حياة

من صحافة العرب والعالم..

من السينما إلى المعركة

فى محطة القاهرة وكانت الساعة الرابعة والنصف بعد الظهر رأيت أن أقضى السهرة مع أولادى فى إحدى دور السينما الصيفية القريبة من منزلنا .. اعتزمت هذا على أساس أننى سأتوجه فى الصباح التالى لأقابل جمال عبدالناصر وأتلقى منه ما يخصنى من أوامر لتنفيذ الخطة.
وكانت دار السينما تعرض كالعادة ثلاثة أفلام مرة وحدة.. وجلست مع الأولاد فى السينما نتابع الروايات الثلاث.

وخلال تلك المدة كان جمال قد ذهب الى منزلى بسيارته الأوستن المشهورة ولم يجدنى، ولم يعرف البواب دار السينما التى ذهبنا اليها وعاد جمال يسأل مرة أخرى بعد ساعة فلم يجدنى، ترك لى بطاقة مع البواب مكتوب عليها: 
"مشروع ينفذ الليلة، المقابلة فى بيت عبدالحكيم الساعة 11"
وجمال فى تلك الليلة كان يلف بسيارته فى جميع أنحاء القاهرة كالنحلة تماما.. ليوزع الأوامر على الزملاء.
وما كاد البواب يناولنى البطاقة بعد عودتنا من السينما حتى وجدت نفسى اقفز فوق درجات السلم الى شقتى، تاركا أولادى مذهولين مع البواب.
وخلعت القميص والبنطلون، وارتديت ثيابى العسكرية، ثم ركبت سيارتى الخاصة الصغيرة وانطلقت بها ..
أننى لم أجد أحدا فى بيت عبدالحكيم عامر .. فأين ذهب .. كنت حائراً .

الملازم الذى قبض علىّ.
لم أر بداً من التوجه الى مبنى رئاسة الجيش، لابد أن قواتنا قد اتجهت اليها ما دامت العملية قد بدأت، وكنت منطلقاً فى شوارع القاهرة بأقصى سرعة تحتملها السيارة الصغيرة، وعند قشلاق العباسية أوقف أحد الضباط سياراتى .. ولما رأى رتبتى خاطبنى بلهجة حاسمة مليئة بالحزم، بالرغم من أنه كان يوزباشى لكنه كان من الضباط الأحرار..
قال لى أن لا أذهب الى وحدتى فى الصباح وأن أكون فى انتظار أوامر جديدة.
وعلمت أن تلك كانت صيغة الأمر الذى يبلغه الضباط الأحرار الى جميع الضباط من رتبة بكباشى فما فوق..
وتابعت مسيرى فوصلت الى قشلاق السوارى، وكان الطريق هناك مقفلاً وتأكدن أن العملية بدأت فعلا، وخاصة بعد أن سمعت أصوات مئات الطلقات وهى صادرة من ناحية مبنى القيادة وأردت أن أمر من الكردون الذى صنعته قواتنا .. ولكن الضابط منعنى وكان صارماً جداً معى .. لأنى لا أعرف كلمة السر.
كان موقفى رهيبا فبلا كلمة السر لن يسمح لى الضابط الصغير أن أمر من الكردون إلا على جثته! فكيف أتصرف إذن؟!
كيف أنعه أنى من الأحرار كيف أدعه يتركنى أخوض المعركة مع قواتنا، لقد كنت أرى أشباحاً عديدة من بعيد إنها قواتنا تقلب نظام الحكم وأنا واقف خلف الكردون والضابط الصغير يمنعنى بل وبدأ يتحرش بى.
وامتلأ رأسى بمئات الخواطر ترى هل أصيب أحد من الزملاء ترى ماذا يصنع جمال الآن .. وأين عبدالحكيم أين الجميع وماذا صنعوا ..؟!
وعدت بسيارتى ثم أضررت الى اللف من فوق كوبرى القبة لأمر من المدخل الثانى للكوبرى الذى يواجه مستشفى الجيش.
وهناك وجدت الطريق مغلقاً أيضاً، ولكن ضابط الكردون كان يعرفنى لمحت وجهه من بعيد فعرفته، انه ملازم أول كان يعمل معى فى رفح، وهو يعرفنى شخصيا قضينا معاً وقتاً طويلاً فى مكان واحد.
واقتربت من الكردون، وقد استراحت أعصابى قليلاً .. أضيئ الأمل فى صدرى .. سوف أمر إذن وأشترك فى العملية.
وما كدت أقترب حتى سمعت صوت الملازم صديقى وهو يمنعنى من الاقتراب.. ثم وهو يقترب منى ويرى وجهى .. لكن لا تظهر على وجهه علامات تبشر بالخير، فبالرغم من أنه عرفنى إلا أنه كان لا يعلم أنى من الضباط الأحرار فألقى القبض على فى الحال.
 
وهنا شعرت بصدرى يمتلئ بالضيق وبرأسى يكاد ينفجر، حاولت إفهامه دون جدوى، إن الصداقة التى تربط بيننا لم تشفع لى عنده فى معركة الحياة أو الموت .. فلم يصدقنى لأنى لا أعرف كلمة السر ..!
ولم أعرف ماذا يمكننى أن أفعل، وزاد هلعى من أن أصوات الطلقات النارية من قريب ازدادت حدتها.

يا عبدالحكيم .. أنا أنور 
وفجأة أضاء الأمل مرة ثانية صدرى وكنت مع الملازم صديقى الذى قبض علىّ فوق الكوبرى، فسمعت صوتاً من بعيد يشبه صوت عبدالحكيم عامر .. واجتاحنى شعور بالخلاص، كان الصوت القريب الى نفسى يصدر تعليمات الى قوات كثيرة، ويحدد لها أماكنها .. وفى هذه اللحظة كانت العربات المحملة بالجنود والضباط تمر من أمامى، إنها قواتنا بدأت تقلب نظام الحكم.
ووجدت نفسى أنادى بملء صوتى:
يا عبدالحكيم .. يا عبدالحكيم .. أنا أنور.
ورأيت شبح عبدالحكيم يقترب منا وهنا فقط أفرج عنى صديقى الضابط.

البطل الصامت
ومضيت مع الحكيم لم يكن معى سلاح وناولنى عبدالحكيم طبنجة وهو فى تلك الليلة كان يحمل كل أنواع الأسلحة الصغيرة.
وبدأت أسأل عبدالحكيم فى لهفة عن الموقف وكان صوت الطلقات لا يزال يدوى كالرعد من حولنا، وقال عبدالحكيم:
رئاسة الجيش سقطت، وصمت ثم عاد يدر على أسئلتى فى هدوء عجيب ..
قالى لى:
الطلقات اللى أنت سامعها دى عملية تطهير لمبنى الرئاسة.
ولم يقل لى عبدالحكيم فى تلك اللحظة أنه هو الذى قاد معركة رئاسة الجيش، وإنه هو الذى احتلها بجنوده.
هو الذى قاد الجنود ثم تقدمهم واقتحم بهم المبنى وهو يحمل طبنجته تماما مثلما فعل ذات يوم فى فلسطين عندما تقدم وفى يده مسدس ومن خلفه عساكره واقتحم مستعمر نيتساليم .. وكان تصرفه ذاك أشبه بالأساطير التى ترويها لنا جدتنا..
ولو لا أنه رقى الى رتبة صاغ استثنائيا لما عرف أحد ماذا صنعه يوم نيتساليم إنه صامت على الدوام، لا يتكلم أبدا عن نفسه، وأعصابه تبدو كأنها فى أعماق الجليد.
لقد كان عبدالحكيم عامر دائما باسلا حاسما يخوض معاركه بإيمان راسخ متين وأعصاب تبدو ساعة المعارك كأنها الفولاذ.
إنه فى يوم نيتساليم بمسدسه وعساكره من خلفه وفى يوم رئاسة الجيش بمسدسه وعساكره من خلفه..
وفى يوم 27 فبراير فيما بعد.. فى عام 1954 حين تدخل ببسالته وحسم الموقف فمنع بجرأته قيام حرب أهلية كانت على وشك أن تقع بعد دقائق.
أقول فى كل هذه المواقف كان عبدالحكيم بطلا أسطوريا يحمل رأسه على كفيه وبإيمان لا يزعزعه الرصاص أو ديناميت.

المخابرات تعرف الخطة
وأعود الى قصتنا.. الى قصة سقوط رئاسة الجيش .. بمن فيها من قادة.
فى الساعة الحادية عشرة مساء يوم 22 يوليو توجه أحد ضباط المخابرات، اليوزباشى سعد توفيق وهو كان من الضباط الأحرار وأبلغ جمال عبدالناصر أن الخطة اكتشفتها رئاسة الجيش، وأن حسين فريد رئيس هيئة أركان حرب الجيش، قد دعا قادة الوحدات الى مؤتمر عاجل فى مبنى الرئاسة.

جمال كقائد
وكان معنى ذلك أن الثورة لن تقوم.. بعد أن عرفت قيادة الجيش خطة الضباط الأحرار ..
لكن جمال عبدالناصر لم يتراجع .. إن العملية قد بدأت ولا سبيل الى التقهقر، فلم يبق غير ساعة واحدة وتصل جميع قواتنا الى مراكز تجمعها .. وتبدأ المعركة.
أقول لم يتراجع جمال، بل قرر القبض على هؤلاء القادة الذين دعاهم حسين فريد للاجتماع فى مبنى الرئاسة.

عن مجلة الهلال العدد 1510

(873 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع