حياة

عاش أكثر من خمسين عامًا فى القاهرة رافضًا التخلى عن لهجته الصعيدية..

عبدالعال الحمامصى.."عرندس الجنوب وجنتلمانه"

لا أذكر متى توطدت علاقتى بالراحل الكبير عبدالعال الحمامصى، أول لقاء بيننا كان فى ندوة الفجر بكازينو الجزيرة بالمنيل مع د. يسرى العزب وآخرين.
لفت نظرى اهتمامه بمظهره، كان يرتدى ملابس غالية وماركات وأحذية لميع تخطف الأبصار، مثل ممثلى السينما تمامًا، حسبته ثريًا، وقلت فى نفسي: الرجل يعمل صحفيًا بمجلة أكتوبر، والصحفيون يتقاضون "الألوفات"، لكنى فوجئت به يسكن فى شقة بالدور الأول بشارع الصناديلى بالجيزة، منطقة شعبية يعنى، وأن سيارته التى تقودها زوجته السيدة الفاضلة ابنة الناس عليها رحمة الله، فيات 128.
بعدها بسنوات، ويبدو أنه باع قطعة أرض ورثها، أو حصل على مكافأة نهاية الخدمة، أو هبطت عليه ثروة من حيث لايدرى، اشترى شقة أعلى نفق الهرم، ذهبت إليها ولم أجدها فخمة بالمعنى الذى توقعته، لكنها فى كل الأحوال كانت فى برج كبير وعلى أول الهرم، وأفضل كثيرًا من شقة الدور الأرضى فى شارع الصناديلى.



كان شعاره الصيت ولا الغنى، يرتدى – كما قلت لك- أفخم الملابس وأحدث الأزياء، ويرتاد أفخم المطاعم، ولايعمل حسابًا لأى شيء، يصرف ما فى الجيب ليأتيه ما فى الغيب، يأتى أحيانًا، وأحيانا أخرى لايأتى، مثلنا جميعًا نحن الذين ضاربينها صرمة.
كان كلما سرت معه فى وسط البلد، يتوقف كثيرًا أمام محلات بعينها معروف عنها أنها تبيع الملابس المستوردة مرتفعة الثمن، يظل ينظر إلى القميص أو البنطلون ويسألنى رأيى فأقول شيك جدًا بس سعره غالى قوى، فيقول على الطلاق لاشتريه وإللى يحصل يحصل.
أظن أن علاقة حب قوية ربطت بين الأستاذ الحمامصى وبين السيدة زوجته أم وليد وداليا، وأظن كذلك أن السيدة، التى كانت تنتمى إلى عائلة كريمة، كافحت كثيرًا معه، وعاشت معه على الحلوة والمرة، كثيرًا ما شاهدته فى سنواته الأخيرة يصطحبها إلى مطعم شهير فى وسط البلد لتناول العشاء سويًا، وكنت أعجب بالأجانب المتقدمين فى السن الذين أشاهدهم يحتفون بزوجاتهم، وأقول أكيد تزوجوا عن قصة حب عظيمة، وإلا كان ولع فيها وخلص، كان الحمامصى، ابن الصعيد، مثلهم تمامًا فى احتفائه بالسيدة زوجته، وهى بالتأكيد تستحق، فالتى تتحمل أديبًا- أى أديب – بنزقه وجنونه وتقلباته، كل تلك السنوات تستحق أن يكون زوجها كريمًا ولطيفًا معها ومحتفيًا بها، وكان الحمامصى كذلك.
ذكرياتى مع عبدالعال الحمامصى لاتعد ولاتحصى، وأهمها بالطبع ما عشته معه فى بلدته أخميم بمحافظة سوهاج، حدث أن الثقافة الجماهيرية، وبالاتفاق مع أبناء وعائلات أخميم، قررت عمل مهرجان سنوى باسم ابن أخميم البار عبدالعال الحمامصى، أسميناه مولد الحمامصى.
أول مرة ذهبت إلى هناك، فوجئت بالطبل والمزمار البلدى والخيول فى انتظارنا على محطة القطار فى سوهاج، وكذلك المحافظ والأدباء وكبارات البلد، مشهد لم أره من قبل فى أى مكان، وأمسيات قضيناها فى أخميم مازالت محفورة فى ذاكرتى، قصائد وشهادات من أدباء سوهاج فى مديح الحمامصى الذى شرف بلده وأهله وناسه، وعزومات لاتنقطع- نحن فى الصعيد الأسطورى- كل يوم نحن فى ضيافة إحدى العائلات، وعلى رأسها عائلة الشريف والحاج قدرى الشريف وأولاده، ولن أحدثك عن نوعيات الطعام المذهلة التى كنا نتناولها، وياويل من يرفض أو يتناول القليل منها، موائد ممتدة بالأمتار وسفرجية وطباخون، وكأنك دخلت فى الأساطير فعلًا.
 


كانت إقامتنا فى استراحة كبار الزوار التى بناها السادات لنفسه على النيل ولم ينزل بها ولا مرة، وأذكر أن المحافظ كان وقتها اللواء أحمد عبدالعزيز بكر، كان يمضى السهرة معنا كل يوم فى الاستراحة تقديرًا لعبدالعال الحمامصى وصحبته التى ضمت العديد من كبار أدباء مصر أذكر منهم الروائى الكبير محمد جبريل، والروائى الكبير الراحل جمال الغيطانى، ود. يسرى العزب وغيرهم.
وحدث أن الأستاذ الحمامصى الذى كان شرهًا فى تدخين الشيشة ويأكل المعسل أكلًا، أراد أن يدخن وكانت الثانية صباحًا والمقاهى المحيطة بنا أغلقت، لكن العاملين فى الاستراحة تصرفوا وأحضروا شيشة معتبرة، رغم أن ذلك كان ممنوعًا فى استراحة كبار الزوار، لكنه عبدالعال الحمامصى ابن سوهاج البار.
رافقته كثيرًا فى رحلات إلى محافظات مصر، وكان أول شيء يسأل عنه عند وصولنا إلى المحافظة هو القهوة، لايسأل عن طعام أو شراب أو مسكن، المهم فين القهوة حتى يدخن الشيشة، ولا أذكر أننى ذهبت معه إلى أى مقهى وسمح لى بأن أضع يدى فى جيبى، كان كريمًا وأبًا حانيًا بشكل مبالغ فيه.
 


من الملابسات الطريفة التى حدثت ذات مولد، أن هناك عائلة فى أخميم اسمها عائلة العجيمى، كانت معنا وقتها الإذاعية القديرة هدى العجيمى، فاعتبرتها العائلة ابنتها التى شرفتها فى مصر أم الدنيا، وأقامت صيوانًا ضخمًا لتكريمها ومدت الموائد هى الأخرى، وظل أفرادها يرقصون على أنغام الطبل والمزمار البلدى مرددين " عجيمى ياولد .. عجيمى ياولد" رغم أن الأستاذة هدى من بورسعيد أصلًا ولم نعرف هل عجيمى بورسعيد فرع من عجيمى أخميم أم أن الأمر مجرد تشابه اسماء، لكنه فى النهاية كرم الصعايدة وجدعنتهم.
وحدث أيضًا أن المحافظ قرر إطلاق اسم عبدالعال الحمامصى على أحد شوارع أخميم، وكان الشارع يحمل اسم إحدى العائلات وجاء أفرادها مرحبين بالحمامصى وصحبه،وخجل الحمامصى أن يتم نزع اللافتة القديمة ووضع اللافتة التى تحمل اسمه بدلًا منها، وأقسم بالطلاق ألا تزال اللافتة، وفى المقابل أقسم أفراد العائلة أن تزال، ولم يحل الأمر سوى المحافظ ذات نفسه.
تعرفت عن قرب على معظم أدباء سوهاج من خلال مولد الحمامصى: جميل محمود عبدالرحمن، مصطفى رجب، فاروق حسان، محمد عبدالمطلب، أبو العرب أبو اليزيد، أحمد عبدالعزيز المنشاوى، خيرى السيد إبراهيم، أوفى الأنور، مصطفى خلف، محمد أبو الدهب، وزميلنا السيد رشاد برى، وكان طالبًا مازال ويأتى إلى المهرجان ويلقى بقصائد عمودية رصينة.
أمضيت يومين فى بيت الشاعرياسر الزيات فى كوم العرب مركز طما، كنت سبقت وفد الأدباء المشاركين فى مهرجان الحمامصى إلى سوهاج، وأمضيت مثلهما فى بيت محمد الحمامصى فى أخميم، وأكلت الحمام المحشى بالفريك لأول مرة فى حياتى فى بيتهم، كنا نأكله بالأرز، لكنها كانت المرة الأولى التى أتعرف فيها على الحمام المحشى بالفريك الذى يشر سمنة.. تقريبا أصابنى انسداد فى الشريان بعدها.
أحببت سوهاج بسبب الحمامصى، ناسها وأدباءها، قهوة رباب التى على النيل، وقهوة الغول فى البر التانى، والعرابة المدفونة، وكنت أول من شاهد تمثال ميريت آمون عندما اكتشفوه فى أخميم، وهو من أروع التماثيل الفرعونية إن لم يكن أروعها على الإطلاق، وشاهدت مصانع الحرير العتيقة فى أخميم، ولا أدرى هل مازالت تعمل أم طواها الإهمال والحرير الصناعى، كما طوى أشياء أخرى كثيرة.



ومن المواقف الطريفة التى لا أنساها أننا كنا ذات مرة فى أحد الفنادق الكبرى وكان معنا الشاعر الكبير محمد عفيفى مطر عليه رحمه الله، والشاعر مهدى مصطفى، ود. يسرى العزب، والراحل الكبير عبدالفتاح رزق عليه رحمة الله ايضًا، ولم تعجبنا معاملة الجرسونات، فطلب الحمامصى أن يأتوا له بالمدير، وعندما جاء الرجل قال له " أنا عبدالعال الحمامصى" ولم يكمل الجملة حيث قاطعه المدير قائلًا" حكمنا الدولى الكبير أهلًا بك يافندم والفندق كله تحت أمرك" وأمر الجرسونات بتلبية طلباتنا كافة، وساعتها قلنا للأستاذ الحمامصى" مشيها حكمنا الدولى الكبير خلينا ننبسط" وكان هناك حكم دولى شهير اسمه عبدالسلام الحمامصى تحول بعد الاعتزال إلى مذيع يعلق على المباريات ثم انقطع إرساله!
كان الحمامصى طفلًا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، يتأثر لأبسط المواقف، وكانت دمعته قريبة كما يقولون، وكثيرًا ما شاهدته يبكى لمواقف إنسانية قد يشاهدها الكثيرون ولايحركون ساكنًا، وفضلًا عن طفولته كان الحمامصى، على تجهمه ولهجته الصعيدية التى ظل محتفظًا بها طوال حياته فى القاهرة التى تجاوزت الخمسين عامًا، رجلًا خفيف الظل، بسيطًا وابن نكتة، سافر إلى الصين ذات مرة مع ثروت أباظة، وعاد بخلطة قال إنها سحرية، فهى تعيد إنبات الشعر من أول وجديد، وقال على الطلاق لأرجع لكم شاب من تانى، وقال إنه سيدهن منها كل يوم، وطلب منى أن أتابع معه عملية الإنبات، وفى كل مرة يعطينى رأسه لا أرى شيئًا جديدًا، وهو يصر أن هناك شعرة نبتت ويقول بص كويس، وفى النهاية وبعد أن خلص على الخلطة تمامًا قلت له خيرها فى غيرها، الهند فيها خلطات أحسن وأسرع، عندما تسافر إلى هناك أحضرها، لكنه لم يسافر إلى الهند بعدها.
 


عمل الحمامصى – كما أخبرنى – فى مهن كثيرة قبل أن يلتحق بالعمل الصحفى، ومنها مهنة الإنتاج السينمائى التى عمل بها مع خاله عدلى المولد، وعرفت سر تأنقه وحرصه على شياكة ملابسه، وقال إن أول رواية كتبها كان عمره ستة عشر عامًا، وطبعها فى سوهاج، ومجاملة لأحد أصدقائه وضع اسمه معه على الغلاف كمؤلف مشترك، وإن كنت لا أعرف مصير هذه الرواية ولا أين ذهبت.
ورغم الموهبة الكبيرة التى كان يتمتع بها عبدالعال الحمامصى، فإن إنتاجه الأدبى لم يكن كبيرًا، يبدو أن العمل العام، ورغبته فى أن يوفر حياة كريمة ولائقة لأسرته، شغله عن إبداعه، وإن كان قد ترك لنا أعمالًا مهمة وجميلة مثل " بئر الأحباش، و" للكتاكيت أجنحة " و" هذا الصوت وآخرون"،و"يوحنا الأمريكى ينتحر فى الحانة" كما كتب عدة مسلسلات إذاعية، وظل طوال عمره يحلم باستكمال رواية قال إنه يكتبها بعنوان " أخميم حبيبتى" ولا أدرى هل بدأ فيها فعلاً أم أنها كانت مجرد حلم لم يتحقق.
 
وفضلًا عن أعماله الإبداعية ترك لنا عدة أعمال أخرى منها " القرآن معجزة كل العصور" والبوصيرى المادح الأعظم للرسول" و"راحلون فى وجدانى" و" هؤلاء يقولون فى السياسة والأدب" و"أقلام فى موكب التنوير" و"أحاديث حول الأدب والفن والثقافة"و" هكذا تكلم نجيب محفوظ".
 


وإذا كان إنتاجه الأدبى قليلًا، فإن دوره الذى لعبه فى تقديم الأدباء الشباب لايمكن إنكاره، سواء عن طريق نشر أعمالهم فى المنابر التى عمل بها، أو من خلال سلسلة " إشراقات" التى تصدر عن هيئة الكتاب وهو مؤسسها وأول رئيس تحرير لها، أو من خلال أحاديثه الإذاعية عنهم، وغير ذلك الكثير.
فى إحدى المرات كنا فى العريش، وكان الوقت شتاء والمطر ينهمر، كنا بعد منتصف الليل، أردنا أن نداعبه أنا وبعض الأصدقاء، منهم يسرى السيد ومصطفى القاضى، اتصلنا على حجرته وقلدنا صوت سيدة، قالت :أستاذ حمامصى أنا بكتب قصص قصيرة ونفسى أعرضها عليك دلوقتى حالًا، قال الصباح رباح، فردت بلاش تكسفنى بقى ياصعيدى أمال بيقولوا الصعايدة جدعان إزاى؟ أنا فى انتظارك على البحر وياريت تيجى لوحدك لو سمحت.
 

تربصنا بالأستاذ الحمامصى وأحطنا بالشاليه الذى يقيم فيه، وجدناه خارجًا حاملًا عصاه ومرتديًا بالطو وكوفية فوق ملابسه اتقاء للبرد الشديد، سألناه على فين، قال زهقان وطالع اتمشى على البحر شوية، قلنا نأتى معك، قال بقول زهقان وعايز ابقى لوحدى، قلنا مش هانسيبك، نظر إلينا وتأمل ملامحنا وإصرارنا، ويبدو أنه هرش الفولة فصاح فى وجوهنا ياولاد الكلب ياجزم خرجتونى فى عز البرد، أنا والله الست صعبت على، مين الكلب فيكم إللى عمل ست، وانطلق وراءنا يطاردنا بعصاته.
لا أعرف من أطلق عليه لقب " العرندس" كان يحب أن نناديه به، بحثت عن المعنى فى المعجم الوسيط فوجدته يعنى الأسد الشديد، أو الجمل الشديد الطويل، وقلت والله يستحق اللقب ويليق به، فقد جمع بين صبر الجمل وبين قوة الأسد وعظمته وكبريائه.
رحم الله الأستاذ عبدالعال الحمامصى الذى بحثت له عن صور على " جوجول" فلم أظفر سوى بالقليل.. ولم تنقذنى سوى ابنته داليا، على قدر ما استطاعت. 
هييه.. دنيا!!!!
 
 

(35 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع