يناير حتى أطلقت المدافع من قلاع العاصمة وحصونها على طريقة مؤثرة تزيد نار الأسى اشتعالاً واضطرامًا إذ كان بين كل طلقة وأخرى بضع دقائق كما هي العادة المتبعة في إعلام الناس بحلول خطب جلل، واستمر إطلاق المدافع من الصباح إلى الساعة 11 قبل الظهر، وكانت أعلام القنصليات منكسة، والمجامع والأماكن العمومية مقفولة، والبورصات والمحال التجارية خالية من الأعمال والعمال.
 أما رؤساء الجيش المصري وجيش الاحتلال وقوّاد الشرطة فكانوا منذ الصباح مشتغلين باتخاذ وسائل التأهب للمسير في تشييع الجنازة على النمط الذي قرره مجلس النظار".
 


وقد نقل عزيز زند ما أوردته جريدة النيل وقتئذ حيث جاء في عددها الخاص برثاء الخديو توفيق "وما أشرقت الشمس إلا وميدان عابدين وما والاه من الشوارع قد غص بالألوف المؤلفة من الوطنيين والأجانب، ثم توافد أعاظم الأكابر وأفاخم الرجال إلى محطة باب اللوق ينتظرون قدوم النعش من حلوان، وفي الساعة السابعة من يوم الجمعة وصل القطار المخصوص فتلقاه حضرة دولتلو أحمد مختار باشا وحضرة دولتلو رياض باشا، فابتدأ المشهد من محطة باب اللوق إلى شارع الشيخ ريحان، ثم إلى سراي عابدين، ولما وصل إلى عابدين أُدخل النعش من التشريفات ووضع في "السالون" برهة من زمان قليل، ثم ترتبت طبقات المشاة في المشهد لهذا اليوم، ثم خرج من باب السلاملك الخصوصي وصارت الجنازة بين صفين من الجنود على الترتيب الآتي: فسار من عابدين إلى شارع عبد العزيز، ثم إلى العتبة الخضراء، فسراي المحكمة المختلطة، فالموسكي فالسكة الجديدة فشارع سيدنا الحسين، وبعد أداء الصلاة إلى جهة العفيفي، وأكرم بكرامة الدفن في الضريح المخصوص، وتم الدفن في الساعة الرابعة والنصف.
 


وكان المشهد على هذا النسق يتقدم الكل إبل الكفارة، ثم الجيش ثم أرباب الأشاير ومشايخ الطرق، ثم الجيش أيضًا، ثم حملة القرآن، ثم تلامذة المكاتب الأهلية، ثم عدة من أعيان الأجانب وبعض مأموري المحاكم المختلطة والمحامون أمام المحاكم المختلطة بملابسهم الرسمية، ثم أعضاء صندوق الدين والدومين والدائرة السنية والسكة الحديد، ثم الرؤساء الروحانيون، فالقناصل الجنرالية، ثم حضرة دولتلو البرنس حسين باشا، وحضرة دولتلو الغازي مختار باشا، وحضرة دولتلو رياض باشا، وحضرة دولتلو نوبار باشا، وحضرة دولتلو البرنس إبراهيم باشا فهمي، وحضرة دولتلو إبراهيم باشا رشدي، وحضرة عطوفتلو مصطفى فهمي باشا رئيس النظار الكرام، وحضرات النظار وسعادتلو علي مبارك باشا، وسعادتلو البرنس داوود باشا، والأصهار الكرام سعادتلو أحمد فؤاد باشا، وسعادتلو محمد راتب باشا، وغير أولئك من رجال الحكومة وأكابر المأمورين، ثم حضرة سماحتلو جمال الدين أفندي قاضي قضاة الديار المصرية، وفضيلتلو الشيخ العباسي المفتي ونجله، وفضيلتلو الشيخ الإنباني شيخ الجامع الأزهر، وكثير من العلماء الأعلام.
 


ثم حضرات المديرين وقضاة المحاكم الأهلية وموظفو النظارات، ثم الأعيان والنظار، ثم رجال المعية السنية، ثم الجاوشية وبأيديهم القماقم والمباخر، ثم أولاد المكاتب والمنشدون، ثم النعش يحيط به رجال البوليس وهو محمول على أعناق الرجال من العساكر البحرية وغيرهم.
 


وكان على النعش الطربوش والسيف والنيشان العثماني المرصع ونيشان الامتياز ومداليتاه، وليس على النعش شيء من وسامات أجنبية، ثم يتلو النعش أورطة عسكر بيادة منكسي السلاح، ثم عربات الحرم وسائر العربات" 
  

اقرأ ايضاً

(49 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع