حياة

يافا الجميلة..

3- من الحداثة إلي النكبة

شهرة برتقال يافا كانت عالمية في ذلك الوقت و كان يصدر الى أوروبا

لم تستطع الثقافتان، الأوروبيّة والأمريكيّة، حين استقرّت بقنصلياتهما لأوّل مرّة فى مدن فلسطين والمشرق العربيّ، فى النصف الأوّل من القرن التاسع عشر (بدءاً من العام 1838)، وَصْفَ ما رأته من تنظيم لصناعة وتجارة البرتقال فى يافا وجوارها، سوى بتسميته (ثقافة البرتقال)، لأنّه كان يفوق مدن الجنوب الأوروبى برمّتها، تعليباً وتعبئةً وتحميلاً، وثقافة محليّة.
 
جاء ذكر البرتقال فى يافا فى كتابات الرحالة فريدريك هاسل كويست Fredrick Hassel guist العالم السويدى خلال رحلته إلى البلاد المقدسة مدوناَ "إنه رأى أشجار البرتقال مغروسة فى بساتين يافا حين زيارته لها فى عام 1751م". وهذا هو أقدم ذكر عثرنا عليه حول زراعة البرتقال فى يافا والبرتقال نسبة إلى «البرتغاليين» أول من نقلوه من الصين وشمالى الهند فنسب إليهم. ولم يعرفه العرب القدماء. وأما اليوسفى فنسبة إلى يوسف أفندي. وهو أرمنى أرسله محمد على الكبير والى مصر يتعلم الزراعة فى فرنسا ولما عاد جلب معه من إيطاليا مقداراً من غرس هذا الشجر فنسب إليه. ومن مصر عرفته فلسطين. وكان «الأترج» ويقال له «ألترنج» و«الكبّاد» وما يعرف اليوم باسم اللارنج يغرس فى فلسطين فى القرون الأولى من العصور المسيحية.



يافا ميناء البرتقال والحداثة
منذ مطلع القرن التاسع عشر تبلورت معالم يافا الاقتصادية فى فرعين رئيسيين: الميناء بصفته معبراً للداخل الفلسطيني، وزراعة البيارات وتجارة الحمضيات والبرتقال بصورة خاصة. وأظهر أبو نبّوت اهتماماً خاصاً بكلا الفرعين، وامتلك أسطولاً كبيراً من"الفلوكات" ) القوارب ( التى نقلت البضائع والمسافرين من وإلى رصيف الميناء، إلى السفن الكبيرة الراسية فى عرض البحر فى المياه العميقة. كما شجّع الاستثمار فى زراعة البيارات التى أخذت تمتد من خارج أسوار المدينة لتغطى مساحات كبيرة فى السهول الممتدة فى اتجاه مدينتَى الرملة وغزة. وكلما ازدادت أهمية برتقال يافا فى تشكيل اقتصاد المدينة، تركزت الاستثمارات بيد أغنياء التجار المقتدرين على إدارة شبكات تجارية معقدة. وقد امتدت فروع هذه الشبكات التجارية ما بين موانئ دمياط ويافا وإستانبول.

وامتلك تجار برتقال يافا فى موانئ البحر الأبيض المتوسط مخازن كبيرة، واستخدموا عدداً من الوكلاء لرعاية مصالحهم التجارية فى تلك الموانئ شكلت بيّارات البرتقال أهم استثمارات تجّار يافا، وكان هذا عادة، استثماراً مربحاً جداً، لكنه استنزف أموالاً طائلة قبل إعطاء المردود الأول. وكى تبدأ البيّارة بإعطاء مردود مادى اضطر المستثمر إلى امتلاك قطعة أرض كبيرة وإنشاء نظام رى مكلف جداً، شمل حفر بئر وإنشاء بركة كبيرة لجمع الماء وحفر قنوات لنقل المياه إلى الأشجار. واستخدم صاحب البيارة ما بين ثلاثة إلى خمسة بيّارين طوال أيام السنة. وخلال فترة قطف الثمار تمّ استخدام عدد كبير من العمال. وكى يجنى المستثمر الربح كان لا بدّ له من إنشاء شبكة تسويق متطورة. 

ووجدت حمضيات يافا طريقها إلى الأسواق المصرية، ويعود نجاح هذا التسويق إلى خبرة وكفاءة الشبكات التجارية والوكلاء فى مصر.
واعتمد تجّار البرتقال وأصحاب البيارات على علاقاتهم المحلية لحماية استثماراتهم الكبيرة فى فرع زراعة البرتقال وتجارته. وفى بدايات القرن التاسع عشر تركزت أغلبية بيّارات تجّار يافا على مقربة من نهر العوجا، بعيداً عن المدينة، وبجوار المناطق الواقعة تحت سيطرة قبيلة أبو كشك، أقوى قبائل منطقة يافا، والتى شغلّت طواحين الماء الواقعة بمحاذاة مجرى النهر.

وفى سبيل تسيير أعمالهم، طوّر تجّار يافا مصالح اقتصادية مع زعماء القبيلة، واستخدموا قوافل من جمالهم لنقل البرتقال من البيّارات إلى الميناء، كما استخدموا عدداً من أفراد القبيلة لحراسة تلك البيّارات. ومع بدء سيطرة إبراهيم باشا على فلسطين فى سنة 1830 وصل حكم الأسر المملوكية فى فلسطين، والتى تتابعت بعد الجزار وضمنها أبو نبّوت فى يافا، إلى نهايته. وبعكس الغزو النابليونى الذى جلب الدمار والمذابح ليافا، فإن قوات إبراهيم باشا لم تؤذ لا البنية التحتية ولا سكان المدينة. 

وخلال فترة الحكم المصرى 1840-183، ازدادت أعداد المهاجرين إلى يافا، وانضم عدد كبير من الفلاحين المصريين إلى مَن سبقوهم من فلاحين مهاجرين إلى المنطقة. وكلما ازداد عدد البيّارات واتسعت مساحاتها، ازداد الطلب على العمّال الزراعيين، الأمر الذى جذب المهاجرين المصريين، وظهرت قرى جديدة خارج أسوار البلدة القديمة، سكنها بداية هؤلاء المهاجرون، ثم انضم إليهم آخرون فيما بعد من جميع الأرجاء، وأُطلق عليها اسم السكنات. وأشهر هذه السكنات كان: سكنة العبيد، وسكانها، فى معظمهم، قدموا من السودان؛ سكنة إرشيد شمالى البلدة القديمة، وبعد هدم أسوار المدينة عُرفت بحارة إرشيد؛ سكنة العجمي؛ سكنة المسلخ؛ سكنة الجبلية؛ سكنة أبو كبير؛ سكنة درويش )أبو طه(؛ سكنة الحلوى؛ سكنة العراينة؛ سكنة الدنايطة؛ سكنة تركي؛ سكنة السبيل؛ سكنة الهريش؛ سكنة المطرية؛ سكنة أبو رفاعي؛ سكنة المنشية؛ سكنة العزم؛ سكنة حمّاد؛ سكنة صميل؛ سكنة تل الريش؛ سكنة كرم التوت؛ سكنة الغزازوة. وأقام فى معظم هذه السكنات عمال اعتاشوا من العمل فى البيارات والأعمال المتعلقة بتجارة البرتقال، ومع مرور الزمن أصبح بعضها من أحياء يافا.



بعد رحيل الحكم المصرى عن فلسطين فى سنة 1840 أصبح برتقال يافا منتوجاً تسويقياً أساسياً جرى تصديره غالباً إلى السوق المصرية وأسواق الأناضول، وخصوصاً إستانبول. إن التوسع السريع لهذه الزراعة نتيجة الطلب المتزايد على برتقال يافا قاد إلى تدفق كبار المستثمرين وكبار الأغنياء من الداخل الفلسطينى وأنحاء بلاد الشام كى يستثمروا أموالاً طائلة فى هذا القطاع.
 
ومنذ ثلاثينيات القرن التاسع عشر برز فى هذا المجال مستثمرون انتموا إلى عائلات كبار التجار فى نابلس والقدس، وأسسوا فروعاً لهم فى يافا. وانضم إلى هذا الفرع أيضاً العديد من المهاجرين المسيحيين، وخصوصاً من لبنان، وأصبحوا من أهم المستثمرين فى إنشاء البيّارات وتجارة الحمضيّات. وامتدت بيّارات برتقال يافا فوق مساحات شاسعة من أراضى اللواء شرقاً، حتى ما بعد مدينة الرملة.
وحتى سبعينيات القرن التاسع عشر استمر المستثمرون فى السكنى داخل أسوار مدينة يافا، وأداروا استثمارات فى فروع تجارية أُخرى. وعادة ما كان المستثمر فى قطاع البرتقال ينتظر ما بين 7 و 8 أعوام قبل أن تؤدى البيارة أرباحاً دائمة.
 
استهلكت زراعة البرتقال مبالغ طائلة لتجهيز نظام الريّ، لأن شجر البرتقال بحاجة دائمة إلى الرى خلال أشهر الصيف. وقد توفرت المياه فى منطقة يافا طوال أيام السنة من مصدرين: من نهر العوجا، ومن المياه الجوفية.
وحين ننظر إلى المادة الإحصائية المتوفرة بشأن تصدير البرتقال منذ أواسط القرن التاسع عشر، نرى أنه فى سنة 1856 جرى تصدير نحو 20 مليون حبة برتقال. وفى سنة 1873 بلغ عدد بيارات البرتقال التابعة ليافا 420 بيّارة أنتجت نحو 33,3 مليون حبة برتقال، وقد استهلكت السوق المحلية سدس هذه الكمية، بينما تم تصدير الباقى إلى مصر وآسيا الصغرى.
ومنذ سنة 1875 صدّرت يافا كميات كبيرة من البرتقال إلى أوروبا فرنسا؛ ألمانيا؛ النمسا؛ روسيا، وهذا التصدير إلى أوروبا، أى إلى المسافات البعيدة، ازداد بشكل ملحوظ حين بُدئ بتغليف البرتقال وتعبئته فى صناديق خشبية للحفاظ عليه خلال عملية النقل المعقدة.

وفى سنة 1880 قُدّر إنتاج يافا ب 36 مليون حبّة برتقال. وفى تقرير للقنصل البريطانى من يافا فى سنة 1881 ، نجد أنه لاحظ أن الاستثمارات فى بيّارات البرتقال تُعتبر أكثر الاستثمارات ربحاً ودخلاً. وفى بداية ثمانينيات القرن التاسع عشر، قدّر موظفو القنصلية الأميركية فى يافا عدد البيّارات حول يافا ب 500 بيّارة، وعدد أشجارها بما لا يقل عن 800.000 شجرة. وخلال ثلاثة عقود 1850 – 1880 تضاعفت أرض البيارات حول يافا أربع مرّات. وبما أن ميناء يافا كان ميناء التصدير الوحيد لوسط فلسطين وجنوبها، فقد تأثرت مدينة يافا بازدياد حجم التجارة الخارجية، وبموجات الحجاج القادمين إلى القدس، وأصبح مطلب تطوير الميناء، وتطوير وسائل الاتصال مع القدس، على رأس أجندة التجّار فى يافا، وحكومتها المحلية والقناصل الأجانب. ومع النمو السريع لدورة رأس المال وعبور البضائع ونمو حركة المسافرين فى سبعينيات القرن التاسع عشر وثمانينياته، فإنه لم يعد فى الإمكان التغاضى عن إنشاء أنظمة تشغيل جديدة لخدمة الميناء.



وفى سنة 1864 أنشأت شركة فرنسية فى الميناء فناراً عصرياً، وبادرت الحكومة العثمانية إلى إجراء بعض التحسينات فى مرسى السفن، لكن هذه الخطوات لم تعد كافية. وإزاء عجز الحكومة، تداعى عدد من رجال الأعمال اليافيين وأقاموا جمعية محلية، وابتاعوا فى سنة 1875 فى مرسيليا قاطرة بخارية صغيرة أطلقوها فى ميناء يافا لتسهيل الحركة والاتصال ما بين اليابسة والسفن الراسية فى عرض البحر.
 
ومنذ خمسينيات القرن التاسع عشر، توالت طلبات تجّار يافا والقدس من الحكومة المحلية لحثّها على إنشاء طريق عام بين المدينتين. وفى سنة 1867 ، وبعد اقتناع الحكومة المركزية بأهمية ذلك، بدأت بمشروع إنشاء الطريق الذى افتُتح رسمياً فى سنة 1868 . ومنذ تلك السنة بدأت العربات تسير يومياً على هذا الطريق، وفى ثمانينيات القرن التاسع عشر سارت على هذا الطريق ما بين 30 و 40 عربة لنقل المسافرين. وفى الوقت نفسه ازدادت طلبات المستثمرين لإنشاء خط سكة حديد بين يافا والقدس، وبُدئ العمل به فى سنة 1890 .
 
اعتمد اقتصاد مدينة يافا فى معظمه على الاستيراد والتصدير، وعلى الأشغال المتعلقة بحجاج بيت المقدس، ومنذ أواسط القرن التاسع عشر ازدادت أهمية هذه الفروع، وشارك أوروبيون أيضاً فى تشغيل هذه الأعمال وإدارتها. أمّا الإنتاج الزراعى لريف يافا، وخصوصاً بيارات البرتقال وإدارة هذا المنتوج وتحضيره للتصدير، فكان من أهم مصادر اقتصاد مدينة يافا. ومنذ أواخر تسعينيات القرن التاسع عشر أولت الاستثمارات الصهيونية اهتمامها أيضاً لفرع بيّارات البرتقال. وتشير تقديرات من سبعينيات القرن التاسع عشر إلى أن نحو5000 شخص من سكان يافا عملوا فى فرع البيّارات خلال موسم قطف البرتقال وتغليفه وتعبئته. وإلى جانب هؤلاء كان هنالك نحو 3000 من العمال الدائمين الذين عملوا فى البيّارات على مدار العام، وقد اكتسب المتمرسون من هؤلاء صفة البيّاريّ.
إن النمو المستمر للتجارة عامة، ولفرع البرتقال خاصة، أنعش يافا وزاد فى تطورها. 
 
وبينما كانت المدينة محاطة بأسوار وخندق وذات بوابة واحدة، بادر كبار التجار، ومنذ أواسط القرن التاسع عشر، إلى إنشاء بيوتهم الفاخرة داخل بياراتهم التى أحاطت بأسوار المدينة، والتى امتدت على الطرق الرئيسية الواصلة بالقدس وغزة ونابلس والرملة. وبضغط من التجار بصورة خاصة، وافقت الحكومة المحلية على فتح بوابة أُخرى فى أسوار المدينة. وبعد خمسة أعوام هدمت الحكومة جزءاً من السور، وفى سنة 1874 أزالت جميع الأسوار والدفاعات التى أحاطت بالمدينة وباعت حجارتها لإنشاء الأبنية التى أقيمت على امتداد شارع الحلوة الذى أُنشئ فى سنة 1875 ، والذى شكّل موقع السور والخندق حتى ذلك الحين، وقد أصبح هذا الشارع المركز التجارى الجديد لمدينة يافا. وحتى ذلك الحين وُصفت مدينة يافا بمسرح يونانى كونها مبنية على تله تنحدر بشدة نحو البحر. ولم تمر إلاّ أعوام قليلة منذ إزالة الأسوار حتى تغيّر شكل المدينة، فقد أخذت تمتد نحو الشرق على الأرض المنبسطة تجاه البّيارات. وكلما اتسعت المدينة شرقاً، ازداد امتداد بيّاراتها نحو مدينة الرملة شرقاً.



وكان يملك معظم بيّارات البرتقال مستثمرون من سكان المدن، وهذه البيارات شكلت مصدراً مربحاً. والفارق الأساسى بين أصحاب البيارات ما قبل وما بعد أواسط القرن التاسع عشر، أن أصحاب البيارات القديمة لم يمارسوا تجارة البرتقال بأنفسهم، وإنما كانوا يبيعون منتوجهم للتجار. أمّا أصحاب البيارات الجديدة فكانوا فى الأغلب تجاراً، واعتبروا البيّارة واحدة من مجمل استثماراتهم، وفرعاً آخر من فروع تجارتهم. ولزيادة أرباحهم وتسريع تسويق منتوجهم، طوّر المالكون الجدد شبكات تجارية معقدة.
 
كان تجار البرتقال والمستثمرون فى بيّارات يافا من أكبر أصحاب رؤوس المال فى المدينة، وكانوا من أوائل المبادرين إلى استيعاب تقنيات جديدة لزيادة أرباحهم وإنتاجهم، وقد ساهموا كثيراً فى تطوير الاقتصاد الفلسطينى وتحديثه، وفى نقل التقنيات العصرية. وكانت تقنية أنظمة الرى الحديثة من أولى التقنيات التى تمّ استيعابها فى أوائل تسعينيات القرن التاسع عشر، فقد ذكر تقرير رسمى من سنة 1890 أن 60 محركاً بخارياً لسحب الماء عملت بكامل طاقتها فى بيارات يافا.
 
وتشير التقارير إلى أن منطقة البيارات المحيطة بيافا اتسعت من 7500 دونم فى سنة 1890 إلى 12.000 دونم فى سنة 1904 ، وإلى أكثر من 30.000 دونم فى سنة 1914 . وبموازاة ذلك كان ارتفاع عدد صناديق البرتقال المصدرة من يافا مثيراً جداً: من260.000 صندوق فى سنة 1895 إلى500.000 فى سنة 1905 ، ثم قفز إلى 1,5 مليون فى موسم 1913 / 1914 ، ومنها 1.200.000 صندوق، أى 80 % جاءت من البيّارات التى كانت ملكية عربية، والباقى كان ملكية القطاع الألمانى / التمبلرى أو اليهودي.
 
من مدينة صغيرة ببوابة واحدة تحررت روح اندروميدا من العقاب السماوى وركبت البحر نحو موانئ وبلدات أخرى تسافر مع برتقالها وتعود إلى صخرتها السمراء المطلة على مدينة حبيبها جالبة له ثقافة جديدة تلقى ببهاء على يافا.
 

اقرأ ايضاً

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع