حياة

عاشت الأسامى..

"السويس" نهاية فرعون وقلزم الرومان وسوايسة الغريب

من منا لا يتذكر ملحمة صمود السويس أيام 24 أكتوبر 73 وكيف كتبت هذه الملحمة أعظم رواية كرامة والزود والدفاع عن أرض الوطن التى خضبت بدم الشهيد.. فكلما حلت هذه الذكرى التى صارت عيدا قوميا للسويس كل عام، تلقائيا وفى شعور لا إرادى تجد حناجر السوايسة أحفاد قبل أجداد وقد التهبت تردد أغانى المقاومة وهى أشد وقعا من لهيب النيران، فالجميع أبدا لايمكن أن ينسى هذه الملحم بل الملاحم التى نسجتها خيوط حكاية نشأة السويس ومن أين اكتسبت اسمها.
 
فهى من المدن الموغلة فى القدم، وعرفت أنها مقبرة دائمة للظالمين والغزاة، إذ يرجع تاريخ إنشائها لزمن الأسر الفرعونية الأولى، حيث عرفت باسم «سيكوت»، ويقال إن الفصل الأخير من قصة نبى الله موسى عليه السلام وفرعون جرى على تلك الأرض، عندما انشق البحر، وعبر موسى ومن معه، وغرق فرعون.
 

مسجد الأربعين
وفى زمن الاحتلال الرومانى لمصر تغير اسمها إلى «كاليزما» أو «القلزم»، وسميت بالقلزم لأنها المدينة التى تبتلع الأشياء وتهضمها بسهولة؛ ولذلك سمى المصريون القدماء والأعراب البحر الواقع بين الأراضى المصرية وشبه الجزيرة العربية باسم "بحر القُلزُم"، هو التسمية القديمة للبحر الأحمر، وقديما جدا كان يطلق عليه بحر الحبشة، وفى زمن الفتح العربى تبدل الاسم إلى السويس، ويعتقد بعض المؤرخين أن سيدى الغريب هو السبب وراء تبديل تسمية القلزم للسويس، لأنه كان ينادى على الناس أثناء معركته مع القرامطة، ويقول «أقدموا سواسية ترهبون أعداء الله»، ويروى أهالى السويس أن الولى «سيدى عبد الله الغريب» اسمه الحقيقى «أبويوسف بن محمد بن يعقوب بن إبراهيم بن عماد»، وكان قائداً عسكرياً عرف بالتقوى والزهد، وحضر إلى السويس على رأس فرقة عسكرية لمحاربة قطاع الطرق من القرامطة الذين قطعوا طريق الحج، وهددوا أمن المسافرين، وعندما علم بذلك عبد الله المهدى مؤسس الدولة الفاطمية فى بلاد المغرب قام بإرسال حمله عسكريه بقيادة أبى يوسف بن محمد بن يعقوب بن إبراهيم بن عماد، وتقدم نحو بلبيس، ومنها إلى القلزم - السويس حالياً - عام 320 هجرية، والتقى مع القرامطة فى معركة حاسمة عند القلزم، واستشهد فى المعركة ليلة الجمعة 17 من ذى القعدة عام 320 هجرية، ودفن فى الضريح الذى أقامه السوايسة له الآن مع أربعة من مشايخ الصوفية الذين كانوا معه فى المعركة، وهم الشيخ عمر والشيخ أبو النور والشيخ حسين والشيخ الجنيدى، وعندما حاصر اليهود المدينة، وقطعوا عنها المياه الحلوة من ترعة الإسماعيلية، لإجبار أهلها على الاستسلام، تفجر فيها إحدى الآبار القديمة لتروى أهل السويس وأبطال المقاومة الشعبية أثناء الحصار
ويطلق على المنطقة التى يوجد بها مسجد ضريح سيدى عبدالله الغريب حى الغريب، وهو من أشهر، وأقدم الأحياء فى السويس، ويتبرك أهل المدينة بهذا الولى الصالح، ويطلقون عليه «حامى السويس الغريب».
 


ومن القصص العجيبة التى يتناقلها أهالى السويس عن نقل رفات سيدى الغريب أثناء توسعة المسجد، حيث يؤكدون أنه عند البحث عن الرفات لم يجدوا أى شيء، مما دفع البعض للتشكيك فى قصة سيدى الغريب واعتبروها حكاية خرافية ليس لها أساس من الصحة، إلا أن القائد الفاطمى جاء فى المنام فى رؤيا للشيخ حافظ سلامة وأخبره أنهم يحفرون فى المكان الخطأ، ودله على المكان الصحيح، وبالفعل أخبر الشيخ حافظ القائمين على العمل بالمكان الصحيح، كما شاهد فى الرؤيا، وحفروا ووجدوا جثمانه، كما هو لم يتحلل، وبجواره قدمه التى قطعت أثناء المعركة.
 
وإلى جانب رواية سيدى الغريب ستجد عشرات من القصص والحكايات التى تدور جميعها حول بركات وكرامات أولياء الله الصالحين ممن تتوزع أضرحتهم فى أرجاء المدينة كافة ويتردد عليها السوايسة، إلى جانب أبناء المدن الأخرى، وهناك أيضاً سياح عرب ومسلمون من جنسيات مختلفة كنوع من السياحة الدينية التى تشتهر بها السويس، فعلى أرضها غير ضريح سيدى الغريب أضرحة عديدة.


العيون الكبريتية بالعين السخنة

يأتى فى مقدمتها مسجد وضريح سيدى الأربعين، وهو ولى آخر يقدره السوايسة، ويعتبرون ضريحه من أهم ملامح تاريخ المدينة، وترجع قصة مسجد سيدى الأربعين إلى أربعين ولياً صالحاً، قدموا للسويس من المغرب، والجزائر، وتونس، وعندما توفى آخرهم دفن فى ضريح بناه أهل السويس له، ويقول أهل السويس أن الأولياء الأربعين قدموا إلى المدينة مع بدء حفر قناة السويس، وكانوا رجالاً صالحين ومجاهدين، قاوموا نظام السخرة، وهونوا كثيراً على العمال العاملين فى الحفر، وعلموهم الكثير من أمور الدين، فالتف الناس من حولهم إلى أن ماتوا واحداً تلو الآخر، وأطلق الأهالى على آخرهم لقب الأربعين، ودفنوا جميعاً فى مكان واحد.
 
وجغرافياً إذا نظرت وتأملت موقع السويس على الخريطة، تشعر وكأنك أمام شبه جزيرة تنام بوداعة عند المدخل الجنوبى لقناة السويس، ومن حولها تمتد سلسلة جبال شاهقة الارتفاع، مما يعطى المدينة منظراً مدهشاً، وهى مقسمة إلى خمسة أحياء سكنية «السويس والأربعين وعتاقة وفيصل والجناين»، إلى جانب منطقتى بور توفيق والعين السخنة، كما تمثل صحراء السويس مصدر جذب لهواة الصيد، لما تزخر به من حيوانات برية عدة، أبرزها غزال الدوركاس، وثعلب الصحراء الصغير، والوعل الجبلي، والأرنب المصري، ونوعان من اليرابيع «قوارض تشبه الفأر»، لديها أرجل خلفية طويلة تساعدها على القفز، وهناك أيضاً حيوان ابن آوى المصري، وأنواع متعددة من القطط البرية، والنمس المخطط.
 

السويس ارض الصمود
ولايمكن لمن اعتاد أن يزور السويس ويتجول بين أحيائها وشوارعها وأزقتها، أن تخطئ أو تتخطى عينيه تلك العادات والتقاليد التى تموج بها السويس، لا سيما تلك المتعلقة بحب أهلها للغناء على السمسمية، وهى آلة وترية شعبية ذات خمسة أوتار تتبع السلم الخماسي، مثلها مثل الربابة والطنبورة، وتستخدم لإحياء المناسبات السعيدة فى السويس، وفى حفلات الزواج تنتهى السهرة بحنة العريس أو العروس، ومن هنا يطلق السوايسة على حفلات السمسمية الحنة السويسي.
 
وليس فى الأفراح فقط يحيا صوت السمسمية، فيمكنك الاستمتاع بها من على أى من مقهى من مقاهيها، حيث تجد فى كل مقهى لا سيما فى المساء جلسات سمسمية، تعرف بالقعدة، يجتمع خلالها أبناء الشارع والحى من القريبين من المقهى، ويتبادلون العزف والغناء وابتكار مونولوجات وأغانى جديدة.
 


وحتى المبانى فى السويس تحتفظ بروح الكفاح والزود عن أصالتها وقدمها، فما أنت تنظر إليها تشتم عيناك وترى أنفك عبق التاريخ والتنوع من القدم إلى الحداثة، حيث يبدو جلياً المعمار الإنجليزي، والفرنسي، والإيطالي، واليوناني، فى بنايات شيدت فى عهد الاستعمار، ووجود أبناء الجاليات الأوروبية فى مدخل قناة السويس لإدارتها التى دامت 100 عام، ولا تزال تحافظ على تماسكها إلى الآن، وأيضاً تجد المعمار التركى حاضراً فى المساجد سواء فى المبنى أو فى نقوشه ومختلف الديكورات.. وهناك قصر محمد على الأثري، وكذلك الآبار التى كان حجاج بيت الله يتوقفون عندها لتناول ما يحتاجون إليه من ماء، إلى جانب متعة مشاهدة جبال عتاقة ونفق الشهيد أحمد حمدي.

 
المقاومة الشعبية فى السويس

بالقطع لايمكن أن تنسى منطقة العين السخنة، التى سميت بهذا الاسم لكثرة العيون الكبريتية الساخنة بها، والتى تستخدم للاستشفاء، ويتوافر فى هذه العيون الطمى الكبريتي، بما له من خواص علاجية تعالج العديد من أمراض العظام والجهاز الهضمى والجهاز التنفسى والأمراض الجلدية وغيرها.

(67 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع