حياة

محاكمة الموتى

الفصل الخامس والعشرين بعد المائة من كتاب برت أم هيرو يوضح طريقة محاكمة المتوفى على ما قدمت يداه في الحياة الدنيا من خير أو شر، أمام محكمة العدل الإلهية، التي يرأسها الإلهة أوزوريس أمام الموتى فى قاعة الحق.
 
كان المصريون يعرفون تماماً أن عددا قليلاً جداً منهم سوف يمثل أمام القاضي الأعظم، دون أن تكون له ذنوب، فكان ينبغي لهم إذن الحصول من الآلهة على الصفح عن السيئات وأن يتطهروا، وكان الرجاء شائعاً وكثيراً ما يذكر في الصلوات الجنائزية.
 
"لقد انمحت خطاياي وطرحت ذنوبي جانباً"
" أنك تلقه بخطاياك لدى نن نسوت".
"تطهرك الساحرة الكبرى.. عليك أن تعترف بخطيئتك التي سوف تمحى، لعمل أشياء مقابل كل ما تكون قد قلته".
 
يظهر المشهد بظهور أنوبيس يقدم الشخص الميت، فيدخل في مواجهة القضاة، ويوضع قلبه فى إحدى كفتى الميزان بينما تحتل الكفة الأخرى الربة ماعت ريشة الحق، ويشرف على الاحتفال الإله تحوت الذي يقوم بتدوين النتيجة في لوح وأثناء هذه العملية التي تقرر مصير هذا الشخص، يظل الميت يتلو الاعتراف الإنكاري "السلبي".
والذي يتمثل في عدد من الاعترافات يحاول فيها الميت وهو يرجو ويتوسل أن يعلن براءته أمام المحكمة ومجلس مستشاريها المقدس.


مشهد المحاكمة بالقاعة 19 بالمتحف-المصرى

"أنظروا لقد جئت أليكم، طالباً العدل، رافضاً للظلم، أنى لم أسئ إلى أحد، أنى لم أجرم في مكان العدالة، 
أنى لم أقتل، 
أنى لم أحرض على القتل، 
أنى لم أخالف أوامر الإله
لم تسرق
لم ازني
لم اشهد زورا
لم أتفوه باللعنات
 

وزن القلب

لم أغش في الموازين
لم اخدع أحدا
لم أتكبر على احد
لم ارتكب خطيئة تجاه احد أو أتسبب فى شر لأحد
لم أقم بالتصنت على احد
لم أتدخل في شؤون الغير
لم اغضب بلا قضية عادلة
لم أتسرع بلا ضرورة
لم أعارض عائلتي
لم اسبب الألم أو الخوف لأحد
لم أتسبب ببكاء احد
لم أتسبب بجرح احد
لم أقم بإشعال فتنة أو نزاع
لم استولى على أملاك مسكين
لم اقتطع من ارض جارى لأضيف لأرضى
لم اطرد الماشية عن مراعيها
لم ابعد اللبن عن أفواه الأطفال
لم اقطع مجرى مائي أو قناة
لم ألوث مياه النيل
 

مشهد المحاكمة فى معبد دير المدينة

أنا طاهر طاهر طاهر..
وهكذا يستمر في تضرعات لانهاية لها يخاطب بها كل قضاة المحاكمة الاثنين والأربعين واحداً بعد الآخر ذاكراً أسمه ومكان نشأته.
وعند قاعدة الميزان وحش مخيف هو الملتهمة ينتظر نتيجة وزن القلب وهو متأهب لينقض على الميت إذا صدر الحكم ضده، وإذا لم يصدر الحكم ضده أطلق صراحة ليدخل فردوس العالم الآخر.
 
مشهد المحاكمة يمثل جزء بالغ الأهمية في كتاب الموتى كما تحتويه البرديات المعاصرة للأسرات 18، 19، والأسرات التالية لها وهو يتبع مباشرة الترنيمات اللتان تستهل بها البردية كبيرة الحجم ويبدو أنه يشغل مكاناً ملائماً كما يشكل مقدمة مناسبة لمختارات فصول كتاب
(الخروج بالنهار)التي تتبعه وهى الفصول التي تتناول الأحداث التي تجرى في حياة المتوفى.
 
في إشارة إلى الصراع الأذلى بين الخير والشر إن الفنان الذي كان يرسم المشهد كان يجد نفسه حراً في تصوير أفكاره عن المحاكمة (داخل الحدود المقررة التي لا يمكن تجاوزها).
 
على سبيل المثال... الميزان العظيم ...إن ذراع الميزان يصور دائماً في وضع أفقي مما يبرهن على أن المصري لم يكن يخطر له ببال أن يجعل كفة قلبه صغيرة ترجح كفة ريشة العدل والحق
أما محور الارتكاز العمودي للميزان فيعتليه أحياناً قرد "تحوت"وفى أحيان أخرى "رأس ماعت" وفى أحيان ثالثة رأس "أنوبيس " أما ريشة العدل والحق فتستبدل على كفة الميزان فتستبدل في برديات أخرى بصورة "ماعت" ويقوم أنوبيس بالوزن الفعلي للقلب.
 
إن الصورة مدهشة فنحن نجد مصير الخطاة لا يختلف كثيراً عما نتصوره الآن.. هناك بحيرة النيران وشتى صنوف العذاب التي يمكن تخيلها لكن أعتقد أن المصري القديم نفذ إلى ما هو أبعد من العذاب المادي العقاب الذي لا يطاوله عقاب: انه الموت.. أن يتحلل ويصير إلى فناء ..أن تلتهمه "عممت " ويتلاشى كيانه.. أن يتذوق العدم وهل هناك عقوبة أقصى من العدم.
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع