حياة

حكايتنا إحنا الاتنين..

1- الخاتم والرحيل

مقدمة لا بد منها..
حكايتنا إحنا الاتنين هى أول أغنية عاطفية لحنها أبويا وكانت للرقيقة ليلى مراد، وأول خطوة فى مشوار شهرته الحقيقة، وأعتقد أن حكاياتى التى تخص علاقتى بسيد مكاوى الأب والقدوة والفنان والفيلسوف، لن أجد لها عنوانا أفضل من حكايتنا إحنا الاتنين، "أنا أحبك و أفضل أحبك و إنت عذابى و دمع العين.. مش بس حكاية قلبك دى حكايتنا إحنا الاتنين".
.............................................................
 
"مش هتشوفى حاجة".. هكذا أجابنى أحدهم حين طلبت أن أدخل الغرفة. أجبته: "مش مشكلة"، فلم أكن أعرف وأنا التى قاربت ربع قرن ما يعنيه الرجل ولا معنًى لإجابتي. وجدته ملفوفًا فى قماشة بيضاء، نحيلًا من تحت عباءة الموت كان. أول مشهد للكفن تراه عيني، وأول ملمح لغيابه يصدمني. قبل دقائق كنت أجلس بجواره وهو "ميت" كما يزعمون، أحكى له وأطمْئِنُه أن لا يخاف، وتلك الابتسامة الهادئة على وجهه لا تذبل، فقط حرارة جسمه تتناقص ولا أراه يشعر ببرد، والابتسامة لا تفارقه. لماذا ألبسوك هذه العباءة البيضاء وأحكموا إغلاقها عليك وجعلوا رؤية وجهك مستحيلة؟ ما الذى جعلك تصلّين لى الركعتين بعد أن حدّثوكِ أن لا أمل وأننى لم أعُد حيًّا؟ تَلَفَّتُّ حولى فإذا أنا وحيدة على الأرض مع الجسد المسجَّى فى العباءة البيضاء!
 
لقد بدأ اضطراب غيابك يظهر على يا أبو السيد.. أتحدّثنى وأنت لست على قيد الحياة؟ أغمضت عينى وقرأت الفاتحة فإذا صوته يسكننى كأنه يتحدث من داخلي: إيه اللى جرَّاكى كده تصلّى ركعتين؟ "تصدّق مش عارفة"، هكذا أجبت. - قومى شوفى لنا الدنيا بره إيه حكايتها وتعالى قولى لى . خرجت من باب غرفتى حتى أنفّذ ما طلب منى كعادتى معه. نعم غرفتي. لا تعتقد عزيزى أننى أهلوس. أطفأ ملك الموت أجهزة أبى وقبض روحه فى غرفتى أنا، ربما اعتقد البعض أنها مصادفة، ولكننى الآن بعد ما يقارب عشرين عامًا على الرحيل لم أعُد أرى للصدفة محلًّا، فقد أصبحت على يقين من أن القدر هو الذى أراد لى أن أكون شاهدة على كل انتكاساته الصحية، وأن أكون أنا وحدى مَن يرى أوراقه تتساقط واحدة تِلْو أخرى على فترات زمنيه متباعدة، وأن أكون أنا الوحيدة التى بجانبه. 
 
كنت معه وحدى فى العاشرة من عمرى حين سقط أمامى على سُلّم مترو الأنفاق فى مدينة قساة القلوب لندن، ظللت أصرخ وأنادى "بابا" وأنا أراه يتكور على نفسه ويلتهمه السُّلَّم الطويل جدًّا حتى وصل إلى منتهاه. لم يُصَبْ بأى عَرَض جسديّ، ولكن الندبة النفسية التى تركتها فكرة السقوط أمامى ظلّت محفورة فى وجدانه.. إلى أن أطلق سراحها فى إحدى جلساتنا السرية التى لا يعلمها سوانا، كنت أنا الشاهدة على زيارات الطبيب فى المنزل لقياس تَدَهوُر سَمْعه نتيجةَ الجلوس فى الاستوديوهات حين كان صغيرًا، كنت مساعدةً للطبيب، وتلك المُلِحَّة بمئات الأسئلة للاطمئنان عليه، وحين داهمته الأزمة القلبية اللعينة كنت أنا أول من سمع آهات صرخات قلبه ليلًا، حينها كنت أنا ابنة السابعة عشرة أذاكر للثانوية العامة، وحين اعترضَت رئتُه على كمّ التلوُّث المحيط وسلّمَت رايتها بأنها لم تعُد كُفأَة للعمل.
 


 فى احتفالات العيد ببلد الحياة بيروت كنت أنا صاحبته وصحبته. ومعى أربعه وعشرون عاما أحملها على كتفي، وعاد من مستشفى الشرطة بالعجوزة لينام فى غرفتى لكى يرحل من مكانى لا من مكانه. خرجتُ من الغرفة فوجدتهم فى عالَم آخر، منهم من ينتحب ومنهم من يُجرِى مجموعة من الاتصالات. ناس رايحه بنوك وناس بتخلّص ورق. زيطة وزمبليطة فى الصالون، وأنا لا أبكي، وأطمْئِنُ الجميع أنه بخير، حاولت إقناعهم أنه تناول إفطاره وصلّى الفجر قبل أن تذهب روحه إلى بارئها، وأن هذه علامة طيبة، كما أنه عائد لتوّه من الحج الذى أدّاه نيابة عنه زوج شقيقتي، والجميع ينظر إلى تلك البلهاء الصغيرة فى الخبرة والسنّ ويتعجّب مما تقول، بل إن بعضهن بدأ فى إعطائى التعليمات الواجبة فى مثل هذه الظروف: يجب ألا أجيب على الهاتف (علشان الناس تعرف إننا متضايقين). لا تبتسمى فى وجه أحد. اجلسى فى مكان واحد. كفاية تطمّنى الناس، المفروض هما اللى ييجوا يطمّنوكي.
 
 ذهبت إليه وقلت له: "اطمّن"، وحكيت له بالتفصيل ما يحدث فى الخارج. "أميرة سيد مكاوي".. الآن أعرّف نفسى هكذا. قبل رحيله كنت أكتفى بـ"أميرة مكاوي". كانت تتملّكنى رعونة الشباب أننى أنا وحدى دونه أستطيع أن أكون... "كيف يا مخبولة وأنت قطعة منى خالصة، بك اكتملَت الحكاية بعد أن أتيتِ إلى الحياة؟"، داعبته وأنا ممسكة براحة يده التى طالما طابقتها على راحتى فى دهشة طفولية أن يدَى نسخة مكرَّرة من يديه. يبتسم ويلامس ذقنى ويقول: "دقنك حلوة، ينفع آخد دقنك وأديكى دقني؟"، حديث دار بيننا فى بيروت وأنا أساعده فى ارتداء ملابسه قبل أن يذهب للغناء فى إحدى الخيام التى أقيمت للاحتفال بالعيد المبارك. أبتسم الآن كثيرًا حين أستعيد حكايات كثيرين بعد رحيله عن جلساتهم الخاصة معه وماذا قال وبِمَ أسَرَّ وبِمَ أوصى... مسكين أبو السيد؛ لن يستطيع الآن أن يكذّب أو يصدّق أى شخص يتناول شيئًا يخصّه. 
 
عدت إلى غرفتى وهى خاوية من جسده إلا من أثره. داعبت خاتمه فى يدي. أخذت من يده الخاتم ووضعته فى إبهامى لاختلاف حجم أصابعنا وهو مريض (لم يفارق يدى من حينها إلى الآن). كان يحب هذا الخاتم، وآخَر كان يضعه فى خنصره اختفى فى ظروف غامضة ونحن فى بيروت، "عارفة يا ميللو (هكذا كان يناديني)؟ الخاتم ده معمول فى خان الخليلي. أنا كنت باروح هناك وأنا صغير واقعد مع أصحابى هناك واتفرج على شغل الدهب والصاغة. كان فيه ناس شغلتها تلمّ التراب بتاع الورش وتنخله علشان بيبقى فيه بواقى الصنايعية. تلاقى فيه حتت صغيرة تجمعها وتبيعها"، ويضحك... ماذا كان يدور فى ذهن هذا الرجل؟! ما الذى جعله يهتمّ بأن يعرف تلك المعلومات؟! ولماذا كان يذهب إلى الصاغة؟ لماذا يستخدم فعل الفُرْجة فى قاموسه (كنت باتفرج)؟! والغريب أن بعض المبصرين يستخدمون فعل السمع للتعبير عن المشاهدة (سمعت المسلسل إمبارح؟). أغمض عينَى على رائحته فى فراشي، وأشعر بيديه تحتضناننى كما كان يفعل دومًا، وأنام.
 

تعليقات القراء

2 تعليق
  • ابو السيد ابونا كلنا
    بواسطة : امل فكري | بتاريخ 01-03-2017
    الف رحمة ونور على روح كريمة راقية محبة حنونة ومبدعة. عبادة بر الوالد كانت تجري ورائك بالمشوار يا ميللو هنيئا لك ذكرياتك وهنيئا له دعواتك
  • بواسطة : راقية جلال الدويك | بتاريخ 01-03-2017
    مقال مفعم بالشعور الذي يبدو مازال على حاله رغم السنوات الكثيرة التي مرت على الاحداث أراك شخصيا كنز حقيقي لمحبي هذا الرجل البديع الطيب.. لانك تحملين أهم صفتين .. الصدق والحب