حياة

حكايتنا إحنا الاتنين..

2- مشوار المكتب وبيت جدتي

"تعالي يا أميرة"، قالها بابتسام وأنا ابنة الثالثة عشرة أقف أمام باب غرفته أختبر للمرة الألف بعد الألف قدرته على الإبصار، نعم، كنت أعامله كما يجب أن يكون الرفيق الجيِّد لكفيف، "إنتي أحسن واحدة باعرف أمشي معاها" قالها لي ونحن نسير معًا بعد إحدى الحفلات في قاعة المؤتمرات بمدينة نصر بالقاهرة، "بس أوعي تقولي لحدّ لاحسن تبقى حكاية". دخلت غرفته بعد أن فاض بي الكيل أن أقف ولو لمرّة وحيدة أمام بابه دون أن يعلم أنني أنا الواقفة هناك، مرَّت بضع ثوانٍ وأنا أحدق إلى وجهه... كيف عرف أنني من يقف بالباب؟! فإذ به يباغتني: "بتبصّي لي كدا ليه؟"! يووووووه! الراجل ده بيشوف بقى، أنا زهقت.
 
أبو السيد وُلد فقيرًا في حارة قبودان بالسيدة زينب لأسرة مُثقَله بثلاثة أبناء وثلاث بنات، وفقر يأكل الأرواح، أصابه مرض ما في عينيه وعالجَته أمه بفقرها وجهلها وبساطتها بإضافة مسحوق البُنّ في عينيه، "مش كانوا يحطُّوا لي شاي أظرف؟". أخذ بصره في الرحيل رُويدًا رُويدًا إلى أن حلّ الظلام مكان النور. "أنا كنت باشوف النور من الضلمة لحدّ سنتين". ظللت إلى أن أتممتُ السابعة من عمري على يقين أنه مُبصِر، فكيف وهو لا يرى يتحرَّك بهذه الأريحية؟ يلعب الدومينو بحرفيةِ قاهرٍ لا يستطيع أحد أن يغلبه! يُصلِح الأجهزة حين تتعطّل في المنزل، يُديِر كل شيء بروح وعقل مُبصِر. إلى أن رأيته يومًا دون نظارته السوداء وعلمت أن أعيُننا لا تتشابه. أمسكت الورقة وبدأت في قراءة كلمات نَصٍّ من المفترض أن يلحّنه لمطربة ما في الإذاعة، أدار جهاز التسجيل الصغير الذي لا يفارقه وسجَّل الكلمات بصوتي وأنا حريصة كل الحرص علي نطق كل حرف بوضوح، وأختلس النظر إلى وجهه حتى أنال تلك الابتسامة العطوف التي تُنبِئ بأنني محل ّرضاه، "شوفي يا ستّ ميللو، علشان تقري لي الكلام كويس لازم تفهمي معناه الأول، لازم تفهمي كل كلمة وتحسِّي بيها علشان تعرفي تقوليها، مش مهمّ يبقى صوتك حلو وبتقولي زي بتوع الإذاعة، بس مهمّ تعرفي تحسِّي الكلام وتعرفي تقفي فين، هاتي بقى الجهاز ونقول من الأول، بس الأول هاتي بوسة".
 
كان هذا واحدًا من عشرات الدروس التي علّمني إياها بلطف خفيّ ونعومة فائقة. انتهيت من القراءة وانتظرت، فوجدته يبتسم ويقول: "أهه كده"، ويسجل بصوته للنص عنوانًا. فتحت عينَيّ فإذا بي في غرفته أغفو. - إلى متى أيها الحاضر المسافر سأظلّ أرى حياتي معك تتكرّر في المنام؟ - ودي حاجة مضايقاكي يا ست ميللو؟ - لا يا بابا بالعكس، بس مش فاهمة ليه باشوف حاجات بعينها؟ - علشان ترجعي تفهميها من الأول، ولو في حاجة ناقصة أوريهالك أنا بقى. يلاحقني صوته منذ أن اختفى جسده من الدنيا، في البداية ظننت أنني لديّ أحد تلك الأمراض النفسية التي يطلقونها على مسامعك متى تَحدَّثت بأن عرضًا يعتريك مخالف لِمَا اتفق عليه المجموع، ولكنني مع الوقت بدأت أدرك وجود شيء ما مختلف، فما يحكيه لي يكمل تفاصيل كثيرة بيني وبينه لم أكُن أعيها، لصغر سنِّي ربما، أو لقدر ما أراد أن تختفي من عقلي أشياء وتكتمل في مرحلة أخرى.


"ما تيجي توصّليني بالعربية يا ست ميللو"، بالطبع لم أكُن لأرفض رغبته مع قليل من الغبطة التي تصيبني وأنا أقود بجانبه السيارة وأستمتع بأنظار المعجبين به من طيِّبِي أهل بلدنا. كلّما توقفت السيارة في إشارة أو بسبب الزحام وجدت من يهتف"منوَّر يا عمّنا"، "يا شيخ سيد يا فللي"، "حلوين من يومنا والله"، وهو لا يكلّ عن رفع يديه جانب جبهته ويجيب: "أهلًا حبيبي"، ويضحك تلك الضحكة التي لا تسمعها أذناي منه إلا وهو محاط بمحبة البسطاء. "هو أنت مش بتزهق؟"، سألته في إشفاق أمومي واضح. أجابني بلطفه الدائم: "الناس دي هي اللي عملتنا يا عبيطة، محبتهم هي اللي ودّتك المدرسة وركّبتك العربية، الناس دي أنا منهم، اوعي تفتكري علشان انتي اتولدتي في المهندسين إنك بنت حد تاني، أنا أبو السيد بتاع أبو الريش، يا ست ميللو اللي مايحبش الناس، خصوصًا البسيطة منهم، ويتعالى عليهم، يبقى هو اللي فيه خلل، يبقى مناخوليا يعني". 
 
يا الله يا صاحب الروح المبصرة لو تعلم كيف كانت أحاديثنا الصغيرة تحفر لها أخاديد في طباعي وقلبي قبل عقلي، عاجبَك كدة؟ الناس دلوقتي شايفة إني هبلة بسبب تلك الطباع في زمن أحمد الله أنك لم تعايش قبحه وتلمس زيفه. . اعتدت منذ تَعلَّمت القيادة أن أقود سيارتي وأتولى مَهمَّة إيصاله إلى مكتبه في وسط القاهرة. لم أسأله يومًا لِمَ اخترت وسط القاهرة وشارع شريف تحديدًا ليكون به المكتب، ربما ليكون أقرب إلى العالَم الذي تنتمي إليه روحه، ممرّ "الأمريكين"، يحيِّينا عمّ إدريس حارس العقار، هذا النوبي الجميل الذي ما إن تنظر إليه حتى تعلم أن الحياة ملأته بأسرار جعلت عينيه تفيضان حنانًا وحفرت على وجنتيه نهرين لا يمكنك التغاضي عن التفرس فيهما، يُهرَع عمّ إدريس إلى أبو السيد في كل مرة ألقاه فيها بنفس الفرح الطفولي، ونفس إحساس المسؤولية بأنه حارس للعقار وحارس لأبو السيد. 
 
يأخذ يد أبو السيد منِّي في تَحَدٍّ واضح لأنني الآن في منطقة نفوذه، ويبتسم أبي في إشارة لي أن أتركه يفعل ما يريد، نصعد الدَّرَج قليل العدد حتى ندلف إلى المكتب. يتركنا عم إدريس ويبادر أبي بالكلام ليجيب استغراب عقلي كالعادة دون أن أوجِّه إليه السؤال: "لو الواحد قدر يفرَّح حدّ ليه مايعملش كده مش فاهم أنا؟! يا شيخة يعني عمِّك إدريس ده مثلًا إنه يمسك إيدي ويوصَّلني دي حاجة تبسطه، رغم إنه بيمشِّيني زي الموتوسيكل، لكن معلش برضه بيتبسط. أنا وأنا صغير كنت بافرح لَمَّا حدّ بياخد باله من الحاجات اللي بتفرّحني". -"والله حتى وانت كبير".. هكذا أجاب عقلي") وباين وانا كبير برضه... الراجل ده والله العظيم فيه حاجة بقى، عارفة؟ أمي لَمَّا جابت لي الأسطوانات وأنا صغير، كان الأهمّ من الموسيقى وقتها الاهتمام اللي اهتمّته بيا. 


راحت اشترت أسطوانات علشان عرفت إني باحبّ المزيكا، علّمتني الحبّ الست دي رغم إنها كانت لا بتقرا ولا بتكتب، بس مش الحب اللِّي بيعبَّروا عنه بالكلام، الحب اللي بيعبَّروا عنه بالفعل. أعمل لك شاي؟". لا أذكر كثيرًا عن "سِتِّي الحاجَّة"، هكذا كنا نناديها، سوى أن لي معها حديثًا سجَّله أبو السيد نتشاجر فيه أنا وهي... أنا صاحبة العامين واللسان الزالف، وهي صاحبة الأعوام الثقيلة والعقل الذي يعود إلى الطفولة في إصرار على قطعة من فاكهة المانجو، وكل منا تدَّعي أنها لها، سجَّل لنا أبو السيد تلك المشاجرة ونحن في منزلنا بالإسكندرية، لكني أتذكَّر جيدًا منزلها في أبو الريش، شقَّة في أحد البلوكَّات كما يطلقون عليها الآن، بها صالة مزينة بطقم أرابيسك تختلط نقوشه بأنفاس وروح صانعٍ عكف على رسم منحنياته بدِقَّة، ثم تلك الغرفة التي يزيِّنها السرير النحاس الكبير والنافذة التي تُطِلّ على الشارع، وأسفلها الكنبة الإسطنبولي. 
 
رغم بساطة ذلك البيت فإن به شيئًا ما يدهش روحك كلما دخلته، فقط أتذكر انتظاري بائعَ الزبادي الذي يمرّ وهو يقود درَّاجته بحرفيه مدهشة، وعلى رأسه صينية مغطَّاة بالشاش الأبيض محمَّلة بأطباق فخارية بها هذا الزبادي الذي لم أرَ له مثيلًا منذ ذلك الحين، أتابع كيف يحمل هذا البائع الصينية ويحافظ على توازنه، وأومن أن له دورًا في فقرة السيرك وقت الاحتفال بمولد الستّ (السيدة زينب رضي الله عنها). ننادي البائع الذي يتوقَّف ما إن يسمع النداء، نُلقِي إليه السَّبَت المصنوع من البوص والمعلَّقَ في النافذة حتَّى يُعطِيَنا أطباق الزبادي ويتسلَّم من السبت ما قدَّره له الرحمن من رزق، ومشهد آخر لمجموعة من المراجيح كنت أهرول لركوبها كلما زُرت المكان. انقطعنا عن زيارة أبو الريش بعد أن رحَلَت جدّتي بقليل، والآن أدرك أنه لم يكُن ليحتمل بيتها خاويًا من حضورها.
 
بعد أن فقد أبو السيد بصره أرسلَته جدتي لتعلُّم القرآن كما كان يحدث مع كل مَن كُفّ بصره، فما فائدته في الحياة غير أن يكون شيخًا قارئًا للقرآن؟ وعلى الرغم من ذلك كان عقل وقلب هذا الصغير يتوقان إلى شيء آخَر، كان شيخه الذي يعلِّمه القرآن كفيفًا أيضًا، "كان معاه خرزانه طويلة بيضرب بيها اللي مش بيحفظ. كنت أنا أعمل إيه بقى؟ أحط مخدّة جوَّا ضهري علشان لَمَّا يضرب ماحسِّش بحاجة، أنا كنت عفريت قوي. كنت باركب العجل من العيال وأسوق كويِّس لحد ما ادخل في الحيطة"، يحكي ويضحك وأضحك إلى أن يُرهِقَنا الضحك. يعود مُمسِكًا ستكانة الشاي الذي صمَّم أن يصنعه لنفسه وأنا أنتظر في غرفة المكتب وأقرأ أبياتًا من المفترض أن يلحِّنها. "أما أبوكي ده كان راجل عفريت من صغره". 
 
أجلس على الأرض وهو يحكي. "كنت مرة بأذّن في جامع أبو طبل، وخدني الغُنا ونسيت أأذن الفَجْر، وبدل ما اقول الأذان قعدت اغنِّي. شُفتِي جنان أكتر من كدا؟ المزيكا من وأنا صغير ندهتني زي الندَّاهة. أنا عارف إنك بتحبي المزيكا. الموسيقى بتخلِّي الإنسان قلبه أطهر وإحساسه أعلى. قومي يلّا روَّحي وأعود وأنا أفكر كيف يعلِّمني هذا الرجل بكل هذه البساطة هذا الكَمَّ من العمق.

 

اقرأ ايضاً

تعليقات القراء

2 تعليق
  • بواسطة : Maha Salah | بتاريخ 13-03-2017
    ربنا يرحمه حكاياتك جميلة يااميرة 😊
  • الله يرحمه ويحسن اليه
    بواسطة : محمد الغمرى | بتاريخ 14-03-2017
    من كثر حلاوة الكلام مش عارف اكتب لحضرتك ايه بس احب اقول ونعم الاب ونعم التربيه شكرا لحضرتك لانك بتمتعينا بجيل مكناش نعرف عنه حاجه