حياة

لايمضى خريف ولا ربيع إلا وتغطت بأسرابها..

سيناء معبر الطيور المهاجرة ومهبطها

سيناء.. متحفاً حيوياً للطبيعة، بكل ما فيها من سحر يخطف الأبصار، ويجذب ليس فقط البشر وإنما الطيور أيضاً تأتى من أقصى الأرض لتذهب إلى أقصاها مارة ببقعة فريدة فى العالم هى أرض الفيروز، ونباتات تنتج لنا الدواء وتمنع عنا الداء، وبحر يزدحم جوفه بكنوز الشعاب المرجانية، التى تقف أهم عشرة نقاط فيها شاهدة على ثروات مصر الطبيعية حول جزيرة تيران، الأصل فى هذه الثروات هو التنوع الحيوى، أو ما يطلق عليه التنوع البيولوجى، الذى تسعى الدول جاهدة للحفاظ عليه لتعيد للأرض توازنها، لكن كيف يمكن هذا فى ظل إفساد البعض للطبيعة الربانية؟ وتضرب الطيور المهاجرة التى تحط على أرض سيناء، أوقع مثال فى منظومة حماية التنوع الأحيائى التى يسعى العالم لحمايته، بينما تعوقه ممارستنا البشرية، ولكن كيف يحدث ذلك؟ 
 
لا يمضى خريف، ولا ربيع على أرض سيناء إلا وتفتح أحضانها لاستقبال ملايين الطيور المهاجرة عبر مصر قادمة من مواطنها الأصلية خاصة من الدول الإسكندنافية وشرق أوروبا والبلقان وسيبريا ووسط آسيا إلى شرق وجنوب إفريقيا، وتعرف طرقها ، لتصبح سيناء متحفا متحركاً فى سماء أرض الفيروز حين تحلق الأسراب المهاجرة، وحين تحط، تلك الطيور تبحث عن الدفء مثلها مثل البشر لذلك لها طرق واضحة للهجرة تستخدم خلالها تيارات الهواء الدافئة الصاعدة المناسبة للتحليق، ولما كانت هذه التيارات الهوائية الدافئة لا تتكون فوق الماء فقد بحثت الطيور عن معابر قصيرة فوق المياه وأصبح البحران المتوسط والأحمر يمثلان حاجزاً للطيور المحلقة، لذلك فإن كثيراً من الطيور المُحلقة قد تركزت فى سيناء كمنطقة اتصال بين أوروبا وآسيا وإفريقيا. 
 


ومن الأسباب التى تدفع الطيور إلى الهجرة هى البحث عن الطعام والتزاوج، بالإضافة إلى البحث عن البيئة المناسبة للتعايش فيها، فالطيور تهاجر عادة من المناخ البارد إلى المناخ الدافئ والذى يتناسب مع طبيعتها، حيث يتوافر طعامها فى الأماكن التى تتميز بالدفء والمناخ الحار نوعاً ما، ومن ثم تقوم الطيور بالهجرة ويعد يوم 10 مايو من كل عام هو اليوم العالمى للطيور المهاجرة، ويبدأ موسم الهجرة فى رحلة الذهاب خلال فصل الخريف، ورحلة العودة تكون خلال فصل الربيع وتهاجر الطيور فى رحلة موسمية كل عام عابرة القارات والمحيطات والصحارى وقمم الجبال العالية.
 
لذلك برزت الحاجة للحفاظ على هجرة الطيور بلا عوائق وأنتج ذلك إنشاء مشروع تابع للأمم المتحدة داخل مصر ترعاه وزارة البيئة، يدعى مشروع صون الطيور الحوامة، هذا المشروع ممول من مرفق البيئة العالمى وينفذه جهاز شئون البيئة بالتعاون مع البرنامج الإنمائى للأمم المتحدة ومؤسسة حياة الطيور "بيرد لايف انترناشونال" ولمصر قصة نجاح كبيرة فى هذا المجال، لم تمر بدون تسليط الضوء عليها فى المؤتمر الرابع عشر للتنوع الإحيائى، أو ما يسمى بالتنوع البيولوجى، الذى ترأسته الدكتورة ياسمين فؤاد وزيرة البيئة واستضافته مصر فى شرم الشيخ فى الفترة من 17 إلى 29 نوفمبر الجارى. 
 


تم عرض النموذج المصرى للحفاظ على الطيور المهاجرة فى سيناء، تحت عنوان قصة النجاح المصرية فى دمج إجراءات حماية الطيور الحوامة المهاجرة بقطاع الطاقة بالتعاون بين وزارة البيئة ووزارة الكهرباء وبحضور وفود المؤتمر وممثلى المنظمات الدولية, ويأتى اختيار قطاع الطاقة بسبب ما تقوم به طواحين الهواء "مولدات طاقة الرياح" فى الصحراء من إتلاف مسارات الطيور المهاجرة بسبب حركته المستمرة وعليه يجب إيقافها فى مواسم الهجرة حتى لا تفسد المنحة الربانية التى وهبها الله لمصر من عبور ملايين الطيور أراضيها.
والطيور الحوامة "هى التى تحوم على غرار الطائرات ولا تحرك أجنحتها"، و فى مسارها تعبر القارات على الأراضى المصرية على ساحل البحر الأحمر، لكنها للأسف تتعرض مثلها مثل كل الكائنات النادرة للصيد الجائر والاتجار، بل ولإجهادات عديدة بسبب العوائق الصناعية التى تعوق الطبيعة الربانية التى خلقها الله لتكون مسارها، وللأسف الغالبية العظمة من الصيادين من منطقتنا العربية ودول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لذلك ركزت جلسات مؤتمر الأطراف الرابع عشر فى هذا المجال على الحفاظ على التنوع الإحيائى فى سيناء خاصة فيما يتعلق بالطيور المهاجرة، وإدماج ذلك فى منظومة التشريعات لتغليظ العقوبات على الصيد الجائر، ومع اعتماد التوعية بقوانين الصيد، وأنواع الطيور التى يمكن صيدها، حفاظا على الأنواع البرية النادرة.
 

الكركى
وإدماج التوعية فى النشاط السياحى الذى غالبا ما يتضمن رحلات السفارى التى تشمل الصيد الرياضى، صيد الفخاخ، ومع النقص الحاد فى البيانات المسجلة للصيادين، لا يمكن معرفة أعدادهم الفعلية ولا أعداد الفرائس التى تقع فى شباكهم سواء بالصيد التجارى أو الرياضى، مما تصعب معه عملية المراقبة، وتحديد المسئولية، لذلك وضع مؤتمر التنوع البيولوجى أنواع الطيور الحوامة، واقترحت بعض أوراق العمل، عددا من الالتزامات التى تلتزم بها الحكومات فى الدول محط الهجرة وخاصة فى مصر.
وإذا كان الاهتمام بوقف عمليات التجارى يعتمد على تسجيل بيانات الصيادين، فإنه من الصعب تتبع عمليات الصيد الرياضى الذى يتباهى فيه الصيادون بقتل الطيور، ولسان حالهم يقول، قتلنا الطيور بطلقة واحدة، والواقع هو أن ما فعله الصياد لا يخرج عن كونه جريمة لا يصح التباهى بها، ولا تعكس مهارة فى عالم الرماية، وإنما تفقد مصر هبة وهبها الله إياها بمرور تلك الطيور فى أراضيها.
 

الهدهد
عزيزى الصياد إن اختفاء هذه الطيور -التى فى نظرك مجرد طرائد- بينما هى أنواع تمنح لنا قبلة الحياة، لأن الكون يتوازن باستمرار سائر الأنواع من الكائنات الحية، واختفاء أحدها يؤثر فى ميزان الطبيعة، فمعظم الطيور المهاجرة من المفترسات التى تأتى فى أعلى السلسلة الغذائية و تحفظ لنا التوازن.
وأهم أنواع الطيور المهاجرة التى تمر بسيناء طائر الحبارى، يمتد موطنه الأصلى من المحيط الأطلنطى غربا وتتواجد تحديدا فى شبه الجزيرة العربية ودول شمال إفريقيا مصر والجزائر وتونس وليبيا والمغرب وقسم من أوروبا الغربية مثل جزر الكناري، ويقضى معظم حياته فى التنقل بين أماكن التكاثر فى فصل الشتاء ويتغذى على القوارض والفقاريات الصغيرة مثل السحالي، وللأسف بسبب كثرة صيده هو من الطيور الأكثر عرضة للانقراض، يتواجد منه 32 نوعا من ولكن أشهرها الحبارى العربية وهو مصدر غذاء الصقور، تهاجر إلى غرب الهند، وباكستان وأحيانا تتجه إلى جنوب إيران، وقد تذهب إلى شرق مصر والسودان.
 
أيضا طائر الهدهد، وطائر الكركى، والسمان وأبو فصاد، والبط البرى وهناك المزيد من الطيور التى تهاجر على شكل مجموعات مختلفة مثل: دجاج الماء، السنونو، الإوز الربيعى والشتوي، الكروان، طائر القمرى والدخل ، والكداري، وطائر الكاردينال.
حقا أنه متحف الحياة فوق أرضها وفى سمائها.
 
 

(14 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع