حياة

امتلأ قلبه بحب الوطن وهمومه

فارس سيفه القلم.. وجواده العلم والثقافة

العالم الجليل الأستاذ الدكتور أحمد عبد الله زايد: هو عالم بحق، وبكل ما تحتويه كلمة عالم من معان سامية وأخلاق كريمة، أضفى عليه العلم حكمة ووقارًا وهيبة قلما تتوافر فى علماء عصرنا الحالي، ولا يعرفه أحد إلا وتحدث عن طيب أثره وجميل صنعه، امتطى جواده لسبعة عقود من عمره المديد إن شاء الله ـ فى خدمة العلم والثقافة، والبحث والدرس العلمى الرصين، فقدم مئات البحوث والمقالات، وعشرات من الكتب المؤلفة والمترجمة، وأعداد لا تحصى من تلاميذه ومريديه الذين تتلمذوا على يديه سواء فى مرحلة الليسانس أو فى مرحلة الدراسات العليا (الماجستير والدكتوراه)، أو ما بعدها فلم يتوقف عن تقديم الدعم والمساندة لهم؛ إيمانًا منه بأن الدكتوراه هى البداية الحقيقة للباحث وليست النهاية كما يظن الكثيرون. 
 


فى المحافظة نفسها التى ولد بها عميد الأدب العربى طه حسين ولد عميد الدراسات الاجتماعية الدكتور أحمد زايد عام 1948م فى محافظة المنيا بصعيد مصر، وغادر قريته وجاء إلى المدينة لإكمال دراسته وهو فى الصف السادس الابتدائي. ويقول دكتور أحمد "الأسبوع الأول فى المدينة مر كما لو كان سنة"، واصفًا بذلك شعوره حينما جاء أول مرة إلى القاهرة. وحين سأله الكاتب الكبير السيد ياسين (1933-2017م)، عن شعوره بعد تقلده عمادة كلية الآداب جامعة القاهرة سنة 2004م واعتلائه كرسى طه حسين عبَّر عن ذلك قائلًا: " "شعورًا بالخوف يلازمنى منذ أن دخلت هذه المدينة" واستطرد قائلًا أن هذا الشعور "مازال يلازمنى حتى الآن.. الخوف من الفشل"، ولقد أثبتت الأيام نجاح أحمد زايد فى تحدى هذا الخوف وأنه غزل منه بساطًا خطى عليه بخطى واسعة لتحقيق أهداف ونجاحات مشهودة. 
وهذه النجاحات كان لها إرهاصات قديمة؛ إذ تنبأت له إحدى معلماته فى المرحلة الثانوية بأنه سيكون له مستقبل كبير فى التخصصات الأدبية، وكأنها نبوءة تحققت...وفى سبعينيات القرن الماضى تخرج فى كليته -كلية الآداب- وعُيِّن بها مُعيدًا، وكان شغله الشاغل الدائم هو القراءة والحصول على المراجع الجديدة، وترجمة نصوص تتعلق بدراسته، وقد تعلق زايد برموز كلية الآداب من كبار المفكرين وعبَّر عن ذلك قائلًا:"نسعد بالتعلم من الكبار والشبان، ونبتهج بالأيادى الحانية للشباب الأكبر سنًا التى كانت تربت على أكتافنا وتأخذ بعقولنا إلى آفاق جديدة من الفكر والحياة...لقد كانت النفوس صافية آمنة، وكانت الرغبة فى المعرفة رغبة جارفة، وكانت الآمال عريضة".
 


نجح زايد فى مسابقة للحصول على منحة "ناصر" من المجلس البريطانى لجمع المادة العلمية للدكتوراه، والتحق بجامعة إيست أنجليا، ويصف سنى دراسته بأنها "كانت أعوامًا مليئة بالدراسة والانجاز واكتساب الخبرة"، وقضى سنتين كاملتين عاد بعدهما لإكمال الدكتوراه فى مصر، والتى حصل عليها عام 1981م عن البناء السياسى فى الريف المصري. ولم تكن إقامته فى إنجلترا ... لمجرد الحصول على الدكتوراه، بل كانت لها أبعاد ثقافية واجتماعية مهمة، فمكث غير بعيد عن الثقافة، بل انغمس فيها انغماسًا كبيرًا، فشاهد المسرح والأوبرا، وزار معظم المتاحف وصالات العرض الفني، وقرأ أدبًا باللغة الإنجليزية. وقرأ فى كافة صنوف العلم والمعرفة، وليس فقط فى علم الاجتماع الذى تخصص فيه وإنما فى الأدب والفلسفة والتاريخ ... وغيرها. الأمر الذى يفسر موسوعية هذا العالم الذى يُعد من أكثر علماء الاجتماع إنتاجًا وأقواهم تأثيرًا فقد كرس حياته فى الإنتاج العلمى والمعرفى المتميز فهو دائم الاشتغال بالبحث العلمى طوال مراحل حياته العلمية فأنتج لنا نصوصًا وكتابات مميزة وذات قيمة علمية كبيرة يستفيد منها القاصى والداني، والمتخصص فى علم الاجتماع وغير المتخصص، ضاربًا بذلك القدوة والمثل لكافة تلاميذه ومريديه فى مصر وسائر الوطن العربى بأن العلم الحقيقى لا يرتبط بالحصول على درجة علمية أو ترقية وظيفية، وإنما هو الارتقاء بالأمة ونهضتها وإنارة المجتمع من خلال نشر العلم والمعرفة وغرس القيم الأخلاقية والإنسانية والسلوكية بين أفراده. 
 
وعندما تقرأ كتابات الدكتور أحمد زايد تقرأ نمطًا جديدًا من الكتابات السوسيولوجية المعاصرة، نمطًا يُقدم نظرة حداثية تدمج علم الاجتماع بالفلسفة وتُقدم نصوصًا واضحة الهدف وجلية المقصد، نصوصًا أنتجها عقل متأمل فى غدٍ أفضل وروح محملة بأفكار يوتوبية تدخل البهجة على المجتمعات المعاصرة. فهو صاحب فكر جديد تخلق من خلال قراءة التراث الدينى والفلسفى والتاريخى السابق عليه، ليتمكن من تأسيس أفكار ونظريات أكثر كفاءة فى فهم الواقع وتفسيره، ومن ثم تغييره إلى الأفضل والأجود. 
 


ومن نافلة القول أن أحمد زايد كان له قدم السبق فى الاهتمام بالأبعاد النقدية الخاصة بدراسات علم الاجتماع؛ وذلك ظهر منذ البداية عندما قدم أطروحته للحصول على درجة الماجستير تحت عنوان: "الاتجاهات النقدية الحديثة فى علم الاجتماع الغربي" عام 1976م، وقد اهتم بمشكلات بحوث علم الاجتماع فى مصر، وتناول دراسات المجتمع المصرى واضعًا بذلك "شروط إنتاج المعرفة السوسيولوجية العربية" ليصل إلى "مستقبل البحث الاجتماعى فى مصر" بـ "جامعة جديدة وإنسان أكاديمى جديد".
 نبذ الدكتور أحمد زايد فكرة التقليد الأعمى وطرح أفكارًا تجديدية خلاقة ونقد الواقع البحثى فى العلوم الاجتماعية فى مصر وكثير من البلدان العربية قائلًا:"إن المنظومة العلمية تتشكل ويُعاد إنتاجها على نفس طريقة إنتاج الحداثة البرانية فى المجتمعات التى تقع على أطراف العالم الرأسمالي، حيث يتشكل العلم هنا فى نطاق أطر جامدة وقوالب أبوية فيعيد إنتاج نفسه فى حالة من الانغلاق والتوقف"، وهو ما عبر عنه فى بحثه "بحوث علم الاجتماع فى مصر وإعادة قراءة المنهج" بأنها حالة "الذهول عن المقاصد" "التى تدل على أن الباحث إما أنه لا يعرف القصد بما عاين أو نقل، وإما أنه سار فى مسلك البحث على ما فى ظنه وتخمينه لا على ما تقتضيه طبيعة الموضوع، فيقع الكذب أو بلغتنا الحديثة يأتى البحث بنتائج قد لا ترتبط بالضرورة بالمقدمات الافتراضية أو بالأهداف التى يسعى لتحقيقها"، وهى نفس تلك الحالة التى أطلق عليها ابن خلدون وهو ينقد المؤرخين من قبله قائلًا:"فكثير من الناقلين لا يعرف القصد بما عاين أو سمع وينقل الخبر على ما فى ظنه وتخمينه فيقع منه الكذب". 
 
وقد اهتم سيادته بالخطاب الدينى اهتمامًا كبيرًا، ومن أشهر كتبه فى هذا الموضوع كتابه الصادر عام 2007م تحت عنوان "صور من الخطاب الدينى المعاصر"، وكتابه الصادر حديثًا عام 2017م تحت عنوان "صوت الإمام...الخطاب الدينى من السياق إلى التلقي"، ولم يقتصر هذا الاهتمام على إعداد كتب ودراسات بل وجه طلابه لدراسته إذ أشرف على رسالتى دكتوراه فى هذا الإطار أجيزتا فى عام 2016م، وهما: "تلقى الخطاب الدينى فى مصر- دراسة مقارنة بين طبقات اجتماعية مختلفة"، و"النخب الدينية الإسلامية فى مصر- تحليل سوسيولوجى لبعض أنماطها". 
 ولم تغب المرأة المصرية عن كتابات الدكتور أحمد زايد بدءًا بالدراسة الرامية إلى التنمية الشاملة لأوضاع المرأة، ومرورًا بدراسات المرأة فى المجتمع ووصولًا إلى الخطاب المنادى بتحرير المرأة. وفتح ملف الأسرة وأعاد قراءته قراءة نوعية جديدة، تُثبت أنه من الأسرة يمكن فهم الكثير من المشكلات المؤثرة على المجتمع، ولهذا قدم عدة دراسات منها: "الشراكة داخل الأسرة"، و"الأسرة المصرية وتحديات العولمة"، و"الأسرة والمدنية والخدمات الاجتماعية: المنظور السوسيولوجي".
 
 وقد قام زايد بدراسة ظاهرة العنف كأحد الظواهر المجتمعية ووضع قراءة فى أدبياتها، وقدَّم مفهومها وأنماطها وعواملها، ورصدها فى الحياة اليومية فى المجتمع المصري، وبين طلاب المدارس، وقدَّم دراسة توضح دور الجمعيات الأهلية فى مواجهة العنف، وأخرى عن مجتمع البلطجة وآليات ضبطه. 
 كما قدم عدة دراسات عن الشخصية المصرية؛ فغاص فى سماتها بين الثوابت والمتغيرات، وتناول أبعاد الشخصية القومية المصرية، وبلور ذلك كله فى وضع منظومة جديدة للقيم داخل المجتمع المصري. وعالج موضوع الحداثة والعولمة بأطروحات جديدة تتميز بالعمق منها: "تناقضات الحداثة فى مصر"، و"عولمة الحداثة وتفكيك الثقافات الوطنية".
 
 وعلى الرغم من اهتمامه البالغ بنظريات وأبحاث وقضايا علم الاجتماع على المستوى الأكاديمى والجامعى ومشاركاته المعروفة فى هذا الصدد مصريًا وعربيًا ودوليًا إلا أنه اتجه إلى خدمة قضايا المجتمع التى يئن منها الناس، فيترقب الكثيرون بكل شغف المقال الأسبوعى له فى جريدة الأهرام يوم السبت من كل أسبوع الذى يحرص على كتابته ويطرح فيه رؤية وتحليلًا وحلولًا لكثير من القضايا المطروحة على الساحة. 
 وعلى صعيد آخر أسس الدكتور أحمد زايد جمعية منتدى القراءة وهى جمعية أهلية تعمل على تشجيع القراءة وتنمية مهاراتها، ووضع شعاره "لا أحد منا يعرف شيئًا"، على الرغم من أنه قد قرأ معظم الكتب التى تُقرأ فى المنتدى من قبل، ولكنه يقرأها مع مرتادى المنتدى وكأنه يقرأها لأول مرة؛ تواضعًا من سيادته، ولأنه يريد تنمية الحس النقدى وحب القراءة لدى تلاميذه ومريديه. ويؤكد على ذلك بقوله:"إننا نؤكد على أن تحقيق المقاصد المنهجية على نحو دقيق لا يتم بتوجيه النصائح أو رسم الخطط للباحثين أو حتى تدريبهم على مناهج البحث فقط، ولكنه يتم من خلال مواجهتهم النقدية...والبحث عن أسس جديدة للدرس والكتابة". وفى هذا المنتدى المهم نجد زايد ورواد المنتدى يقرأون تارة ويناقشون تارة أخرى ويعرضون كتبًا تارة ثالثة. 
 
 تلك هى إطلالة موجزة فى حياة عالم مصرى امتلأ قلبه بحب الوطن فحمل همومه وغاص فى شئونه، وفهم أبعاد الواقع الاجتماعى وقام بتشخيصه وتفسيره وتحليل عوامله ونقده بقدرته الثرية ذات الرؤى الفلسفية المتأملة فيما حولها من الموجودات، المدعمة بالأطر النظرية فكان له حظ ونصيب وافر بالإسهام فى وضع دراسات متعمقة وأصيلة فى الدراسات الاجتماعية؛ ليضع من خلالها حلولًا ويقدم أطروحات تساعد فى معالجة الكثير من القضايا الاجتماعية. كل كلمات الشكر لا تكفى ولا توفيه حقه، فندعو الله أن يرعى عقلًا فياضًا بنور العلم، وأن يحفظ نفسًا مضت إلى الإبداع دون توقف فتزيَّن الزمان بعلمها وأنارت سمائنا ببريقها. 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع