حياة

مسلمون علموا العالم..

10- ابن البيطار.. عميد الصيادلة

هناك إجماع عند مؤرِّخى العلم أنَّ علماء العرب والمسلمين هم الذين وضعوا قواعد علم الصيدلة وفَصَلوها عن علم الطب؛ لأنّ الصيدلة والطب كانتا مهنةً واحدةً، وقد كان للعلماء المسلمين السبق فى الفصل بين المهنتين؛ وكان سبيلهم إلى ذلك إنشاء المدارس التى تُعلِّم طريقة تحضير الأدوية المختلفة من الأعشاب والنباتات، كما أنَّهم أوَّل من أنشأ صيدليةً عامة، وصيدليةً خاصةً ملحقةً بالمستشفى، كما حازت بحوث المسلمين فى حقل الصيدلة موقع الصدارة منذ وقتٍ مبكِّر، ومن ذلك ما نراه فى كتاب "القانون" لابن سينا؛ والذى خصَّص جزء منه لدراسة الأدوية والعقاقير الهامة التى يعتمد عليها الطبيب فى علاجه، وكذلك البيرونى من خلال كتابه "الصيدلة فى الطب"، والذى سجَّل فيه خمسة أضعاف ما سجَّله "دسيقوريدس" فى دراساته للعقاقير، وعلى الرُّغم من اعتماد الصيادلة العرب فى بداية أبحاثهم ودراساتهم على كُتُب بعض السابقين، إلا أنّهم تفوَّقُوا عليهم كما تفوَّقُوا عليهم فى علوم الكيمياء؛ مما مكَّنهم من ابتكار أدويةٍ جديدةٍ لم تكن معروفةً من قبل.
 ولقد شهدت الفترة ما بين القرنين السادس والسابع الهجريين تطوُّرًا كبيرًا فى مجال الطب، خاصة لاهتمام الحكّام والأمراء به، وإنشاء العديد من دور الاستشفاء "البيمارستانات"، بل وصل الأمر إلى حدِّ أن كان لهم دور أيضًا فى تطوُّر البحث العلمى الطبى فى هذه المرحلة، فقد تعدَّدت الإشارات خلال الكتب التاريخية إلى صدور الأوامر السلطانية بالتأليف الطبي، ولم يقف الأمر عند هذا الحدِّ  بل اهتم الحكام والأمراء بالتأليف، فظهر خلال القرنين السادس والسابع العديد من الاكتشافات الطبيّة الجديدة، مثل اكتشاف الدورة الدموية لابن النفيس، وفى هذه الفترة أيضًا ظهرت الصِّلة الوثيقة بين الصيدلة والطب؛ حيث كان الطبيب يُعدُّ أدويتَه بنفسه، حسب معرفته وتجاربه الخاصة، والدليل على ذلك الـتآليف الكثيرة التى وضعها الأطباء فى الصيدلة خلال هذه الفترة، ومن بين هؤلاء العلماء الذين ازدهروا فى هذه الفترة عالمنا الجليل ابن البيطار.
 


ابن البيطار
هو ضياء الدين، أبو محمد عبد الله بن أحمد المالقي؛ نسبةً إلى مدينة مالقة بالأندلس، عالم نباتى وصيدلى مسلم، يُعدُّ من أعظم العلماء الذين ظهروا فى القرون الوسطى، عالم عصره فى علوم النبات والعقاقير، والصيدلانى الأول فى تراكيب الدَّواء، اشتهر بـ"ابن البيطار" وهو مشتق من "ابن البيطري"؛ لأنّ والده كان طبيبًا بيطريًّا ماهرًا، ويرجع إليه نسب عائلة "البيطار" فى سوريا وفلسطين والناصرة على وجه الخصوص، ويعرفون بـ"البياطرة"، ولد حوالى سنة "1197م"، وتلقى علومه فى إشبيلية على أيدى علمائها الكبار، أمثال أبو العباس وعبد الله بن صالح وغيرهما، وتنقَّل فى بادئ حياته بين العديد من مدن العالم الإسلامى طلبًا للعلم وبحثًا عن المعرفة فاتجه إلى مراكش ومنها إلى الجزائر وتونس ثم آسيا الصغرى مارًّا بأنطاكية ثم إلى بلاد الشام ومصر وتنقَّل فى الحجاز ومكث فترةً فى كلٍّ من غزة والقدس وبيروت، ثم انتقل إلى بلاد الإغريق، ووصل إلى أقصى بلاد الروم.
 
يقول عنه تلميذه ابن أبى أصيبعة فى كتابه "طبقات الأطباء": "ورأيتُ من حُسنِ عشرته، وكمال مروءته، وطيب أعراقه، وجودة أخلاقه ودرايته، وكرم نفسه، ما يفوق الوصف ويتعجب منه" كان يقول ابن البيطار دائمًا: إنّ أعمال القدماء غير كافية وغامضة من أجل تقديمها للطلاب؛ ولذلك يجب أن تصحّح و تكمّل حتى يستفيدوا منها أكثر ما يمكن، وهذا ما دعا "راملاندو" فى كتابه: "إسهام علماء العرب فى الحضارة الأوربية" إلى القول بأنّ: "إسهام ابن البيطار فى مجال علم النبات يفوق إنتاج السابقين من ديسقوريدس إلى القرن العاشر الهجري"، كما يذكر "الدومييلي" فى كتابه: "العلم عند العرب وأثره فى تطور العلم العالمي" أنّ ابن البيطار "كان مشهورًا بأنّه أعظم النباتيين والصيدليين فى الإسلام، مع العلم أنّ مؤلَّفاته تعتمد على كتب السابقين له، فقد سجَّلت فى جملتها تقدمًا بعيد المدى".
 


ابن البيطار وعلم النبات
كان ابن البيطار يقضى معظم وقته فى الغابة المجاورة لقريته، فرسخ فى نفسه منذ الصغر حبُّ الطبيعة، وازداد تقديره لها، فكانت مراقبته للتنوُّع النباتى والحيوانى وراء حُبِّه لعلم النبات؛ فكانت الغابة بمثابة أولُّ مدرسةٍ له فى علم النبات؛ ثم تتلمذ ابن البيطار بعد ذلك على يد عالم إشبيلية أبو العباس النباتى صاحب الشهرة العظيمة فى علم النبات، إلا أن ابن البيطار فاق أستاذه، بل امتاز فى أبحاثه العلمية والتجريبية والتطبيقية على باقى عشَّابى زمانه بعد أن استفاد من الإسهامات التى قدَّمها أساتذة سابقون عليه، ومن بين هؤلاء: ديسقوريدس؛ والذى كان له مؤلفات هامة، من بينها كتاب "الحشائش"؛ الذى قام ابن البيطار بترجمته ونقل منه الكثير فى كتابه "الجامع للأدوية المفردة".
ومن بينهم أيضًا "جالينوس"؛ حيث أنه من تصفَّح مؤلفات ابن البيطار، يجد أنه قد استفاد أيضًا من جالينوس؛ حيث تَأثَّر بمؤلفاته الكثيرة، ومن بينها كتابه الذى يتضمَّن أنَّ الطبيب الفاضل يجب أن يكون فيلسوفًا، وكذلك بكتابه "الاسطقسات"، و"العناصر"، وكتابه "التشريح الكبير"، وكتابه "حيلة البرء"، ومن أبرز إنجازات جالينوس التى تأثَّر بها ابن البيطار اهتمامه بإجراء التَّجارِب وتحضير الأدوية.
كما تأثَّر ابن البيطار بعلمائنا العرب، ومن أبرزهم: أبو حنيفة الدينوري، والذى وضع كتابًا فى النبات، لم يصنف مثله فى اللغة العربية؛ إذ يُعدُّ أول كتابٍ عربى ألِّف فى النبات، كما استفاد ابن البيطار من العالم الطبيب ابن سينا الذى استقصى نسبةً كبيرةً من النباتات، والتى كانت معروفة فى عصره، فأورد فى كتابه "القانون" طائفة كبيرة من النباتات الشجرية والعشبية والزهرية والعطرية والطحلبيَّة، وبيّن الأجناس المختلفة من النباتات والأنواع المختلفة من الجنس الواحد، كما تَأثَّر ابن البيطار بالشريف الإدريسى الجغرافى عالم النبات؛ وبخاصةٍ كتابه "الجامع لصفات أشتات النبات"، كما استفاد ابن البيطار من الغافقى النباتِّى المشهور الذى يُعدُّ من أعظم الصيدليين العرب، حيث أخَذ منه أجزاء غير قليلة من كتابه فى الأدوية المُفرَدة.
 


كتبه وأبحاثه
كتب ابن البيطار العديد من الكتب فى مجالات الأدوية والأغذية فزاد الثروة العلمية والبحثية فى هذا المجال، ومن بين أهم كتبه فى هذا المجال كتاب "الجامع لمفردات الأدوية والأغذية"؛ وهو يُعدُّ من أنفس الكتب النباتية؛ فقد احتوى كتاب ابن البيطار على شروحٍ مفصَّلة لعددٍ كبيرٍ من الأدوية؛ بلغ 1400 دواء بين نباتى وحيوانى ومعدني، ومنها 300 دواء جديد من ابتكاره؛ وقد بيَّن الخواص والفوائد الطبية لجميع هذه العقاقير، وكيفية استعمالاتها كأدوية أو كأغذية، ولقد اعتمد ابن البيطار فى كتابه هذا على أكثر من مائة وخمسين كتابًا؛ منها عشرون كتابًا يونانيًّا، وقد تُرجِم "الجامع لمفردات الأدوية والأغذية" إلى عدَّة لغات، وكان يُدرَّس فى معظم الجامعات الأوربية حتى عصرنا الحديث.
ومن بين كتبه الرائدة فى علوم الصيدلة "المغنى فى الأدوية المفردة"؛ بحث فيه أثر الدواء فى كل عضوٍ من الجسم كالأذن والعين والمعدة والأدوية المجملة كالأدوية ضد الحمى وضد السم، ويُقسَّم كتابه هذا إلى عشرين فصلًا، ويحتوى على بحث الأدوية التى لا يستغنى عنها الطبيب، وأثر الدواء فى كل عضو من الجسم كالأذن والعين والمعدة والأدوية المجملة كالأدوية ضد الحمى وضد السم.
 
ومن بين كتبه أيضًا: ميزان الطبيب، والإبانة والإعلام بما فى المنهاج من الخَلل والأوهام، وهو تعليقًا على منهاج البيان فيما يستعمله الإنسان من الأدوية المفردة والمركَّبة، والأفعال الغريبة والخواص العجيبة، وشرح أدوية ديسقوريدس؛ وهو عبارة عن قاموس بالعربيَّة والسريانيَّة واليونانيَّة والبربرى وشرح للأدوية النباتية والحيوانية، كما كتب رسالةً فى تَداوى السموم، ورسالةً أخرى فى الأغذية والأدوية، ومقال فى الليمون وشرابه ومنافعه، وكتاب الصناعتين؛ وهو كتاب قيِّم فى علم الطب البيطري، كما وضع مختصرًا لكتابه الجامع للمفردات بعنوان "الدُّرة البهيَّة فى منافع الأبدان الإنسانيَّة".
 


اكتشافاته وإنجازاته
أَسهم ابن البيطار فى تقدُّم علم النبات بعد أن قضى حوالى أربعين عامًا من حياته، منح خلالها جلَّ وقته للنهوض بعلوم النبات فساهم فى ازدهارها حيث اكتشف مئات العقاقير التى لم تكن معروفة من قبل كما يُعد ابن البيطار رائدًا للعلاج الضوئى الكيماوي؛ فقد استخدم بذور نبات الخلة فى علاج البهاق vitiligo.
كما قدَّم ابن البيطار فى كتابه "الجامع لمفردات الأدوية والأغذية"؛ والذى يُعرف أيضًا بـ"مفردات ابن البيطار" العديد من شروح الأدوية والذى بلغ 1400 دواء بين نباتى وحيوانى ومعدني، ومنها 300 دواء جديد من ابتكاره الخاصِ، معتمدًا على مؤلَفات أكثر من مائة وخمسين كتابًا؛ بينها عشرون كتابًا يونانيًّا، وقد بيَّن الخواص والفوائد الطبية لجميع هذه العقاقير، وكيفية استعمالاتها كأدوية أو كأغذية.
 


وفاته
وبعد حياةٍ حافلةٍ بالإنجازات والتى كان لها الأثر البالغ فى الحضارة الإنسانية توفى ابن البيطار فى دمشق عام "1248م"، أثناء قيامه بأحد أبحاثه وتجاربه على النباتات بعد أن تسرَّب إليه السم أثناء اختباره لنبتةٍ حاول صنع دواءٍ منها، وتخليدًا لذكراه وُضِع له تمثال فى مدينة مالقة بأسبانيا مسقط رأسه شاهدًا على إسهاماته فى الحضارة الإنسانية.

مراجع
موسوعة العلماء والمخترعين، إبراهيم بدران، محمد أسعد فارس – بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر 1978م.
موسوعة علماء الكيمياء، محمد الخطيب - عمان، دار أسامة 2001م.
أثَر العرب والإسلام فى النهضة الأوروبية، عبد الحليم منتصر - بيروت، 1987م.
عباقرة علماء الحضارة العربية والإسلامية فى العلوم الطبيعية والطب، محمد غريب جودة – القاهرة، مكتبة القرآن 1989م.
علوم الأدوية والصيدلة عند علماء العرب والمسلمين، سمير عرابى - القاهرة، دار الكتاب الحديث 1999م.
  

اقرأ ايضاً

(66 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع