حياة

حبس صهر محمد فريد.. وطرائف نعمان باشا مع الملك!!

قصة أطول انتخابات برلمانية فى تاريخ مصر

أعضاء أول برلمان حقيقى فى مصر سنة 1924

لم تشهد الحياة النيابية فى مصر أحداثا مثيرة وغريبة مثلما حدث فى انتخابات 1924 التى أعيدت ثلاث مرات فى أقل من عام ونصف.. الانتخابات الوليدة شارك فيها الشعب حكم البلاد لأول مرة من خلال اختيار أعضاء مجلس نيابى يمثله بعد تفعيل دستور 23..
 
وكانت أشهر الوقائع أو الحوادث التى تصدرت عناوين الصحف والمجلات تلك التى جرت فى مدينة المحلة الكبرى واعتقل فيها الطبيب الماهر والعالم الفذ الدكتور (حيدر الشيشينى) رئيس لجنة الوفد المركزية وزوج (فريدة هانم) ابنة الزعيم الوطنى (محمد بك فريد) ومعه عدد كبير من شرفاء المدينة وكبار التجار والصناع من أنصار السعديين. 
 
مجلس النواب الأول..
صدر المرسوم الملكى بقانون الدستور لإجراء الانتخابات البرلمانية فى 12 يناير 1924 ونافس عليها ثلاثة أحزاب هم الحزب الوطنى والوفد والأحرار الدستوريين وكانت لجنة الوفد المركزية فى المحلة يقودها الدكتور حيدر الشيشينى كبير السعديين والحاصل على شهادة الاختصاص فى أمراض المعدة والأمعاء وأمراض القلب من مستشفيات باريس سنة 1908 وانتخب عضوا بالمجلس البلدى المختلط بالمحلة الكبرى سنة 1909 ومن أحسن ما روى عن أخلاق الدكتور حيدر أن محمد بك فريد رئيس ( الحزب الوطنى ) كان بفرنسا إبان وجود الدكتور فى جامعاتها فراقه أدبه وأطربه نبوغه وسره أن يرى شابا مصريا منعما على هذه الاستقامة الكاملة والأخلاق الفاضلة فمال إلى مصاهرته ولما حضر الدكتور إلى مصر عرض ذلك على والده محمود بك الشيشينى صاحب الفضل الوافى فى إنشاء (الحزب الوطنى) مع (الزعيم مصطفى كامل) حيث أكبر والده هذه المروءة وقابلها بالإجابة وتم للدكتور أمر مصاهرته على فريدة هانم كبرى بناته.
 
 الدكتور حيدر الشيشينى رئيس لجنة الوفد المركزية
   
وما كاد أمر الانتخاب يظهر حتى اجتمع الناس على ترشيح الدكتور عن دائرة المحلة نيابة عنهم وظهر من منافسيه حضرة "محمود بك العرابى" وكان وفديا فرشحه الوفد أيضا بجانبه فى مواجهة أخطر المنافسين نعمان بك الأعصر عمدة المحلة وأحد أقطاب حزب الأحرار الدستوريين.. كان نعمان بك هو مرشح القصر والحكومة وواحدا من الأصدقاء المقربين للملك فؤاد الأول وله أياد بيضاء على العديد من المشروعات العملاقة حيث كان صاحب فضل كبير فى إنشاء بنك مصر وبحكم علاقاته القوية بطلعت حرب باشا نجح فى إقناعه بإقامة شركة مصر للغزل والنسيج فى المحلة.. ورغم أن نعمان الأعصر كان بدينا جدا.. لكنه كان يعد من الأعلام فى سرعة النكات والقفشات وأصبح أحد الشخصيات الملهمة لرسام الكاريكاتير الشهير " الكسندر صاروخان" ومن المواقف الطريفة التى كانت حديث الصحف أن نعمان بك ذهب يشكر الملك فؤاد الذى أنعم عليه بلقب الباشوية سنة 1925 وعندما هم بالوقوف عقب انتهاء مدة الزيارة وجد أن الكرسى الذى كان يجلس عليه قد التصق بمؤخرته وهو واقفا أمامه دون أن يشعر مما جعل الملك ينفجر ضاحكا وكذلك كل الحضور فما كان من سرعة بديهة نعمان الأعصر إلا أن شكى الكرسى إلى الملك قائلا إن الكرسى يتمسك بى رافضا أن أغادر مجلس عظمتكم مما جعل الملك يدعوه للبقاء وتناول العشاء معه.
 
 
صوره نادرة لنعمان باشا الأعصر مع زوجته الثانية فتحية حمزة بباريس عام 1925

تحولت المحلة أيام الترشيح إلى جامعة تلقى فيها الخطب وتقام فيها الحفلات ويطوف بها الناس من مختلف الطبقات ومتنوع الفئات من وجهاء وعلماء وخطباء وأدباء ومازال الأمر يستتم والنظام يستتب حتى جاء زمن الانتخابات فتمت عملياتها بنظام تام وحرية مطلقة ثم كانت النتيجة بفوز الدكتور بأغلبية ساحقة فضجت المدينة ضجة الفرح وصاحت صيحة السرور وتعددت التهانى وإلقاء القصائد، منها قصيدة لصاحب العزة أمين بك عز العرب المحامى وسكرتير مجلس الشيوخ قال فيها :
يا يوم حيدر أنت يوم العيد.. يوم المنى والنصر والتأييد 
كم فيه من رجل يصيح وفتية.. نشدوا بأغنية ولطف نشيد 
يا صوت ( سعد ) يا ممثل ( كامل ).. يا شبل ( محمود ) وصهر ( فريد )
بشرى لقوم أنت عنهم نائب.. فى مجلس ما فيه غير رشيد
فانهض تحفك عزة وكرامة.. لسياسة الإنشاء والتجديد
 
ثم توجه حيدر إلى مصر فكان عضوا نيابيا عاملا عمل برأيه ونفع بعلمه فى اللجان وغيرها حتى وقع الحادث المشئوم عندما قام أحد المصريين بقتل "السيرلى ستاك" سردار الجيش المصرى فى السودان واستغل الإنجليز الحادث للتخلص من سعد وأعوانه الذين حصلوا على أغلبية ساحقة فى البرلمان وأصبح يهدد بمطالبه بقاء الإنجليز، وفرضوا بعض المطالب التعجيزية على حكومته مما جعله يتقدم باستقالته وتم حل البرلمان يوم 24 ديسمبر 1924 وقبل انعقاد دوره الثانى.
 
 
 فريدة هانم كريمة الزعيم محمد بك فريد وزوجة الدكتور حيدر الشيشينى
 
مجلس النواب الثانى..
جاءت انتخابات المجلس الثانى فى ظل عداء متين بين رجال الحكومة وحزب الوفد ودبر فى كل دائرة مكيدة حيث وقع تحالف بين حزب الأحرار الدستوريين وحزب الاتحاد الذى شكله حسن نشأت رجل القصر من أجل إنزال الهزيمة بالوفديين بمساندة وزير الداخلية إسماعيل صدقى وقام فى المحلة فريقا يناوئ الزعيم سعد زغلول فى شخص مرشحه الدكتور حيدر ويناشدون الوفد فى أفراد لجنته.. وكان قد تحدد الرابع من شهر فبراير 1925 استعدادا لانتخاب أعضاء اللجان أولا ثم مباشرة الحق الانتخابى ثانيا لكن الحكومة تدخلت وعينت أعضاء اللجان تعيينا ورفضت تسليم التذاكر الانتخابية لأفراد لجان الوفد بحجة أن التأشيرات أمام أسمائهم تفيد بأنهم انتقلوا إلى رحمة الله كما أصدرت الداخلية قرارا بأن يكون التصويت بالقلم الرصاص الأسود وليس (الكوبيا ) فاعتبره الوفديون دليلا على نية التزوير وأوغر ذلك صدور السعديين فأضربوا عن الانتخابات إضرابا أعلنوه فى المدينة وحاصرت الجماهير قسم البوليس ورفع مأمور البندر تقريرا للديوان الملكى يتهم فيه على غير الحقيقة الدكتور حيدر بتحريض الجماهير والعيب فى الذات الملكية فهبت الحكومة لكى تخمد نارا أشعلتها وقامت باعتقال حيدر وصحبه وزجت فى السجون أسرا وعائلات واجتاحت حوانيت وبيوتات وأضرمت فيها النيران. 
 
 
أحمد افندى كامل رئيس محكمة خط المحلة الكبرى
  
ولقد تكفلت الجرائد بذكر هذه القضية الكبرى من يوم السجن إلى يوم عرضها على قاضى الإحالة ثم محكمة الجنايات التى حكمت لقوم بالبراءة وعلى فريق بالسجن ثلاثة أشهر وعلى آخرين بأربعة وعلى الدكتور حيدر بسنتين وعلى آخر بثلاثة، وكان معظم المسجونين من خلاصة المدينة وأرباب الشرف فيها وذوى المصالح فى تجارتها وصناعاتها ومنهم (أحمد أفندى كامل السرى) وكان أبوه (على بك كامل) عضوا بمجلس شورى القوانين وأنعم عليه الخديو توفيق برتبة البكوية الممتازة فكان (البك الأول بالمدينة).. كان أحمد كامل وكيلا للجنة الوفد المركزية سنة 1923 ثم رئيسا لمحكمة خط المحلة الكبرى بعد ذلك فأعجب الناس بعدالته ونزاهته.. كما اعتقل عبد الفتاح أفندى حجر من كبار التجار، والسيد محمد المسدى، والشيخ عبد الجليل نوح، وإبراهيم أفندى السمرة وشقيقه عباس، وتاجر الحرير مصطفى أفندى الخشاب، ومحمد أفندى فلفلة، واليمانى أفندى حوطر، والشيخ محمد بانوها من كبار التجار وأهل الأدب، وعلى أفندى توفيق، وأحمد أفندى سلطان، وأحمد أفندى المحلاوى أشهر سمسار للعقارات فى الوجه البحرى وهو والد الصحفية الشهيرة نوال المحلاوى مدير مكتب الأستاذ هيكل رئيس تحرير الأهرام ومن الصدف الغريبة أن ابنته تعرضت أيضا للسجن فى عهد الرئيس عبد الناصر مع زوجها عطية البندارى فى قضية وهمية من تلفيق أجهزة الأمن.
 
 
 أحمد بك المحلاوى والد الصحفية الشهيرة نوال المحلاوى 
  
كان فى وسع القوم جميعا أن يطلق سراحهم فى الأسبوع الأول من سجنهم لو أنهم نبذوا مبادئ الحزب وخلعوا رداء الوطنية لكنهم رفضوا أن تكون حريتهم على حساب خيانة سعد والتخلى عن قضية استقلال مصر، بعدها تمت الانتخابات على النسق الذى رسمت عليه حيث أعلن نجاح نعمان الأعصر الذى أنعم عليه برتبة الباشوية قبلها بليلة فهنأه القوم تهنئتين ووفدوا إلى منزله لسببين وأطلق جرنال الأهرام على الفائزين فى تلك الجولة ( الفائزين بلا مزاحم )، أما الدكتور فقد حصل على ثلث الأصوات رغم وجوده داخل السجن، غير أن مجلس النواب الذى افتتح فى صباح اليوم التالى قد أعلن انحلاله فى مساء نفس اليوم بسبب فوز سعد زغلول بمنصب الرئيس أمام عبد الخالق ثروت مرشح القصر والحكومة وكانت النتيجة حل مجلس النواب فى يوم افتتاحه فى 23 مارس 1925.
 
 
مصطفى أفندى الخشاب
   
مجلس النواب الثالث..
لجأت الحكومة لتعديل قانون الانتخابات ليكون من درجة واحدة بالانتخاب الحر المباشر وبذلك فتحت وزارة أحمد زيور باشا حياتها بحسنة سجلها لها التاريخ وكان الدكتور حيدر لا يزال سجينا فرشح الوفد عن دائرة المحلة شقيقه ( أحمد بك ذكى الشيشينى ) وتقدم (نعمان باشا) خصما لمرشح الوفد ولكن القوم بيتوا الشر له وقام البعض بإلقاء حنطور الباشا فى النيل ولولا حكمة أحمد بك الذى كان من خير المحامين لتطورت الأحداث السيئة من جديد.. واجتمع ما يربو على سبعة آلاف ناخب لتأييد شقيق الدكتور الذى نجح بأغلبية أدهشت الجميع.
  
 
أحمد بك ذكى الشيشينى عضو مجلس النواب عام 1925
  
بعدها شكلت الوزارة العدلية واجتمع البرلمان وكانت أول مسألة هى بحث الإفراج عن الدكتور حيدر الذى قضى أرباع المدة فى 20 يوليو1926 ولكن القوانين لم تكن تسمح للسجين بأن يبرح سجنه بعد هذه المدة إلا فى يوم عيد يأتى، وكان عيد الجلوس الملكى لا يأتى إلا فى اليوم التاسع من أكتوبر ولكن نجحت مساعى سعد زغلول وعدلى باشا يكن فى عدم التقيد بذلك وفى هذا اليوم الذى كان يوافق يوم عاشوراء احتشد أمام سجن المنشية بالإسكندرية جمع كبير من المحلة وطنطا والقاهرة من الوجهاء والعلماء وأعضاء مجلس النواب والشيوخ ثم ساروا مع الدكتور حيدر فى موكب كبير ضم أربعين سيارة حيث بيت الأمة وقابله سعد مقابلة الأب لأبنه الصغير ثم قابل عدلى باشا فشكره ثم توجه إلى منزل والده محمود بك الشيشينى فى مصر الجديدة حيث كان فى انتظاره أولاده وأهله وأسرته. 
وعلى أثر إطلاق سراح الدكتور شرع مجلس النواب فى إصدار قانون بعفو شامل عن جميع من حكم عليهم بعقوبات جراء الانتخابات وتم الأمر ومحيت جريمة المحلة الكبرى.
  
 
محمود بك الشيشينى والد الدكتور حيدر
  
بعدها عاد الدكتور إلى المحلة بصحبة وفد كبير من الأعيان والعلماء والأدباء وطلاب العلم وقبل هذا اليوم أقيمت الزينات ونصب سرادق كبير فى أكبر ساحات المدينة زينت أرضه بالبسط الحمراء والخضراء وأضيئت سماؤه بمصابيح الكهرباء وما كاد الجرس يؤذن بقرب القطار الذى دخل المحلة تكسوه الورود والأزهار حتى علا الهتاف وبلغ عنان السماء واستمرت الاحتفالات والمآدب سبع ليال قيل إنها فاقت فى عظمتها مآدب الرشيد، وتبارى الشعراء والأدباء فى إلقاء القصائد والشعر والخطب الوطنية حيث افتتح الحفلة الخطيب الشهير والوطنى الغيور (على بك فهمى) وكيل الحزب الوطنى ثم خطبة للأديب (ينى أفندى لبيب) ناظر مدرسة الأقباط جمعت بين عذوبة المبانى وفخامة المعانى، وقصيدة للشيخ (محمد نور الدين) أستاذ اللغة العربية بمدرسة كشك الثانوية بزفتى الذى تكفل بإصدار كتاب رصد فيه الكثير من الأحداث الوطنية فى أوائل القرن العشرين. 
 
 
 الشيخ محمد نورالدين أستاذ اللغة العربية بمدرسة زفتى الثانوية
 
وقصيدة (لأحمد أفندى سالم المحلى) المدرس بمدرسة مجلس المديرية بالمحلة الكبرى، كما حضر صاحب المجد النبيل (الأمير إسماعيل داود) الذى تكفل بإقامة حفل خاص فى قصره الفخم بقرية محلة حسن، وأيضا حفلة أخرى ضخمة أقامها (عبد الحى باشا خليل) وحفلة ثالثة أقامها حضرة المفضل (أبو المعاطى أفندى عون) من كبار الأعيان فى كفر الشيخ.
 
وبعد انتهاء الاحتفالات عاد الدكتور حيدر يباشر أعماله ويواصل جهاده بطبه الشافى وعلمه الوافى وقد نظم العيادة أجمل تنظيم وأكمل عددها وجلب لها من حديث الآلات ومستحدث الأدوات وجميل الرياش ما يسر الناظر ويشرح الخاطر ويخفف الداء عن المرضى وقد أصبحت هذه العيادة بشارع البهلوان وجهة القصاد والدكتور فيها يباشر أعمال الطب الناجحة ولا يكاد المريض يزوره حتى يرى منه رحمة وعطفا وكرما ولا عجب أنه كان يعالج معظم مرضاه من الفقراء مجانا بعد أن انفق كل ثروته وباع قصره الفخم الذى كان يقع فى ميدان محب من أجل علاج مرضاه.
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع