حياة

يبدأ من الحكمة القديمة "من الشجر للحجر"..

"زيت الزيتون" الطريق الطبيعي لإنقاذ حياة الملايين

ـ سر الجودة يبدأ من المزرعة.. ومعصرته التاريخية فى مطروح ولا تستخدم المواد الكيمائية.. ومشروع لتحويله لماركة عالمية مسجلة
ـ صيدلية طبيعية تحمى جسم الإنسان لأكثر من20 مرضا أهمها القلب والسكر والكبد والسرطان 
 


ربما لا يعرف كثير من المصريين أن "مرسى مطروح" لا تتميز بشواطئها الساحرة، ومياهها الصافية، فقط، وإنما بزيت زيتونها المميز أيضا، الذي لا يعرف طريقه سوى المخضرمون من زوارها.
من هناك، وتحديدا من "معصرة الزيتون" التابعة لوزارة الزراعة، والواقعة في وسط المدينة، يمكن الحصول على "الزيت" الذي بإمكانه، أن يلعب دورا مهما في الوقاية من وعلاج كثير من الأمراض التي أصبحت صحة المصريين مثقلة بها، وعلى رأسها أمراض القلب، والأوعية الدموية، والسكر، والكبد، والسرطان، وغيرها، حسب تأكيدات خبراء الصحة والتغذية العلاجية.

يعود تاريخ المعصرة، حسبما يحكي المهندس محمد بسيوني، أحد مديريها السابقين، لعام 1945، حيث كانت الماكينات التي تعمل بها إنجليزية الصنع، مكونة من حجر يدور بماتور كبير، وقوتها الإنتاجية "طن في الساعة"، وعلى مدار تاريخها، انتقلت تبعيتها لأكثر من جهة، فمن "جهاز تعمير الصحاري" الذي كان تابعا لوزارة التعمير والمجتمعات العمرانية الجديدة، إلى الهيئة العامة لمشروعات التنمية الزراعية، حتى آلت لوزارة الزراعة منذ أواخر الثمانينيات.
 
الجودة تبدأ من المزرعة..
لكن ما يميز معصرة مطروح عن كثيرات غيرها، أن دورها لا يقتصر على تلقى الزيتون من المزارعين لعصره وبيعه فقط، فهي تحرص على تطبيق معايير الجودة في كافة مراحل الإنتاج، بداية من وجود الزيتون بالمزرعة، وهو الأمر الذي يؤكد الخبراء أهميته لتحقيق الرسالة الطبية المأمولة لهذا الزيت المبارك.
فزيت الزيتون، كما يوضح المهندس علي عبد الرحمن، رئيس قسم الإرشاد الزراعي بمرسى مطروح:"هو الوحيد الذي لا تجرى عليه أي عملية من العمليات الكيميائية التي تجرى على الزيوت الأخرى، كالتبييض أو غيره، ولكي نصل للجودة المطلوبة بالنسبة له لابد أن نبدأ من الشجرة، وكلما تعاملنا معها بطريقة سليمة، فإنها تعطينا منتج عالي الجودة".
"لذلك، تُنظم الإدارة الزراعية، دورات وندوات إرشادية للمزارعين، لتوضيح الكيفية التي تتم بها عمليات التقليم ومتى، ثم كيف يجمعون الثمار ومتى، حيث أن طريقة الجمع مثلا يتوقف عليها عامل كبير في جودة الزيت، ويجب أن تتم بالأيدي وليس بالعصي، كما يجب ألا يتم الجمع في أجولة، وإنما في أقفاص بلاستيك جيدة التهوية، حتى لا ترتفع نسبة الحموضة بالزيت، وتقل بالتالي فعاليته".
وعلاوة على ما سبق، كما يشير المهندس عبد الرحمن، فإن هناك حرص على أن تكون المكافحة حيوية، أي بدون استخدام كيماويات، وهو ما يساعد عليه نوع الزيتون الذي يستخرج منه الزيت في مطروح، والمعروف باسم (الشملالي)، وهو زيتون صغير الحجم، لا تفضله "الإصابات" التي يمكن أن تُصيب أنواع الزيتون الأخرى، هذا ناهيك عن عدم استخدام أسمدة كيماوية، نظرا لاعتماد زيتون مطروح على مياه الأمطار في الري، وهو ما لا يمكن معهمن الناحية الفنية استخدام هذه الأنواع من الأسمدة.


"من الشجر للحجر"..
بعد ذلك يأتي دور الحكمة القديمة "من الشجر للحجر"، التي تشير إلى أن عصر الثمار يجب أن يتم بعد جمعها مباشرة، حيث لا يجب أن يمر، أكثر من 12 ساعة على الجمع حتى تكون الثمار في المعصرة، ويتم عصرها في نفس يوم استلامها، هذا فضلا عن الاشتراطات الأخرى، ومن بينها "ألا يكون بين الثمار تلك التي سقطت على الأرض، والتي تعتبر "درجة تانية"، ويكون لها معاملات أخرى، وتستخدم في صناعات الصابون وزيت الشعر.
"وإذا تأكدت الاشتراطات السابقة في الثمار، يتم غسلها، ثم تنقيتها من الأوراق، ثم تدخل عملية جرش ثم طحن ثم فصل الزيت، ثم معاملات أخرى على الزيت نفسه للتخلص من المياه، وتعتيق وترويق، إلى أن يكتسب الطعم والرائحة المميزة لزيت الزيتون".
ولا يقتصر الأمر عند هذا الحد، فحسبما يؤكد المهندس إبراهيم بدوي، أحد المسئولين عن الإنتاج: "تحرص المعصرة على تخزين الزيت بعد إنتاجه، في أوعية من "الإستنالس"، لأن التخزين في أوعية بلاستيكية يرفع نسبة الحموضة، وبالتالي يُقلل من كفاءة وفاعلية الزيت العلاجية، ولا يقل أهمية عن ذلك، أنها تبيع فقط الكميات التي تنتجها بنفسها، وفق اشتراطاتها، ولا تشتري زيت زيتون من بره، وتبيعه باعتباره من إنتاجها".
وتأتي كل هذه الاشتراطات للتأكد من تحقق أقصى فائدة صحية من زيت الزيتون، الذي بإمكانه، بحسب المهندس "بدوي":"الوقاية من وعلاج أكثر من 20 مرض، من بينها أمراض القلب والأوعية الدموية، حيث يقي من انسداد الشرايين، لمنعه تركم الدهون بها، ويحول دون اللجوء لعمليات القلب المفتوح، ناهيك عن أمراض السكر والكبد والسرطانات".
 
في طريق "العالمية"..
وعلى الرغم مما يبدو في عاصمة مطروح، لاسيما في المناطق المجاورة للبحر منها، من تراجع للمساحات الزراعية مقابل زحف البناء، يؤكد "المهندس محمد أبو الدهب"، مدير الإرشاد الزراعي بمديرية الزراعة بمطروح، أن المساحة المزروعة بالزيتون تزيد باطراد، في السنوات الأخيرة، نتيجة لتزايد الطلب المحلي والعالمي على زيت الزيتون، بالتزامن مع زيادة الوعي بقيمته الغذائية والطبية، والارتفاعات المتتالية التي طرأت على سعره.
وبحسب "أبو الدهب"، فإن هناك الآن ما يزيد على 37248 ألف فدان مزروعة بأشجار الزيتون في محافظة مطروح، وتختص واحة "سيوة" وحدها بحوالي 18200 فدان، غير أن إنتاج بقية مناطق المحافظة التي تعتمد على مياه الأمطار في الري، ومن بينها مدينة مرسى مطروح، يتميز بانخفاض نسبة الحموضة به لمعدلات تصل لأقل من 0.4%، وهو ما يزيد من فعاليته الطبية والعلاجية.
وثمة مشاريع ذات طابع دولي تُنفذ الآن، كما يقول "أبو الدهب"، للتوسع في زراعات الزيتون، فضلا عن تسجيل زيت زيتون مطروح، كعلامة تجارية عالمية يعرفها العالم ويدرك جودتها، وذلك على غرار "البن البرازيلي"، وغيره من المنتجات المشهورة عالميا، لتصديره للأسواق العالمية بأضعاف سعر بيعه محليا.
 
زيت "صعب المنال":
لكن مع كل هذه الأهمية، والفوائد الصحية، تبقى الارتفاعات المتتالية مؤخرا في أسعار زيت الزيتون مشكلة تجعله شيئا فشيئا سلعة صعبة أو بعيدة المنال بالنسبة لكثير من البسطاء، الأكثر عُرضة للإصابة بالأمراض.
ففي خلال 3 سنوات تقريبا، كما يشير أحد المسئولين في "زراعة مطروح"، ارتفع سعر بيع لتر زيت الزيتون بالمعصرة من 12 جنيها، لـ 24 جنيها، لـ 56 (عام 2017)، حتى وصل لـ100 جنيه في 2018، وتخطاها قليلا في بعض الأحيان.
وهو الأمر الذي يرجعه مهندسي المعصرة لارتفاع سعر استلام طن الزيتون من المزارعين، الذي تضاعف تقريبا وارتفع من 7 آلاف جنيه في الموسم الماضي، ليصل هذا الموسم لـ13 ألف جنيه، مشيرا إلى أن المُزارع بدوره يضطر لرفع السعر لاسيما، بعد ارتفاع تكاليف الزراعة والعمالة، والنقل.
ولا شك أن ذلك كله يدعو لمزيد من الاهتمام بزراعة وإنتاج زيت الزيتون، كما وكيفا، وتوفيره بأسعار في متناول المصريين، ولاسيما في وقت بدأت تنتبه فيه الدولة لأهمية الوقاية من الأمراض التي تمثل خطرا على صحة المصريين.

 
 

(77 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع