حياة

يحولون الجنازة إلى احتفالية..

طقوس الدفن الأسطورية عند (الأكان)

أحد زعماء القبيلة

الأكان هم تلك المجموعات السكانية التى تقطن فى المناطق الجنوبية من غانا، كما ينتشرون أيضا فى ساحل العاج، ويمثلون العدد الأكبر من السكان فى كلا البلدين، إذ يبلغ عددهم أكثر من عشرين مليونا، يتحدثون لغة تعرف باسم ( التوى ـ فانتسى )، ويندرج تحت اسم ( أكان ) فى غانا مجموعات فرعية عدة هى: الأشانتي، أكوابام، واكيم وتعرف باسم التوي، وكذلك : أجونا، كواهو، أسا، فانتسى أو ( الفانتى )، بونو، فضلا عن مجموعات فرعية أخرى مثل الباوليه، النزيما، أهانتا، سوفويو غيرها.
و تعد قبيلة الأشانتى الكبرى والكثرى عددا من بين مجموعات الأكان، كما إنها الكثرى شهرة بتنوع ثقافتها وتقاليدها، سواء من ناحية الحياة اليومية أو مناسبات الموت أو الميلاد، والحزن والفرح، أو الاحتفالات والمعتقدات والأساطير والخرافات المرتبطة بالخلق والوجود وغيرها.
 
ومن بين هذه العادات والتقاليد الاحتفال بانتقال الروح بعد الموت إلى عالم الأسلاف، حتى تصبح روحا تحمى العشيرة، ومن ثم يلقى الميت تبجيلا واحتراما، وتقام له الاحتفالات الجنائزية من قبل الأسرة والأصدقاء والجيران، ويشارك المئات فى هذه الاحتفالات، مرتدين ملابس حمراء خاصة، إذا كانوا من أقارب الميت، وسوداء إذا كانوا أبعد قليلا أو أصدقاء، وكذلك أدوات الزينة كالذهب والمجوهرات.
 
يعد الموت فى مجتمعات ( الأكان ) عموما، نهاية لمرحلة الحياة المادية، والتحول إلى الحياة الروحية، وجسرا بين عالمى البشر والأرواح، لذلك عندما يموت شخص، يعتقد الغانى التقليدى أنه لا يزال على اتصال بالأحياء، وهكذا فإن الاحتفالات وما تنطوى عليه من طقوس تعنى أن العلاقة الأسرية لا تزال متواصلة بين الأحياء والأموات، ولذلك عندما يموت شخص يؤدى الأقارب الطقوس الجنائزية على أكمل وجه، ومنها تقديم الأضحيات من طعام وشراب، ويعتقد الغانى التقليدى أنه مالم يتم تنفيذ الطقوس المناسبة، فإن روح الميت ستظل هائمة  ولن تكون قادرة على الانضمام لأرواح أجداده، ولكن إذا نفذت هذه الطقوس بالشكل اللائق فأنه سيكون موضع ترحيب من قبل الأسلاف.
 
بالرغم من وجود اختلافات فى أداء الاحتفالات والطقوس من مكان لآخر، إلا أن تجهيز الجثة يتم وفقا لنوع الجنس والسن والحالة الاجتماعية للميت، فجنازة الطفل تختلف عن الشخص البالغ، إذ يقل عدد الطقوس، وكذلك درجة الحزن والبكاء، وترتفع هذه الدرجة عندما يكون الميت من الزعماء والقادة والملكة الأم، وتختلف أيضا عما إذا كانت الميتة طبيعية أم عن طريق الانتحار، إذ تعتبر هذه الميتة ميتة سوء، ولا تقدم لها الطقوس الجنائزية المعتادة.
وتعتبر أيام الجنازات مناسبات مهمة، قد تتراوح مدتها ما بين أربعة أيام وثمانين يوما، ولكن الكثيرين يلتزمون بستة أسابيع من الاحتفالات والطقوس.
 

الطبول ضيف أساس في الجنازات

الحداد والطقوس الجنائزية 
تمثل الطقوس الجنائزية لدى( الأكان ) خصوصا أبناء قبيلة الأشانتى نوعا من الحداد، فى أجواء احتفالية ينفقون عليها أموالا طائلة، ويرون فى ذلك واجبا مفروضا عليهم يدخرون له المال لجعله مناسبة خالدة، تتنافس فيها العائلات من حيث الإسراف على الاحتفالات ونشر الإعلانات فى الصحف ووسائل الإعلام، وخطب الساسة وعظات القسس، وبقدر ما تمثل هذه الاحتفالات نوعا من التباهى فإنها لا تمثل حزنا، والغريب أن الأسر تنفق على الجنازات أكثر بكثير مما تنفقه على الشخص نفسه قبل موته، أى أنها تهتم بالموتى أكثر من اهتمامها بالأحياء.
درجة ثراء العائلة هى التى تحدد نوع النعش الذى سيشيع فيه الميت وعدد الحافلات التى تشارك فى تشييعه، لدرجة أن الحكومة عملت على الحد من سير الجنازات فى شوارع كوماسى فى غانا لما تسببه من تعطيل للمرور.
 
ويحضر ( الأكان ) للجنازة قبل موت الشخص المتوقع موته، إذ يؤخذ كل أمر بدقة شديدة، ومنها جرعة الماء الأخيرة التى يتناولها قبل احتضاره، إذ تلتف الأسرة حوله لإعداد جثته لتوديعها، موظفين فى ذلك مختلف فنونهم وخبراتهم. 
عندما يموت شخص يتم تغسيله وتكفينه وفق السن والنوع والوضعية الاجتماعية، مثلا عند مجموعة (الكاسينا ) يتم تغسيل النساء فقط، ، وعند مجتمعات ( السيسالا والدقابا يكفن كبار السن بمئزر أو بردة مع ردائين فضفاضيين، أما الوالا والبيريفور فيكفنون الميت برداء مقلوب وتزال منه الجيوب والألوان، ( حتى لا يأخذ معه الممتلكات فيصيب أهل البيت بالفقر).
أما جماعات ( الجا والنزيما والإيوى ) فيلبسون الميت قطعة من قماش الـ (كينتي) الغالى الثمن مع سلسلة من الذهب، وعند الدفن تخلع عنه هذه الأشياء ويكفن فى قطعة قماش بسيطة.
 
مجتمع الكاسينا لا يعرض الجثة لإلقاء نظرة أخيرة عليها، ولكن جماعات الدقابا والبيريفور، والسيسالا والأكولا تضع الجثة فى مكان مفتوح للنظر إليها من قبل أهل المتوفى فقط وليس للعامة، ويصاحب عرض الجنازة البكاء والنحيب خصوصا من أرملته، والغناء الحزين المصحوب بالموسيقى الحزينة، كما يأتى المعزون لتقديم العزاء المصحوب بالهدايا التى تشمل الملابس والخواتم وأنية القرع المجهزة، وجماعة الجونغا تقدم المكسرات وحبوب الكولا والمشروبات والمال أيضا.
 

أحدهم مسجى على سريره و علق به مختلف التعاويذ والأوسمة

تجهيز الميت
فى حال وفاة الزوج فإنه من المتوقع أن تكون زوجته التى هى أرملته لاحقا، قد جهزت الصابون والأسفنج والمنشفة والكفن، وبطانية ووسادة وقطعة طويلة من القماش المنسوج يدويا، يسمى "دانتا"، من الذى كان يستخدمه الزوج فى أيام عرسه! بعد ذلك يسجى، مع القيام ببعض الطقوس الجنائزية .
قبل دفنه يجهز الميت وتزين جثته بتصفيف شعره، ويزين بالتمائم والأساور والقلائد والخلاخيل وأشياء أخرى فى أماكن عدة من جسده، لتتحول جثته إلى لوحة فنية، تصور بعض المعتقدات التى يمارسونها، فضلا عن دفن بعض المقتنيات معه، مثل الرماح والأقواس والسهام والحلى والأدوات والأوانى المنزلية وبعض المواد الغذائية، فيما يشبه ما كان يفعله قدماء المصريين، كما ينثر غبار الذهب على الجثة وكذلك الألوان بما تمثله من رموز لديهم .
 
وقبل تشييع الجنازة وبدء الحداد تقام وليمة جنائزية، يرتدى فيها أقاربه الملابس ذات الألوان المميزة، وتراق فيها الخمور، ويتم التوقف عن ممارسة بعض جوانب الحياة الاجتماعية المعتادة، ثم تبدأ عملية الحداد بالمشاركة بالنعى وإلقاء الخطب والزيارات وإقامة الاحتفالات، ويختلف ذلك وفق الفئة الاجتماعية التى ينتمى إليها الميت أو عشيرته أو رتبته الاجتماعية وجنسه وعمره وانجازاته ووضعه الاجتماعى وطريقة موته ،(ما إذا كان قد مات منتحرا أو نتيجة لحادث ما، أو مات بسبب مرض أو غيره).
 

أهل الميت

التعبير عن الحزن والألم  
يعبر الأفارقة عادة عن حالاتهم النفسية فى مناسباتهم المختلفة، حزنا أو فرحا، بالغناء والرقص، وبالتالى يستخدم( الأكان ) الغناء والرقص للتعبير عن مشاعر الحزن والألمو المواساة،و يقضون وقتا طويلا فى ذلك،و تختلف أغانيهم باختلاف نوع المناسبة واختلاف مراحل طقوسها، وجميعها تكون لتقديم رسائل معينة للجمهور، وقد تكون هذه الرسائل لمخاطبة الرب، أو الشخص الميت أو أسرة الفقيد، أو حتى مخاطبة الموت نفسه.
 
أثناء تشييع الميت وفى طريقه إلى المقبرة، تقام طقوس الوداع النهائى بالأغانى الحزينة من المشيعين الثكالى والأصدقاء والمتعاطفين معه وهم سائرون بخطوات وئيدة، منتظمة.
وإذا كان الغرض من الأغانى والألحان أن تشد إليها الحضور من خلال كلماتها وموسيقاها وألحانها الجنائزية الحزينة، فإنه يجب كذلك أن تقدم ترفيها لهم فى الوقت نفسه، ولذا يستحضرون الطبول الملكية وفرق الرقص التقليدية والمطربين المميزين، والنساء ذوات الخبرة فى أغانى الحزن (يقابل ذلك فن العديد فى صعيد مصر)، ولذلك فإن هذه الثقافة الشعبية لا تتمثل فى الألحان الحزينة وقصائد الثناء على الميت فقط، بل تمتد كذلك إلى إكرام الحضور والترفيه عنهم.

 
بعضهم يجهز مقابر في غاية الفخامة

الدفن وتابوت الميت 
لحظة الدفن هى الكثرى دراماتيكية وحزنا، إذ يعلو فيها النحيب والبكاء والألحان الحزينة، ويقوم بعضهم خلالها بطقس الإراقة أى إراقة الخمر على ( Asaase Yaa ) أو ( الأرض الأم ) لاستئذانها فى حفر قبر لدفن الميت فيه، ويقدم للحفار المشروبات والمال أو الطيور وحتى الأغنام حسب درجة غنى الميت.
 
فى بعض المناطق يستدعى العراف لتحديد سبب الوفاة قبل الدفن، بعد ذلك تقام طقوس الصلاة على الميت، وهناك طقس يسمى البيزا ( piza ) أو إزالة آثار الميت من البيت، أى قطع صلته بالمكان حتى لا يكون له أى أثر سلبى على الأحياء من أفراد أسرته، ويعتقدون أن أى شخص يلمس الجثة مالم يكن طقس الإزالة قد تم، فسوف يموت، وعلى الشاكلة نفسها، تجرى عشيرة الدقابا ما يعرف بطقوس إزالة طوطم العشيرة قبل الدفن ويسمى (Ligi Kyirun) وفى هذا الطقس يتم تمرير طير مثل دجاجة أو ما شابه على أنحاء الجثة، مع ترديد جملة :( لا تدع العشيرة تذهب مع هذه الجثة، ولا امرأة حامل بطفل ) ثم يضحى بالطائر بعد ذلك، ووضع الجثة فى التابوت لا يراه سوى عدد قليل جدا من الأقارب، مصحوبا ببعض الطقوس الخاصة لكسر العلاقة بين المتوفى والأقارب من الدرجة الأولى مثل الأرامل والأطفال على وجه الخصوص. 
 
تشير الدراسات إلى أن ( الأكان ) كانوا قديما يحفرون للميت جذع شجرة من شجر الحرير ليدفن فيه، أو ليكون التابوت الذى يشيع فيه، ولكن حديثا تغير الأمر وأسهم الفنانون فى إحداث أنماط جديدة من هذه التوابيت، وقد لا نصدق أن منهم من يستخدم توابيت مصنوعة من الفضة أو النحاس أو الزجاج لتليق بوضع الميت الاجتماعي، ولاستعراض مدى ثرائه.
 

مدافن فخمة تقام للأغنياء من الموتى

عند بعض جماعات الأكان لا يسمح للأرملة بمصاحبة موكب الجنازة إلى المقبرة، بل يسمحون لهن بالسير لمسافة قصيرة، وبعضهم يجرى طقس الإراقة مرة أخرى قبل إنزال الجثة فى القبر، وعند البعض الآخر يدفن الشبان المتزوجين فى رداء يصل إلى الخاصرة فقط، بينما يدفن غير المتزوجين عراة تماما، فى حين يتم دفن المسنين من الرجال فى ثوب أزرق غامق، وقبعة بيضاء وقطعة قماش زرقاء، المرأة بدورها تدفن عارية.
فى بعض المجتمعات يحرص المعزون على غسل أيديهم بعد الخروج من المقبرة مباشرة، حيث يوضع إناء مملوء بالماء عند مدخل البيت، اعتقادا بأن المشيع سيجلب سوء الحظ معه من المقبرة 
النقوط!
 
نتيجة التكلفة العالية لمراسم الجنازة، والتى قد لا يستطيعها البعض، يقوم الأهل والأصدقاء والجيران بالتبرع بما يستطيعونه، مثل تقديم قطع القماش أو الخواتم أو الفرش والوسائد، فضلا عن المشروبات، وربما مبالغ مالية ويتم الإعلان عن هذه التبرعات بمكبرات الصوت أثناء الحفل، ويقدم إيصال للمتبرع.
 
يذكر أن انتشار المسيحية والإسلام فى المنطقة أدى إلى الحد من هذه الممارسات بوصف ذلك نوعا من الوثنية، فضلا عن نبش القبور لسرقة محتويات القبر التى أودعت مع الميت، خصوصا أنه يتم التباهى بهذه المحتويات قبل دفنها مع الميت الأمر الذى يلفت نظر اللصوص، ويذكر أنه لعرض كل هذه الممتلكات دفن أحد زعماء القبيلة وهو جالس حتى يستطيعوا تزيين جثتة بالذهب.
 

أحد الزعماء في طريقه إلى الحفل

مشهد الجنازة 
تقليديا يشيع الأشانتى موتاهم يومى الاثنين والخميس، حتى لو حدثت الوفاة فى اليومين السابقين لهذين اليومين والهدف من التأخير هو إعطاء فرصة للآلهة لتنزل إلى الأرض وتشارك المشيعين مراسم الجنازة، ومؤخرا تغير موعد التشييع إلى يوم السبت.
 
يذكر أن مراسم تشييع الجنائز أدت إلى قيام صناعات ومشاريع تجارية عدة، مثل صناعة الملابس الخاصة بالحداد، توابيت الموتى، والمقاعد البلاستيكية والخشبية والمظلات وغيرها من الأمور اللازمة لذلك. 
 
حداد الأرملة 
أكثر ما تبدو مراسم الجنازة على أرملة الميت، فهى تشارك فى تجهيز زوجها وتغسيله، وعليها أن تحمل بطانية وملاءة سرير ووسادة وحصير ودلو الماء والصابونة التى سيغسل بها والعطور وقطعة القماش، وعليها أن تلطخ وجهها بالطين الأحمر،و أن ترتدى لباسا محددا يتكون من قطعة قماش من لونين : الأحمر على أرضية سوداء، وعليها ألا ترتدى أى نوع من المجوهرات لمدة عام بعد وفاة زوجها .
 

بداية عرض تقديم الهدايا

معانى الألوان 
بصرف النظر عن حلق الشعر وتلوين الأجساد بالطين الأبيض، علامة على الموت والحداد، فإن أول ما يلاحظ هو الألوان الغالبة على الملابس فى الجنازات وكذلك رسم خطوط على الجبين بالطين الأحمر، وتختلف هذه الخطوط وفقا لدرجة القرابة من الميت، ويعنى الطين هنا القذارة التى جلبت الموت للأسرة، ولكل من أفراد الأسرة ارتداء لباس معين يوم الجنازة يرمز إلى شيء معين، مثل الفلفل الأحمر الذى يوضع على الملابس والذى يرمز إلى خطورة المناسبة ومدى سخونتها وكارثيتها، وقشر البيض الذى يرمز إلى العجز وانتهاء الحياة . 
 
ذكرى الوفاة 
بعد مرور عام على تشييع الميت تكون شعائر الدفن قد انتهت، وعلى أحد الشريكين الذى توفى شريكه أن يتخلى عن قطعة القماش السوداء التى كان يضعها على رقبته، ويستبدل بها قطعة حمراء لإحياء ذكرى الوفاة،و عند ظهر ذلك اليوم يلقى بها ويستبدل بها قطعة بيضاء مع اللون الأخضر . وعموما تبين الألوان مدى قرابة المتوفى من حيث الأب أو الأم أو العشيرة ،كما تميز بين المقدس والمدنس فالأسود يشير إلى الموت، والأحمر يدل على الانتقال من المدنس إلى المقدس والأبيض علامة على النقاء، ومسحة من الأخضر تعنى افتراض حياة جديدة، ولذا فإن من يضعون اللون الأحمر فإنهم يعنون أنهم أقارب المتوفى فى حالة صدمة شديدة، ومن يضعون الأسود فإنهم لا يتوقفون عند درجة القرابة فقط بل هم أبعد من ذلك مثل الأرملة، أما الأبيض فإنه يتعلق برتبة الكهنة.
 

(38 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع