حياة

ولد ومات فى 9 مايو..

الشيخ محمد رفعت "سيد قراء هذا الزمن"

• وصفه السعدنى بأنه مثل أبى ذر الغفارى يمشى وحده ويموت وحده 
• درس المقامات الموسيقية.. وموسيقى "بتهوفن"، و"موزارت"، و"فاجنر"، وكان يحتفظ بالعديد من السيمفونيات العالمية فى مكتبته 
• فيه ولد ومات وأول صوت يفتتح إذاعة القرآن.. مايو شهر يلخص كل حياته 
• عندما اشتد به المرض حاول بعض أصدقائه والقادرين أن يجمعوا له بعض الأموال لتكاليف العلاج، لكنه رفض وفضَّل بيع بيته فى حى "البغالة" بالسيدة زينب. 
 
وكأنه يروى آذاناً وقلوباً عطشى إلى سماع آيات القرآن، وكأنها تُقْرأ للمرة الأولى، جاء صوت الشيخ محمد رفعت، يُطاول السماء، بعذوبة وخشوع، شارحا بصوته آيات الذكر الحكيم، متفردا فى تلاوته، مقتحماً الأفئدة والوجدان.. هو "صوت الشعب" كما وصفه الكاتب الراحل محمود السعدني، ذلك الصوت الذى استمد جماله من أصوات "الشحاذين والمدَّاحين والندَّابين والباعة الجائلين" لذلك خرج مشحونا بالألم والأمل. 
عبر الراحل محمود السعدنى عن إعجابه بـ "محمد رفعت"، فى كتابه "ألحان السماء"، فقال عنه إنه سيد قراء هذا الزمن، موسيقى بفطرته، يُزجى إلى النفوس أرفع أنواعها، وأقدس وأزهى ألوانها، ليأسرنا ويسحرنا من دون أن يحتاج إلى أوركسترا. 
وصدق السعدني، عندما وصف الشيخ محمد رفعت بأنه مثل أبى ذر الغفاري، يمشى وحده ويموت وحده..، هو صوت السماء الذى ثار من أجله جمهوره ضد محطة الإذاعة التى توقفت عن إذاعة تسجيلات الشيخ، فهددوا بعدم دفع الضريبة وعدم الاستماع إلى الراديو إن لم تخضع الإذاعة لرغباتهم بإعادة تسجيلات الشيخ رفعت. 
وكما ذكرت الكاتبة رحاب الدين الهوارى بموقع "الشارقة 24" فلم يكتفِ الشيخ محمد رفعت، بموهبته الصوتية الفذَّة، ومشاعره المرهفة فى قراءة القرآن، بل عمق هذا بدراسة علم القراءات وبعض التفاسير، واهتم بشراء الكتب، ودراسة الموسيقى الرقيقة والمقامات الموسيقية، فدرس موسيقى "بتهوفن"، و"موزارت"، و"فاجنر"، وكان يحتفظ بالعديد من "الأوبريتات" والسيمفونيات العالمية فى مكتبته. 
 
جاء من رحم الغيب خادما للقرآن..
امتاز محمد رفعت، المولود بحى "المغربلين" بالدرب الأحمر بالقاهرة يوم الاثنين 9 مايو 1882، بأنه كان عفيف النفس زاهدا فى الحياة، وكأنه جاء من رحم الغيب لخدمة القرآن، فلم يكن طامعا فى المال لاهثا خلفه، وإنما كان ذا مبدأ ونفس كريمة، فكانت مقولته: "إن سادن القرآن لا يمكن أبدا أن يُهان أو يُدان"، ضابطة لمسار حياته، فقد عرضت عليه محطات الإذاعة الأهلية أن تذيع له بعض آيات الذكر الحكيم، فرفض وقال: "إن وقار القرآن لا يتماشى مع الأغانى الخليعة التى تذيعها إذاعتكم". 
وعندما افتُتحت الإذاعة المصرية الخميس 31كان الشيخ أول من افتتحها بصوته العذب، وقرأ: "إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحا مُبِينا"، وقد استفتى قبلها الأزهر وهيئة كبار العلماء عما إذا كانت إذاعة القرآن حلالاً أم حراماً؟ فجاءت فتواهم بأنها "حلال حلال"، وكان يخشى أن يستمع الناس إلى القرآن وهم فى الحانات والملاهي. 
 
شهرة تليق بصوت ملائكى..
لمَع اسم الشيخ، وعشقت الملايين صوته، بل أسلم البعض عندما سمع هذا الصوت الجميل، ففى ذات يوم التقى "على خليل" شيخ الإذاعيين، وكان بصحبته ضابط طيَّار إنجليزي، بالشيخ رفعت، فأخبره "على خليل" أن هذا الضابط سمع صوته فى "كندا"، فجاء إلى القاهرة ليرى الشيخ رفعت، ثم أسلم هذا الضابط بعد ذلك. 
وقد تنافست إذاعات العالم الكبرى، مثل: إذاعة برلين، ولندن، وباريس، أثناء الحرب العالمية الثانية؛ لتستهل افتتاحها وبرامجها العربية بصوت الشيخ محمد رفعت؛ لتكسب الكثير من المستمعين، إلا أنه لم يكن يعبأ بالمال والثراء، وأبى أن يتكسَّب بالقرآن، فقد عُرض عليه العام 1935 أن يذهب للهند مقابل "15" ألف جنيه مصري، فاعتذر، فوسّط نظام حيدر آباد الخارجية المصرية، وضاعفوا المبلغ إلى "45" ألف جنيه، فأصرَّ الشيخ على اعتذاره، وصاح فيهم غاضبًا: "أنا لا أبحث عن المال أبدا، فإن الدنيا كلها عَرَضٌ زائل". 
وقد عرض عليه المطرب "محمد عبد الوهاب" أن يسجِّل له القرآن الكريم كاملاً مقابل أى أجر يطلبه، فاعتذر الشيخ خوفًا من أن يمسَّ أسطوانة القرآن سكران أو جُنُب. 
وعُرف عنه العطف والرحمة، فكان يجالس الفقراء والبسطاء، وبلغت رحمته أنه كان لا ينام حتى يطمئن على فرسه، ويطعمه ويسقيه، ويوصى أولاده برعايته، وهو إحساس خرج من قلب مليء بالشفقة والشفافية والصفاء، فجاءت نغماته منسجمة مع نغمات الكون من حوله. 
كان منزله منتدى ثقافيًّا وأدبيًّا وفنًّيا، حيث ربطته صداقة قوية بمحمد عبد الوهاب، الذى كان يحرص على قضاء أغلب سهراته فى منزل الشيخ بالسيدة زينب، وكثيرا ما كانت تضم هذه الجلسات أعلام الموسيقى والفن، وكان الشيخ يُغنى لهم بصوته الرخيم الجميل قصائد كثيرة، منها: "أراك عصى الدمع"، أما عبد الوهاب فكان يجلس بالقرب منه فى خشوع وتبتل، وتدور بينهما حوارات ومناقشات حول أعلام الموسيقى العالمية. 
كان بكَّاءً بطبعه، يقرأ على الهواء مرتين أسبوعيًّا من خلال الإذاعة فى "يومى الثلاثاء والجمعة" مدة "45" دقيقة فى كل مرة، والدموع تنهمر من عينيه. 
كان جكل اهتمامه بمخارج الحروف، وكان يعطى كل حرف حقه، ليس كى لا يختلف المعنى بل لكى يصل المعنى الحقيقى إلى صدور الناس، وكان صوته حقاً جميلاً رخيماً رناناً، وكان ينتقل من قراءة إلى قراءة ببراعة وإتقان ومن دون تكلف، وكان صوته يحوى مقامات موسيقية مختلفة، وكان يستطيع أن ينتقل من مقام إلى مقام من دون أن يشعرك بالاختلاف. 
 
مرض الموت..
أصيب الشيخ محمد رفعت بعدة أمراض لاحقته وجعلته يلزم الفراش، وعندما يُشفى يُعاود القراءة، حتى أصيب بمرض الفُواق "الزغطة" الذى منعه من تلاوة القرآن، بل ومن الكلام أيضًا؛ حيث تعرَّض فى السنوات الثمانية الأخيرة من عمره للإصابة بورم فى الحبال الصوتية منع الصوت الملائكى النقى من الخروج، ومنذ ذلك الوقت حُرم الناس من صوته، فيما عدا ثلاثة أشرطة، كانت الإذاعة المصرية سجلتها قبل اشتداد المرض عليه، ثم توالت الأمراض عليه، فأصيب بضغط الدم، والتهاب رئوى حاد، وكانت أزمة الفُواق "الزغطة" تستمر معه ساعات. 
وقد حاول بعض أصدقائه والقادرين أن يجمعوا له بعض الأموال لتكاليف العلاج، فلم يقبل التبرعات التى جُمعت له، والتى بلغت نحو "20" ألف جنيه، وفضَّل بيع بيته الذى كان يسكن فيه فى حى "البغالة" بالسيدة زينب، وقطعة أرض أخرى؛ لينفق على مرضه. عندئذ توسط الشيخ "أبو العينين شعيشع" لدى "الدسوقى أباظة" وزير الأوقاف آنذاك، فقرَّر له معاشا شهريّا. 
وشاء الله أن تكون وفاة الشيخ محمد رفعت فى يوم الإثنين 9 مايو/ أيار 1950، التاريخ نفسه الذى وُلد فيه، عن ثمانية وستين عاما قضاها فى رحاب القرآن الكريم. 
 
ماذا قالوا عن الشيخ محمد رفعت..
• قال عنه الأديب "محمد السيد المويلحي" فى مجلة الرسالة: "سيد قراء هذا الزمن، موسيقى بفطرته وطبيعته، إنه يزجى إلى نفوسنا أرفع أنواعها وأقدس وأزهى ألوانها، وإنه بصوته فقط يأسرنا ويسحرنا دون أن يحتاج إلى أوركسترا". 
• وقال عند الأستاذ "أنيس منصور": "ولا يزال المرحوم الشيخ رفعت أجمل الأصوات وأروعها، وسر جمال وجلال صوت الشيخ رفعت أنه فريد فى معدنه، وأن هذا الصوت قادر على أن يرفعك إلى مستوى الآيات ومعانيها، ثم إنه ليس كمثل أى صوت آخر". 
• ويصف الموسيقار "محمد عبد الوهاب" صوت الشيخ بأنه ملائكى يأتى من السماء لأول مرة. 
• أما الأستاذ "على خليل" شيخ الإذاعيين فيقول عنه: "إنه كان هادئ النفس، تحس وأنت جالس معه أن الرجل مستمتع بحياته وكأنه فى جنة الخلد، كان كيانا ملائكيّا، ترى فى وجهه الصفاء والنقاء والطمأنينة والإيمان الخالص للخالق، وكأنه ليس من أهل الأرض". 
• نعته الإذاعة المصرية عند وفاته إلى المستمعين بقولها: "أيها المسلمون، فقدنا اليوم عَلَما من أعلام الإسلام". 
• وفى الإذاعة السورية، جاء النعى على لسان المفتى حيث قال: "لقد مات المقرئ الذى وهب صوته للإسلام"! 
• شبكة الانترنت تحتوى عدداً من التسجيلات الصوتية النادرة التى احتفظ بها التاريخ للناس على الرغم من قلة عدده.
 
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع