حياة

بلاغ فى صورة..

"سابا باشا" بين الهدم والردم

المبنى المجاور للقنصلية الروسية ويظهر عليه الإهمال من عدم الترميم

قليلا ما تتخلى ضاحية الرمل أو الإسكندرية عن الأسماء الجريكورومانية أو الأوروبية، فسابا باشا من الأسماء القليلة ذات الطابع الشامي بالإسكندرية، ويرجع أصل التسمية إلى يوسف سابا باشا شامي الأصل المنتمي للطائفة المارونية المسيحية، قدمت أسرته إلى الإسكندرية ومنحت الجنسية المصرية، ولد بمصر عام 1852، وبدأ العمل في مصلحة البريد عام 1870، وتدرج في المناصب إلى أن أصبح رابع مدير للبوستة الخديوية (من 3/1/1887 - 15/9/1907) وكان يمتلك مقراً صيفياً في الإسكندرية في حي الرمل، أو فى المنطقة التى تمثلها سابا باشا اليوم فانتسبت له.


مبنى القنصلية العامة لروسيا الاتحادية وما زال يحتفظ برونقه وطبيعته المعمارية
 

تقع منطقة سابا باشا فى نطاق شياخة فلمنج التابعة لقسم أول الرمل فى حى شرق بمحافظة الإسكندرية، وهى إحدى المناطق الراقية بضاحية الرمل المنشأة حديثا فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر آواخر عهد سعيد باشا، فلم تكن ضاحية الرمل سوى صحراء تنتشر بها الكثبان والتلال الرملية المتصلة وتتناثر فيها واحات صغيرة فقيرة يأوي إليها بعض الأعراب في مواسم الأمطار ثم ينتقلون نحو الجهات الرطبة الخضراء جنوبا بمديرية البحيرة (محافظة البحيرة حاليا) بحثا عن مراع لأغنامهم وأبلهم، وكان وراء تلك الكثبان قرية صغيرة تسمى "الرملة" يعمرها قليل من السكان، واعتبرت الحكومة المصرية تلك المنطقة من المناطق العسكرية التي لا يجوز لغير أهلها الانتشار فيها إلا بإذن خاص من السلطات، وبجانب قرية الرملة أو كما أطلق عليها الرمل كانت توجد قرى السيوف والمندرة والمنطقة التاريخية المشهورة أبوقير، ومع زيادة عدد السكان بالإسكندرية وخاصة الجاليات الأجنبية أخذ الأوروبيين في الاهتمام بها وأرادوا تعميرها فتم بدء مد خط الترام إليها عام 1860 وعلى فترات زمنية متتالية حتى اكتمل الخط واكتمل تعمير منطقة الرمل.
 
جمعت سابا باشا بين جنسيات من الشرق والغرب فبجانب الأوروبيين والمصريين احتضنت العرب وخاصة الشوام وغيرهم الذين جاءوا للعمل وللتجارة والفنون، لذا تتميز بطابعها الكوزموبوليتاني منذ منتصف القرن التاسع عشر. سكن سابا باشا أيضا أمراء ورؤساء ومشاهير العالم العربى، ولا زالت أسرة الأمير محمد فاروق شريف تسكن بالمنطقة، وهو الحفيد الأكبر لأحمد شريف باشا بن محمد سعيد باشا رابع حكام مصر من أسرة محمد على من عام 1854-1863. وكذلك أسرة الرئيس السودانى الأسبق السيد على الميرغنى. وكانت مصيف للأعيان المصريين وغيرهم ولا زالت تمثل وجهة صيفية لأثرياء المجتمع المصرى والعربى. ولا زالت شوارعها تحمل أسماء شامية وتدل على الطبقات الثقافية المختلفة التي سكنت ومرت بها ومنها شارع خليل مطران.
 
 تحتل سابا باشا حيزا عمرانيا صغيرا بل يتداخل النطاق العمرانى بها مع المناطق المجاورة، وتمتد بشقة ساحلية صغيرة ولكنها كانت ولا زالت – نسبيا- بالأهمية الكبيرة نظرا للطراز الأوروبى الذى كان يميز عمارتها وسكانها. يحد سابا باشا من الجانب الشمالى ساحل البحر المتوسط ويمثله شارع أو طريق الجيش، ومن الشرق منطقة جليم ومن الجنوب فلمنج، ثم ستانلى بالغرب.
ولهذا التداخل ولصغر مساحة المنطقة كثير ما تختلط عناوين أى معلم بها بين سابا باشا وجليم وفلمنج وستانلى باستثناء المعالم الواقعة بقلب المنطقة، فإذا سألت عن قصر الميرغنى تجد عنوانه تارة بجليم وأخرى بسابا باشا، ويكاد تقتصر المنطقة على القلب الواقع بين شارعى الجيش على ساحل المتوسط شمالا وبين شارع عبدالسلام عارف جنوبا والواقع به محطة ترام سابا باشا (البستان)، أما من شارع عبد السلام عارف إلى شارع أبو قير (طريق الحرية) جنوبا فيصعب التميز بين سابا باشا وفلمنج بل لوقوعها ضمن شياخة فلمنج. وتمتد نفس الإشكالية على الكورنيش بساحل البحر فنادرا ما يقترن بعنوان أى مكان مخصص للنوادى الاجتماعية اسم سابا باشا، والأكثر لا يأخذ شاطئها نفس شهرة جليم فى الشمال الشرقى أو ستانلى فى الجنوب الغربى، ونادرا ما يعرف غير السكندريين أن المنطقة تطل على البحر بشقة ساحلية.
 
وبرغم ذلك وصغر مساحة سابا باشا إلا أنها تضم معالم تراثية عديدة تحول بعضها لمؤسسات تعليمة وطبية ودبلوماسية وغيرها. فبها فرع كلية الزراعة جامعة الإسكندرية والتى أنشئت عام 1959 تحت اسم المعهد العالى لشئون القطن وفى عام 1985 طورت إلى كلية الزراعة. ومن أهم المنشآت الدبلوماسية بها مبنى القنصلية العامة لروسيا الاتحادية، وهو مبنى تراثى يرجع لثلاثينيات القرن الماضى، بالإضافة لقصر الميرغنى ويرجع للرئيس السودانى الأسبق أحمد الميرغني (1941- 2008) رئيس السودان في الفترة من 1986 - 1989 سليل عائلة السيد على الميرغني زعيم طائفة الطريقة الختمية بالسودان، وما زالت أسرته تقيم به حتى الآن.
 
تتميز سابا باشا كالإسكندرية بضيق شوارعها المخططة قديما فى هذه الرقعة الشطرنجية وربما يرجع ذلك لضيق الظهير السكندري فمثلت البقعة العمرانية نقطة شريطية ضيقة على الساحل، ولم يكن يمثل ذلك مشكلة باقتراب البنايات بعضها البعض لأن غالبيتها قصور وفيلات ترتفع لطابقين أو ثلاث على الأكثر فيوفر عرض الشوارع الضيقة منفذ للهواء والشمس مما يعنى بيئة صحية، وحاليا بعد هدم العديد من التراث المعمارى القديم أمام زحف وطوفان العمران الحديث تظهر مساحة وعرض شوارع سابا باشا بالنسبة للبنايات وكأنها مناطق حديثة لا يراعى بها البعد البيئى كما هو الحال بشارع عبد المنصف غازى.
 

بنايات بشارع عبد المنصف غازى  
 
هــدم التـراث..
 تتميز العمارة بسابا باشا بوجود العديد من العقارات التراثية نظرا لخصائص النشأة والسكان وتتعرض لغزو عمرانى حديث يدر ربحا ماديا من أصحاب النفوذ ضاربين بالتراث والأصالة عرض الحائط وكأنهم فى صراع مع العمارة الكولونيالية، فالمنطقة مسرحا لاغتيال فنى وحضارى بمحاولات هدم العقارات التراثية وأهمها العقار المجاور لمبنى القنصلية العامة لروسيا الاتحادية، والعقاران كانا ملكا لأسرة سويسرية وبوفاة المالك تم تحويل ملكية العقارين إلى بنك ناصر وقام بدوره ببيع المبنى الرئيسي لدولة روسيا، والمبنى الآخر للبنك المركزي ثم بنك مصر، الذي اشتراه لإقامة مجمع سكني للعاملين به مع أن العقارين يحملان طابعا معماريا مميزا، ومسجلان بمجلد التراث المصرى بترقيمين مختلفين. وإن كانت حجج الهدم تتمثل فى سقوط أجزاء من العقار فلماذا يقف مبنى القنصلية الروسية للآن بهذا الرونق والمبنيان شيدا بوقت واحد؟ إنما هو الوعى بالتراث العمرانى والمحافظة عليه بالترميم .
 
ردم البحـر..
فضلا عن هدم التراث هناك اغتيال من نوع آخر بكورنيش سابا باشا، ففى النصف الأول من ثلاثينيات القرن الماضى تم الانتهاء من مد طريق الكورنيش من المنتزه حتى رأس التين وذلك عام 1934 وقامت بلدية الإسكندرية بمنح رخص لإقامة أكشاك للمصطافين وزيادة عدد الكبائن فى الأماكن الخالية من الساحل ليزيد عدد المصطافين بعدما كان شاطئ ستانلى مقصورا على الأجانب فقط، فتم إقامة كبائن بستانلى وجليم حتى منطقة سيدى بشر، ولم يأت ذكر لمنطقة سابا باشا للشقة الساحلية الضيقة لسابا باشا والتى تنتمى تارة لستانلى وأخرى لجليم، أيضا رغم الاهتمام الفائق الذى أبدته البلدية للشواطئ بعد إتمام طريق الكورنيش، إلا أن كورنيش سابا باشا لم يلق اهتماما به نظرا لتعرضه للتأثيرات البحرية ولعمقه، لذلك قررت البلدية وضع عدد من الكتل الصناعية لكسر حدة الأمواج على الشاطئ ثم أقيم عليه كبائن بلدية عام 1940.
 
بمرور الوقت تحولت أعمال الحماية لردم وتوسعة الكورنيش لصالح بعض نوادى النقابات واتضح وجود أخطاء في أعمال الحماية حيث يتم الردم بطريقة عشوائية وهو عبارة عن ردم ترابي أو بعض البلوكات الخرسانية بدون دراسة كافية لتأثير ذلك علي المناطق المجاورة‏، فردم منطقة قد يتسبب في نحر منطقة أخرى مما يتطلب ضرورة وضع حلول سريعة علي المدي القصير وأخري علي المدي الطويل‏.‏ والحلول السريعة تشمل أعمال حماية ضرورية لمنع النحر لعدة سنوات مثل البلوكات التي تهدئ سرعة المياه وهي متجهة نحو الشاطئ‏.‏
لذا تم غلق الكورنيش بكتل خرسانية على فئات محددة، وجغرافيا وبيئيا كان الحل للأزمة مخيبا للآمال فمن وجهة نظر النقابات زيادة عمليات ردم جزء من الأرض، وذلك بعمل لسان مائى يتم من خلاله توفير مساحة أكبر لكافة الجهات لفض النزاع بحجة أن ذلك سوف يساهم في إنعاش المنطقة اقتصاديا، وبالفعل تم ردم جزء من البحيرة الموجودة بالشاطئ لاغتيال ما تبقى من شاطئ سابا باشا والإسكندرية !!. 

د. جيهان أبواليزيد

(837 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع