حياة

من البحث عن الخبز إلى المشاركة السياسية.. رحلة عذاب نساء جنوب إفريقيا

على مدى العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية، تم تجاهل دور المرأة فى تاريخ تحرير الدول الإفريقية ولم يتم الاعتراف به إلا مؤخرا. وفى نفس السياق، تم تجاهل تاريخ التنظيم السياسى للمرأة، وكفاحها من أجل التحرر من الاضطهاد، وحقوق المجتمع، والأهم من ذلك بالنسبة للمساواة بين الجنسين. سبب هذا "الإخفاء" لدور النساء فى المجتمعات الإفريقية (وهذا ينطبق بدرجات متفاوتة على جميع المجموعات العرقية) تحول أغلبها لتصبح أبوية تقليدية. وبعبارة أخرى، فإن الرجال هم الذين يتمتعون بسلطة فى المجتمع؛ ينظر إلى النساء على أنهن تابعات للرجال. 
 
مسيرة النساء 1956، بريتوريا، 9 أغسطس..
بحلول منتصف عام 1956 تم وضع خطط لمسيرة نسائية فى بريتوريا حيث كانت الصورة النمطية للمرأة أنها غير كفؤ سياسياً وغير ناضجة، ومرتبطة بالبيت؛ خطط لهذه المسيرة اتحاد النسائى لجنوب إفريقيا حيث طالبت النساء مقابلة رئيس الوزراء جاى جى ستريجدوم JG Strijdom والذى لم يحضر أو يعتذر.
فمع بداية القرن العشرين فى جنوب إفريقيا، السلطات الإفريقية وضعت تحت سيطرة المستوطنين البيض. وعلاوة على ذلك، فإن الاستقلال الاقتصادى لهذه المجتمعات الإفريقية قد دمر، وذهب الرجال الأفارقة إلى العمل فى المناجم (فى المدن النامية) وفى المزارع المملوكة للبيض. وقد أدى اكتشاف المعادن (الماس فى كيمبرلى عام 1867 والذهب على ويتواترسراند فى عام 1886) إلى إحداث تغييرات هائلة فى اقتصاد جنوب إفريقيا النامي، وكان من المفروض أن تصبح هذه العوامل ذات أهمية كبيرة لدور المرأة، ولا سيما النساء السود. وكان الرجال السود فى مستعمرة كيب يتمتعون بالتصويت (على الرغم من أن الرجل الأسود لا يمكن أن يصبح عضوا فى البرلمان)، ولكن فى مكان آخر فى جنوب إفريقيا السوداء (سواء كان ذكرا أو أنثى) لم يكن لهم حق التصويت، بالرغم من أن النساء البيض محرومات.
 
ثم أرسل حزب المؤتمر الوطنى الأفريقى هيلين جوزيف وبيرثا ماشابا فى جولة فى المناطق الحضرية الرئيسية، برفقة روبرت ريشا من حزب المؤتمر الوطنى الإفريقى ونورمان ليفى من الكونجرس من الديمقراطيين (COD). ومن ثم حققت المسيرة النسوية نجاحا مذهلا، فقد توافدت نساء من جميع أنحاء البلاد إلى بريتوريا، بعضهن من مناطق بعيدة مثل كيب تاون وبورت إليزابيث. ثم تدفقوا على مبان الاتحاد بطريقة منظمة. وتراوحت تقديرات عدد النساء المشاركات بين 10 و 20 ألف، حيث اعتبرت أكبر مظاهرة نسائية. ومن ثم ملأن النساء المدرج بأكمله فى مبنى هربرت بيكر الجميل وهن يرتدين الأزياء التقليدية أو أزياء بألوان العلم الثلاث.



الحكومة ضد النساء..
بسبب قرارات ترحيل الرجال الأفارقة السود للعمل فى المناجم والمزارع الكبيرة تزايد عدد النساء فى المحميات مما حمل بعض النساء للهجرة للمدينة للعمل كخادمات أو عاملات فى بعض المصانع، من ثم قامت الحكومة بمحاولات لقمع هؤلاء النسوة السود عبر إجبارهن على استخراج تصاريح مرور. وفى عام 1913، أعلن مسئولون حكوميون فى ولاية أورانج الحرة أن النساء اللواتى يعشن فى البلدات الحضرية سيكن مطالبات باستخراج تصاريح دخول جديدة كل شهر للذهاب لمزارعهن أو أعمالهن. وردا على ذلك، أرسلت النساء نائبات إلى الحكومة، وجمعت الآلاف من التوقيعات والالتماسات، ونظمت مظاهرات ضخمة احتجاجا على شرط التصريح. وانتشرت الاضطرابات فى جميع أنحاء المقاطعة واعتقلت مئات النساء. واستمر العصيان والمظاهرات المدنية بشكل متقطع لعدة سنوات. وفى نهاية المطاف تم سحب شرط التصريح. ولم تبذل أى محاولات أخرى للحصول على تصاريح للمرأة الأفريقية.
 
 وبدأ إصدار التصاريح فى إقليم الكاب الغربي، الذى أعلنته الحكومة "منطقة تفضيلية للملونين" (وبالتالى استثنى الأفارقة السود). وفى الحدود التى وضعتها الحكومة، لا يمكن توظيف أى عامل أفريقى ما لم تقرر إدارة العمل أن العمال الملونين غير متاحين. وكان من المقرر إخراج الأفارقة من المنطقة برمتها ولن يسمح لأى أسر جديدة بالدخول، وسوف تعاد النساء والأطفال الذين لم يتأهلوا للبقاء إلى المحميات. 
 
موقف المعارضة الإفريقية.. المؤتمر الوطنى الإفريقي
إذا كان يمكن فهم موقف حكومة جنوب إفريقيا البيضاء من حقوق النساء؛ لكن يظل تساؤل حول موقف المعارضة الإفريقية من حقوق المرأة هل كان تعامل المعارضة الإفريقية أفضل من موقف المستعمر الأبيض؟ الحقيقة لا حيث أن المؤتمر الوطنى الإفريقى وهو الجهة المعارضة التى تمثل شعب جنوب إفريقيا لم يقبل عن ظهوره عام 1912 فى عضويته أى امرأة، وكانت أول عضوية لتتأخر 30 عاما, فبحلول عام 1943 قبلت عضوية أول امرأة إفريقية وتم الاعتراف أخيرا بدور المرأة وإمكاناتها بوصفها عاملا قويا للتغيير من أجل بناء وتأسيس قوة جماهيرية كبيرة. وفى الوقت نفسه تم تشكيل رابطة النساء فى حزب المؤتمر الوطنى الأفريقى (أنكول) كقسم فرعى من حزب المؤتمر الوطنى الأفريقي، مع مادى هول شوما كأول رئيس لها.
 

 
القضايا نساء جنوب إفريقيا..
فى ذلك الوقت المبكر لم تهتم النساء بكل القضايا التى تشغل بال نساء اليوم؛ بل كان كل ما كافحن من أجله هو "الخبز والزبد" الطعام والكساء المتمثل فى تصاريح العمل. وفى ظل هذه الخلفية، نظمت النساء أنفسهن داخل المجتمع المحلى لمواجهة هذه التحديات. ومن بين هذه الهياكل المجتمعية مجلس نساء ألكسندرا، الذى أنشئ فى منتصف الأربعينات بسبب قيام لجنة شؤون السكان الأصليين بإصدار قرارا بإزالة المستوطنين فى بلدة الكسندرا، وقد أخذت النساء أنفسهن على عاتقهن مكافحة عمليات الإزالة هذه لأنها أثرت على سبل عيشهن. 
لكن تلك القضايا تطورت بمرور الزمن وبالممارسة فقط ظهرت حركات أخرى منها الذى أسس لتعاون اقتصادى تكافلى ليحصل النساء على التمويل الصغير من أجل الاستقلال الاقتصادى والذى كان أشهرها نادى زنزيل الذى شجع النساء على كسب الرزق من الحياكة وأسسته امرأتان هما جوزى بالمر (مباما) و مادى هول شوما.
وعلى الرغم من أن القضايا التى قاتلت النساء من جنوب إفريقيا من أجلها لم تحل، إلا أن مسيرة عام 1956 كانت انتصارا فى حد ذاتها. وأصبح عدد أكبر من النساء ناشطات فى مجال السياسة، ودفع بعضهن الثمن بالسجن لفترة طويلة فى حين أن البعض شكل تهديدا للحكومة وتم اغتيالهن، لكن هذا الثمن لم يذهب هباء حيث أصبحت النساء تشكلن 33 % فى مجلس الوزراء فى الوقت الحالى دون اللجوء لحلول توفيقية مثل "الكوتة" وغيرها. 


نشر بتاريخ 16 مارس 2018

(22 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع