حياة

الأزهريون الأوائل رواد التنوير..

كيف أسس المشايخ مدرسة الطب المصرية؟

إن المعرفة والعلم بل وأساطير الإبداع لا تموت بل تنتقل من جيل لجيل – سواء بشكل مباشر أو غير مباشر وكما يقول د.محمد حسن الشرقاوى فى نظرية الخلايا الجذعية المعرفية منها تبدأ الحياة والمعرفة حركة العقل وطاقته وهذا فعلا منهج سار عليه رائد التنوير رفاعة الطهطاوى عبقرية انتقلت من حسن العطار للطهطاوى من القاهرة لباريس والعكس ثم انتشرت فى أرض السودان ومصر لتشع النور والمعرفة المتكاملة للترجمة فمن يصدق أن أول عهد السودان بالمعرفة كان على يد عالم أزهرى جليل رفيق نضال وكفاح الطهطاوى وهو الشيخ محمد بيومى أفندى الذى أدخل الهندسة للسودان (لاحظ أن مصر والسودان فى ذلك الوقت دولة واحدة) وهو أول من درس الهندسة فى جامعة باريس وصدر عنه كتاب بالفرنسة عام 1850 وهو الذى رفض الجنسية الفرنسية ورفض رئاسة كلية الهندسة بباريس وكان يعشق مصر لحد الهوس وقبل بوظيفة معلم فى السودان وهو قدم الكثير من علوم الهندسة باللغة العربية وللأسف مات بالحمى بسبب رحلة السودان بعد أن غضب عليه الوالى عباس الأول ولولا الطهطاوى لما تأسست مدرسة الخرطوم التى كانت النواة التى ساهمت فى تأسيس كلية الهندسة فيما بعد فى السودان.
 

رفاعة الطهطاوى

"200" عالم أزهرى هم رواد الطب بمصر والعالم العربي..
 شارع فى حى العجوزة بالجيزة يحمل اسمه لكن لا يعرف الناس قيمة هذا العالم الفذ وهو الدكتور محمد درى باشا وهو أقدم اسم لشارع فى الجانب الغربى من النيل منذ تكونت جزيرة الزمالك قبل عشرات السنوات ولدينا أيضا اسم لامع توهج من رواد التنوير ومن تعلم فى إحدى كتاتيب الأزهر الشريف فى مدينة طنطا قرية محلة أبو على التى ولد بها عام 1841 ومن نبوغه المبكر قرر على باشا مبارك أن يضمه لمدرسة المهندسخانة التى كان بها عباقرة زمانها فى ذلك الوقت مثل العبقرى محمود الفلكى ورغم نبوغه المبكر فى الهندسة قرر فى يوم أن يتعلم الطب رغم قرب تخرجه من الهندسة عاد لمدرسة الطب بعد قرار نادر من على باشا مبارك بالموافقة للمرة الأولى والأخيرة لمهندس عبقرى بترك الهندسة ليتحول للطب وسوف تكون لنا تفاصيل عن عبقرية هذا الرجل فى عدد قادم فهو بكل بساطة وضع أسس الطب المصرى ( العربى ) على مدار قرن ونصف من الزمان ثم نشير إلى عبقرى متميز كان وحدة جامعة الطب الثانية بجوار درى باشا وهو الدكتور البقلى الذى تسبب فى إفلاس قصر العينى من كثرة ذهاب المرضى له وعدم ذهابهم للمستشفى وكى نقرب الصورة للقارئ الكريم فهو نسخة مثل الدكتور مجدى يعقوب فى العبقرية الفارق أن الشيخ الدكتور محمد البقلى كان أول من أسس جمعية لعلاج الفقراء ورعايتهم بالمجان ربما فى الشرق الأوسط كله وقبل معظم دول أوروبا وهذا النهضة الطبية التى قامت على يد 220 شيخا أزهريا تجمعوا للمرة الأولى فى ساحة جامع السلطان حسن وقتها كان المعلم يلقى المحاضرة باللغة الفرنسية ثم يعد المترجم المحاضرة باللغة العربية ومن هنا قدمت مصر للعالم فكرة المعيد فى الجامعة كما قدم الأزهر فكرة ( الكورس ) المأخوذة عن كرسى الشيخ حيث كان كل شيخ من علماء الأزهر يجلس على كرسى وحوله تلاميذه فى شتى التخصصات وهو نفسه الجامع الذى قدم الدكتور الطبيب خبير طب الأعشاب فهو ينتمى لأسرة العطار الشهيرة وهو مولانا العطار شيخ الجامع وفضيلة الأمام الأكبر فيما بعد والغريب أن أحفاده يمارسون نفس مهنة الطب حتى وقتنا هذا.. لكن من المهم أن نشير إلى الشخص المحورى الذى وضع قاطرة النهضة المصرية بشكل عملى وهو مولانا الطهطاوى تلميذ العطار النجيب هو واحد من قادة النهضة العلمية فى مصر فى عهد محمد على باشا، وُلد رفاعة رافع الطهطاوى فى 15 أكتوبر 1801، بمدينة طهطا إحدى مدن محافظة سوهاج بصعيد مصر، فحفظ القرآن الكريم، وبعد وفاة والده رجع إلى موطنه طهطا، ووجد من أخواله اهتماماً كبيراً حيث كانت زاخرة بالشيوخ والعلماء فحفظ على أيديهم المتون التى كانت متداولة فى هذا العصر، وقرأ عليهم شيئا من الفقه والنحو. التحق رفاعة وهو فى السادسة عشرة من عمره بالأزهر فى عام 1817 وشملت دراسته فى الأزهر الحديث والفقه والتفسير والنحو والصرف، وغير ذلك.



يبدأ المنعطفُ الكبير فى سيرة رفاعة الطهطاوى مع سفره إلى فرنسا ضمن بعثة عددها أربعين طالباً أرسلها محمد علىّ على متن السفينة الحربية الفرنسية (لاترويت) لدراسة العلوم الحديثة.
وكان الشيخ حسن العطار وراء ترشيح رفاعة للسفر مع البعثة كإمامٍ لها وواعظٍ لطلابها، وذهب كإمام ولكنه إلى جانب كونه إمام الجيش اجتهد ودرس اللغة الفرنسية هناك وبدأ بممارسة التبحر فى العلوم الحديثة بنهم شديد ، وبعد خمسٍ سنوات حافلة أدى رفاعة امتحان الترجمة، وقدم مخطوطة كتابه الذى نال بعد ذلك شهرة واسعة (تخليص الإبريز فى تلخيص باريز) وقد التحق بالأزهر الشريف وهو فى الثانية عشرة من عمره.
 


عاد رفاعة لمصر سنة مفعمًا بالأمل منكبًّا على العمل فاشتغل بالترجمة فى مدرسة الطب، ثم عمل على تطوير مناهج الدراسة فى العلوم الطبيعية.
وأسس مدرسة الترجمة، التى صارت فيما بعد مدرسة الألسن وعيـن مديراً لها إلى جانب عمله مدرساً بها ( حاليا كلية الألسن بجامعة عين شمس )، وفى هذه الفترة تجلى المشروع الثقافى الكبير لرفاعة الطهطاوى ووضع الأساس لحركة النهضة التى صارت حتى يومنا هذا جينات تنتقل من جيل لجيل ، بعد عشرات السنين إشكالاً نصوغه ونختلف حوله يسمى الأصالة أم المعاصرة كان رفاعة أصيلاً ومعاصراً من دون إشكالٍ ولا اختلاف، ففى الوقت الذى ترجم فيه متون الفلسفة والتاريخ الغربى ونصوص العلم الأوروبى المتقدِّم نراه يبدأ فى جمع الآثار المصرية القديمة ويستصدر أمراً لصيانتها ومنعها من التهريب والضياع. وظل جهد رفاعة يتنامى بين ترجمةً وتخطيطاً وإشرافاً على التعليم والصحافة، فأنشأ أقساماً متخصِّصة للترجمة (الرياضيات – الطبيعيات – الإنسانيات) وأنشأ مدرسة المحاسبة لدراسة الاقتصاد ومدرسة الإدارة لدراسة العلوم السياسية. وكانت ضمن مفاخره استصدار قرار تدريس العلوم والمعارف باللغة العربية (وهى العلوم والمعارف التى تدرَّس اليوم فى بلادنا باللغات الأجنبية) وإصدار جريدة الوقائع المصرية بالعربية بدلا من التركية، هذا إلى جانب عشرين كتاباً من ترجمته، وعشرات غيرها أشرف على ترجمتها. 
 


بيد أن هذه الشعلة سرعان ما خبت، مع تولِّى الخديو عباس حكم مصر، فقد أغلق مدرسة الألسن وأوقف أعمال الترجمة وقصر توزيع الوقائع على كبار رجال الدولة من الأتراك، ونفى رفاعة إلى السودان ( من حسن حظ السودان فهو باعث نهضتها هناك ). وهكذا عبس وجه الثقافة، وعوق رفاعة عن مشروعه النهضوى الكبير، لكن رفاعة صعيدى لا يحب الهزيمة وشخصية مقاتل فذ فواصل المشروع فى منفاه، فترجم هناك مسرحية تليماك ل فرانسوا فنلون، وجاهد للرجوع إلى الوطن وهو الأمرُ الذى تيسر بعد موت الخديو عباس وولاية سعيد باشا، وكانت أربعة أعوام من النفى قد مرت، عاد رفاعة بأنشط مما كان، فأنشأ مكاتب محو الأمية لنشر العلم بين الناس وعاود عمله فى الترجمة (المعاصرة) ودفع مطبعة بولاق لنشر أمهات كتب التراث العربى والأصالة وتاريخ مصر. ولم يكتف رفاعة بهذه الأعمال العظيمة، فسعى إلى إنجاز أول مشروع لإحياء التراث العربى الإسلامي، ونجح فى إقناع الحكومة بطبع عدة كتب من عيون التراث العربى على نفقتها، مثل تفسير القرآن لمولانا الرازى المعروف بمفاتيح الغيب، ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص فى البلاغة، وخزانة الأدب للبغدادي، ومقامات الحريري، وغير ذلك من الكتب التى كانت نادرة الوجود فى ذلك الوقت. غير أن هذا النشاط الدءوب تعرض للتوقف؛ حيث خرج رفاعة من الخدمة، وألغيت مدرسة أركان الحرب، وظل عاطلاً عن العمل حتى تولى الخديوى إسماعيل الحكم ، فعاد رفاعة إلى ما كان عليه من عمل ونشاط على الرغم من تقدمه فى السن، واقتحم مجالات التربية والتعليم بروح وثابة يحاول أن يأخذ بيد أمته إلى مدارج الرقى والتقدم، فأشرف على تدريس اللغة العربية بالمدارس، واختيار مدرسيها وتوجيههم، والكتب الدراسية المقررة، ورئاسة كثير من لجان امتحانات المدارس الأجنبية والمصرية.



(3 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع