حياة

ما ترون بى أثر ما فى القلب من محبة ورحمة..

قلب النبى

«فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ» سورة آل عمران آية 159 
 
«وَكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ» سورة هود آية 120. ولا يعرف القلب الثبات إلا إذا امتلأ رحمة ، وهكذا كان قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم
 
«وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ» هذه الرحمة التى تعبر عن نفسها دائما بالدموع، التى لم تكن تسيل إلا لتزيد هذا القلب ثباتا.

وربما لذلك يفرق القرآن الكريم بين المؤمنين وغيرالمؤمنين بقلوبهم، يقول تعالى فى كتابه الكريم «أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ» سورة الحديد آية 16.
 
ويقول: «أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ۚ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ» سورة الزمر 22.. وحياة الرسول الكريم كلها - حتى قبل الرسالة- تؤكد تفرد قلبه ومشاعره وأحاسيسه وثراء وجدانه الإنسانى الذى يستوعب كل خطرات البشرية فى كل زمان ومكان.
 
إن الذى لا يعرف الرحمة لا يعرف القوة والضعفاء والجبناء دائما فى قلوبهم مرض، كما يقول القرآن، أما صحة القلب فتبدو دائما فى الرحمة واللين والكرم. والرسول الكريم هو الذى قال: " ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب".
وتصفه السيدة عائشة رضى الله عنها، فتقول: «كان ألين الناس، وأكرم الناس، وكان رجلا من رجالكم، إلا أنه كان ضحاكا بساما». فقد كان الرسول عليه السلام  فطرة ورسالة، مشرق الوجه، بساما، غير متجهم، وهو القائل «اللهم إنى أعوذ بك من الهم والحزن ».
 
وكما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عميق التبسم صافى الضحكة كان أيضا غزير الدمع، سريع البكاء، مما يدل على ثراء القلب والمشاعر. وكما يقول ابن قيم الجوزية : «كان بكاؤه من جنس ضحكه، لم يكن بشهيق ورفع صوت، كما لم يكن ضحكه بقهقهة، لكن كانت عيناه تدمعان حتى تهملا، ويسمع لصوته أزيز، وكان بكاؤه تارة رحمة للميت، وتارة خوفا على أمته، وشفقة عليها، وتارة من خشية الله، وتارة عند سماع القرآن .
 
ونجد الإمام الترمذى يفرد ستة أحاديث فى بكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. عن عبدالله بن مسعود رضى الله عنه أنه قال: «قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأ على، فقلت : يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: إنى أحب أن أسمعه من غيرى، فقرأت سورة النساء، حتى بلغت: «فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا» قال: فرأيت عينى رسول الله تهملان».
 
وتحفظ كتب السيرة مشاعر قلب الرسول صلى الله عليه وسلم، وهى تعبر عن نفسها بترقرق الدموع على خديه الشريفين، تلك الدموع التى سالت حين فقد عمه أبو طالب، ثم زوجته السيدة خديجة رضى الله عنها، فى العام الذى يسمى «عام الحزن» من فرط ما عانى رسول الله عليه السلام، وتألم القلب الشريف، خاصة بعد أن تمادت قريش فى حربها ضده، حتى أن أحد السفهاء قابله فاعترضه، فرمى على رأسه الشريفة ترابا، فدخل الرسول الكريم بيته، والتراب على رأسه، فقامت إليه ابنته السيدة فاطمة الزهراء رضى الله عنها  وجعلت تغسل التراب وهى تبكى، فقال لها: مشفقا من دموعها: لا تبكى يابنية، فإن الله مانع آباك.
 
ويخرج الرسول الكريم الى الطائف وحيدا منفردا يدعو إلى الله فيقابله أهل الطائف أسوأ مقابلة، ويغرون به سفهاءهم يسبونه ويصيحون به، فيبتعد عنهم بقلب متألم، ويستريح تحت حائط لابنى ربيعة، وتحت هذا الحائط تدورأعظم وأرق مناجاة من رسول إلى خالقه، إذ يرفع الرسول الكريم قلبه ويديه إلى رب العزة شاكيا ومتألما وهو يقول: «اللهم إليك أشكو ضعف قوتى وقلة حيلتى وهوانى على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربى إلى من تكلنى إلى بعيد يتجهمنى أم إلى عدو ملكته أمرى اللهم إن لم يكن بك غضب على فلا أبالى ولكن عافيتك أوسع لى أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بى غضبك أو تحل على سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك».
 
ولا يتخلى القلب الشريف عن رقته أبدا، وتسيل الدموع كأنها نهر، وهى تعبر عن الإحساس الشريف، فمثلا حينما بلغه نبأ استشهاد زيد بن حارثة، وجعفر بن أبى طالب، وعبد الله بن أبى دوامة رضى الله عنهم فى غزوة مؤتة لما بلغه النبأ، ذهب الرسول الكريم الى منزل «جعفر»ودخل على زوجته أسماء بنت عميس، وكانت قد عجنت عجينها، وغسلت بنيها ودهنتهم ونظفتهم فقال لها :ائتنى ببنى جعفر، فلما أتت بهم تشممهم، وانفرط القلب، فذرفت عيناه الدمع، وقالت أسماء فى لهف وقد أدركت ما أصابها : يا رسول الله، بأبى أنت وأمى، ما يبكيك؟ أبلغك عن جعفر وأصحابه شىء؟ قال : نعم أصيبوا هذا اليوم وازدادت عيناه بالدمع تهتانا، فقامت أسماء تصيح حتى اجتمع النساء إليها أما الرسول صلى الله عليه وسلم، فخرج إلى أهله فقال :«لا تغفلوا آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعاما، فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم». ورأى ابنة مولاه «زيد» قادمة فربت على كتفيها وبكى، وأظهر بعضهم دهشة لبكاء الرسول صلى الله عليه وسلم على من استشهد فقال : إنما هى عبرات الصديق يفقد صديقه، وفى رواية أخرى قال تعليقا على دموع ابنة مولاه زيد: «هذا شوق الحبيب إلى حبيبه».
 


ولا ينتهى القلب الشريف من حزن، حتى يأتيه حزن آخر، ولا يعرف القلب الشريف الفرح، إلا وينقطع هذا الفرح بفاجعة تزلزل لها الأرض، لكن الرسول الكريم يتلقى أمر الله بقلب ثابت.
 قول محمد حسين هيكل فى كتابه «حياة محمد»: وكان ابنه إبراهيم قرة عينه، له ستة عشر شهرا أو ثمانية عشر شهرا، فكان إذا فرغ من استقبال الوفود، ومن القيام بأمر المسلمين، ومن أداء حق الله ورسالته، وحق أهله جميعا لهم، اطمأنت نفسه برؤية هذا الطفل الذى ظل يترعرع وينمو ويزداد شبهه بمحمد صلى الله عليه وسلم وضوحا، مما يزيد أباه له حبا وبه تعلقا، وخلال هذه الأشهر جميعا كانت محاضنته أم سيف، ترضعه وتسقيه، لبن الماعز التى أهداها النبى إليها.
 
ولقد زاد هذه العاطفة رقة وقوة فى نفسه أنه فقد ولديه القاسم والطاهر، وهما لايزالان طفلين فى حجر أمهما خديجة، وأنه فقد بناته بعد خديجة واحدة بعد الأخرى، بعد أن كبرن وصرن زوجات وأمهات، فلم تبق له منهن غير فاطمة، هؤلاء الأبناء والبنات الذين تساقطوا من حوله فدفنهم بيده تحت الثرى، تركوا فى نفسه قرحة ألم اندملت بمولد إبراهيم، وأثمرت مكانها رجاء وأملا، وكان حلا له أن يمتلئ بهذا الأمل غبطة واستبشارا .
 
لكن هذا الأمل لم يكن ليطول إلا تلك الأشهر التى ذكرنا، فقد مرض إبراهيم مرضا خيف منه على حياته، فنقل إلى نخل بجوار مشربة أم إبراهيم، وقامت من حوله ماريا وأختها سيرين تمرضانه، ولم يطل بالطفل المرض، فلما كان فى الاحتضار وأخبر النبى بأمره، أخذ بيد عبد الرحمن بن عوف، يعتمد عليه لشدة ألمه، حتى أتيا إلى النخل بجوار العالية التى تقوم المشربة اليوم مكانها، فوجد إبراهيم فى حجر أمه يجود نفسه، فأخذه فوضعه وقلب يجن ويده تضطرب، وقد ملك الحزن عليه فؤاده، وبدت صورة الألم على قسمات وجهه، وضعه فى جحره وقال: يا إبراهيم لا نغنى عنك من الله شيئا، ثم وجم وذرفت عيناه والغلام يجود بنفسه وأمه واختها تصيحان فلا ينهاهما رسول الله، فلما استوى إبراهيم جثمانا لا حراك به ولا حياة فيه، وانطفأ بموته ذلك الأمل الذى تفتحت له نفس النبى زمنا، زادت عينا محمد تهتانا وهو يقول: «يا إبراهيم لولا أنه أمر حق ووعد صدق وأن آخرنا سيلحق بأولنا، لحزنا عليك أشد من هذا ». وبعد أن وجم هنيهة قال : «تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضى الرب، وإنا يا إبراهيم عليك لمحزونون ».
 
ورأى المسلمون ما بمحمد من حزن وحاول حكماؤهم أن يردوه عن الإمعان فيه، فذكروه بما نهى عنه فقال : «ما عن الحزن نهيت وإنما نهيت عن رفع الصوت بالبكاء، وإن ما ترون بى أثر ما فى القلب من محبة ورحمة، ومن لم يبد الرحمة لم يبد غيره الرحمة عليه ». ويكمل هيكل: ووافق موت إبراهيم كسوف الشمس، فرأى المسلمون فى ذلك معجزة وقالوا: إنها انكسفت لموته، وسمعهم النبى: أترى فرط حبه لإبراهيم، وشديد جزعه لموته قد جعله يتعزى بسماع مثل هذه الكلمة، أو يسكت على الأقل عنها، أو يعذر الناس إذ يراهم مأخوذين بما يحسبونه المعجزة؟ كلا، فمثل هذا الموقف إن لاق بالذين يستغلون فى الناس جهالتهم أو لاق بالذين يخرجهم الحزن عن رشادهم، فهو لا يليق بالنزيه الحكيم، فما لك بالرسول العظيم، لذلك نظر محمد إلى الذين ذكروا أن الشمس انكسفت لموت إبراهيم، فخطبهم فقال : «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لاتخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فانزعوا إلى ذكر الله بالصلاة ».
 
ويستمر هيكل معلقا: آية عظمة أكبر من ألا ينسى الرسول صلى الله عليه وسلم رسالته فى أشد المواقف التى تملء النفس بالفجيعة والهول، لقد وقف من تناول من المستشرقين هذا الحديث لمحمد موقف الإجلال والإعظام، ولم يستطيعوا كتم إعجابهم وإكبارهم وإعلان عرفانهم بصدق رجل لا يرضى فى أدق المواقف إلا الصدق والحق.
 
الرحماء
ويتكرر كثيرا فى سيرة الرسول الكريم الربط بين الدموع ورقة القلب ومشاعر الرحمة التى لا يعرفها إلا الأقوياء. يقول أسامة بن زيد: كنا عند النبى صلى الله عليه وسلم ، فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه وتخبره بأن صبيا لها فى الموت فقال لرسول ابنته: ارجع إليها فأخبرها أن لله ما أعطى ولله ما أخذ، وكلى شىء عنده بأجل مسمى، فمرها لتصبر ولتحتسب. فعاد رسول الابنة فقال: إنها أقسمت لتأتيها، فقام النبى ومعه سعد بن عبادة، بن جبل، وانطلقت أنا معهم، فرفع إليه الصبى ونفسه تضعضع من شدة المرض، وسكرات الموت، ففاضت عيناه فقال له سعد:ما هذا يا رسول الله ؟
فقال النبى الكريم : هذه رحمة جعلها الله فى قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء.
 
وكان النبى الرحمة المهداة يأمر دائما بالرحمة وينهى عن الغلظة والقسوة، وعن أبى الدرداء أنه قال: أتى رجل رسول الله يشتكى قساوة قلبه فقال له الرسول: أتحب أن يلين قلبك فقال: نعم، قال: «ادن اليتيم منك وامسح رأسه، وأطعمه من طعامك، فإن ذلك يلين قلبك ويقدرك على حاجتك».
 
كان للفقد واليتم معنى خاص عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد جربه صغيرا، ولم ينسه كبيرا، وظل رسول الله يشعر باليتم طيلة حياته لفقده أبيه وأمه وهو بعد لم يزل طفلا صغيرا، وتذكر كتب السيرة، أنه بينما كان الرسول الكريم يمر بقرية «الإبواء» حيث قبر أمه، اتجه إلى قبر هناك، فأخذ يصلحه ويسويه ويناجيه ويبكيه، فبكى لبكائه من كانوا معه، وسئل الرسول الكريم عما يبكيه فقال: إن هذا القبر الذى رأيتمونى أبكيه وأناجيه هو قبر أمى، آمنة بنت وهب، أستأذنت ربى فى زيارتها، فأذن لى، وأدركتنى رحمتها فبكيت. 
 
 

(7 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع