حياة

عاشت الأسامى..

"أبو زعبل" الصيت للسجن والفعل للقطن

كلما تسلمت تقريرا صحفيا من أحد الزملاء يتحدث عن أخطاء الأطباء وغيابهم عن أداء عملهم فى مستشفيات أترحم على الطبيب المصرى أيام زمان وكيف كان يتمتع بالرقى والعطاء الإنسانى، والطبيب الآن وكيف صار شرسا مشغولا بجمع المال والثروة حتى لو كانت البضاعة بشرا.
 
وبالبحث فى الوثائق القديمة، لم أجد عهدا اتسم فيه الأطباء بالإنسانية والأمانة أفضل من عهد محمد على حتى الآن، فقراءة متأنية لقسم "أبقراط " الذى تستخدمه نقابة الأطباء حاليا عند منح عضويتها للخريجين من الأطباء الجدد، ومقارنته بقسم الأطباء فى عهد محمد علي، تستطيع إن تلاحظ وبمنتهى السهولة أن هناك فرقا شاسعا فى مدى أهمية التزام الطبيب بالأخلاق والإنسانية، فقد نص عهد الأطباء فى فترة حكم محمد على وبصراحة على ضرورة أن يكون الطبيب على درجة من الإنسانية والالتزام بمساعدة الفقراء وعدم طلب أجرة منهم وشروط البر والصلاح والحفاظ على أسرار البيوت وألا يستعمل مهنته فى إفساد الخصال الحميدة، وهو بكل بساطة ما تفتقده مهنة الطب اليوم حيث غلاء الأسعار وتجارة الأعضاء وحرمان المرضى الفقراء من دخول المستشفيات المجهزة أو الاقتراب منها أو حتى الحلم بها.
 


كانت هذه مقدمة كان لابد منها قبل أن اتحدث عن أصل اسم أبوزعبل الذى يعتقد البعض أنه اسم لسجن معروف أنه واحد من أشد السجون حراسة وعقابا، وليس لواحدة من قرى محافظة القليوبية قدرها كان أن يبنى فيها هذا السجن، لدرجة أنه لو سألت شخصا من هذه القرية من أين أنت ؟.. يتردد ويتلعثم فى الإجابة وكأنه سيتورط أو يرتكب جرما إذا قال أبوزعبل.. مع أن حقيقة أصل ذلك المسمى لاعلاقة له على الإطلاق بهذا السجن،، فأبو زعبل لمن لا يعرفون تاريخها ما هى إلا قرية صغيرة اكتسبت اسمها من شهرتها بزراعة سلالة من سلالات القطن اسمها "أبو زعبل" وليس كما يعتقد البعض أنها أخذت اسمها من ذلك السجن الذى أنشئ هناك فيما بعد. 
ولكن ما علاقة أبوزعبل بمقدمة الحديث عن الطب والأطباء فى عهد محمد على والفرق بينهم وبين أطباء هذا الزمان، فلو يعلم هؤلاء أن محمد على عندما قرر أن يكون فى مصر مهنة للطب، لم يجد أفضل من قرية أبوزعبل ينشئ فيها أول مدرسة للطب سنه 1827 فهى من أجمل الأماكن فى ريف الدلتا التى تمتاز بنقاء وصحة مناخها وصفاء سمائها.
 

مدرسة الطب بـ"أبو زعبل"

 ويكفى أهل أبوزعبل فخرا أن يعرف هؤلاء الواهمون أن أول طالب التحق بمدرسة الطب كان فى أبوزعبل وهو محمد على البقلى باشا من قرية زاوية البقلى مركز تلا المنوفية سنة 1815 أرسله محمد على باشا بعد ذلك إلى فرنسا فى نوفمبر 1832 لإتقان علومه الطبية، ثم عاد ليتولى عمله فى مستشفى قصر العينى بعد نقل مدرسة الطب من قرية أبوزعبل إلى القاهرة وارتقى حتى صار أول رئيس لمستشفى قصر العينى ونال رتبة الباشاوية واستشهد فى حرب مصر مع الحبشة فى عهد المغفور له الخديو إسماعيل باشا..

ويبقى أن أنقل إليك نص قسم الاطباء فى عهد محمد على حتى تعرف الفرق، وأن أبو زعبل ليست سجنا وإنما قرية للشفاء.. يقول القسم: "أقسم بالله العظيم ونبيه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم على أن أكون أمينا حريصا على شروط الشرف والبر والصلاح في تعاطي صناعة الطب وأن أسعف الفقراء مجانا ولا أطلب أجره تزيد عن أجرة عملي وأني إذا دخلت بيتا فلا تنظر عيناي ماذا يحصل فيه ولا ينطق لساني بالأسرار التي يأتمنوني عليها ولا أستعمل صناعتي في إفساد الخصال الحميدة.

 

(72 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع