حياة

روجت لها الصحافة العالمية والعربية..

انتصار الخرافة وخطورة العلماء

شهد تاريخ الفكر الإنسانى (منذ فجر الحضارات) صراعـا بين العلم والخرافة، كما حدث فى اليونان حيث تـمّ اضطهاد الكثير من العلماء، لمجرد أنهم اجتهدوا وأثبتوا حقائق (ثبت صحتها فى العصر الحديث) مثل قانون المادة لا تــفنى ولاتستحدث، أو قانون الطفو لأرشميدس، واجتهاداته المتعددة فى (الرياضيات) إلخ.
والاضطهاد طال سقراط بالرغم من أنّ نشاطه كان فى مجال الفلسفة وليس العلم. ولكن نظام الحكم رأى أنّ نشاطه العقلى لا يقل خطورة عن دور العلماء، لأنه كان يدعو الشباب إلى (حب الأسئلة) وعدم تصديق كل ما يسمعون، وإنما عليهم (مناقشة) كل رأى وكل فكر، وهل هو مُطابق للواقع أم لا؟ وهل هو ملموس ومُـجرّب؟ فكانت النتيجة تقديمه للمحاكمة، ووُجهتْ إليه تهمتان الأولى: تضليل الشباب وتخريب عقولهم. والثانية: الدعوة والدعاية للآلهة الأجنبية، خاصة الآلهة المصرية، وبالتالى تبنى ديانة مصر لا ديانة اليونان. 
 
فى ستينيات القرن العشرين انتشرتْ (خرافات حديثة) مثل: الأشخاص الذين لهم (قدرات خارقة)، تحضير الأرواح، أو تسخير الجن، والقدرة على شفاء المرضى والاستغناء عن الطب والأطباء..إلخ. 
 من الكتب التى تناولتْ خلط العلم بالخرافة كتاب (الإنسان الحائر بين العلم والخرافة) تأليف د.عبد المحسن صالح. وقد قرأتُ طبعته الأولى الصادرة عام 1979فور صدوره. وكم كانت سعادتى عندما أعادتْ مكتبة الأسرة صدوره عام 2015، ليقرأه جيل الشباب. 
رصد المؤلف الكثير من مظاهر الخرافة التى تخصّص فيها بعض أدعياء العلم الأمريكيين والأوروبيين حيث اقترح (د.ماهلر) المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، إنشاء اتحاد لأصحاب الخوارق الذين يـعالجون المرضى دون مشرط. ونظرًا لانتشار الظاهرة فإنّ جراحـا شهيرًا تحدى هؤلاء الدجالين، وذهب إلى بعضهم بإدعاء المرض، فاكتشف أنهم لا يختلفون عن (الحواة) فى خفة اليد مع استخدام بعض الخدع، وأصدر كتابـا بهذا الشأن. 
 


وادعى بعض الدجالين قدرة أصابعهم على العلاج دون لمس المريض. واستغلوا آلة التصوير الكيرليانى (نسبة إلى مخترعها الروسى كيرليان) حيث قدرة هذه الآلة على ظهور(هالات) بجانب الجسم الأصلى. وكانت النتيجة ظهور عدة كتب فى هذا الشأن. أما التفسير العلمى لظاهرة الهالات فإنها ترجع إلى الكهرباء الجوية، فكما أنّ الكهرباء تتخذ صورة البرق بعد عملية تفريغ للشحنات، فإنها تتخذ صورة أخرى على هيئة كهرباء استاتيكية، مثلما يحدث مع الشخص الذى يرتدى قميصًا من الألياف الصناعية (النيلون) فتصدر طرقعات أو شرر أشبه بالضوء فى الظلام. ولكن الدجالين نسبوا هذه الظاهرة الطبيعية إلى (الهالات التى تظهر حول القديسين) بل إنّ البعض أطلق على هذه الخدعة (التصوير الروحى) بينما كان هدف المخترع الروسى الكشف عن تأثير الخمور والأدوية على الإنسان. 
 
 وفى سنة 1976زعم د.إليك فوريس أنّ المعالج الروحى يمتلك طاقة كهرومغناطيسية، هى التى تتولى علاج المريض. ولكن بعض العلماء تحدوا الأدعياء، وقالوا لهم: هل بإمكانكم تشغيل جهاز التليفزيون؟ أو مثل الجهاز الطبى الذى يـطلق موجات كهرومغناطيسية ذات تردد عال، وعند تسليطها على الجروح أو المفاصل الملتهبة، فإنها تساعد على التئامها؟
 وظهر نوع آخر من الدجل مؤداه القدرة على ثنى المعادن الصلبة بمجرد النظر إليها. وقد تحدى بعض العلماء هؤلاء الدجالين، عندما فرضوا عليهم رقابة صارمة أثناء تأديتهم لألعابهم، فكانت النتيجة فشل هؤلاء الأدعياء وكشف أساليبهم الخادعة، وكان من بين هذه الأساليب اكتشاف جهاز دقيق للغاية فى (ضرس) الفك وهو جهاز استقبال إليكترونى يـحوّل موجات الصوت إلى موجات راديو لتنتقل عبر أعصاب الوجه إلى مركز السمع، فتجعل الأصم يسمع. وقد استغلّ الدجالون هذا الجهاز فى النصب على ضحاياهم من خلال إدعاء قدرتهم على سمع ما يقال فى حجرات مغلقة وبعيدة عدة أمتار عن مكان أداء اللعبة أمام الجمهور.
 


 وفى فصل مهم فنــد د.عبد المحسن ظاهرة (الأطباق الطائرة) التى انتشرتْ فى أمريكا، والحقيقة هى نوع من السراب الخادع نتيجة لظروف جوية خاصة، ويعرفها العلماء باسم الانقلاب أو الانعكاس الحرارى. وأنّ لكل طبقة (جوية) حرارتها وكثافتها فيحدث انكسار أو انعكاس ضوئى، فاعتقد الذين رأوه أنه (طبق طائر) جاء من كوكب غير كوكبنا كما روّجتْ الصحافة التى تسعى لزيادة التوزيع، حتى لو أدى الأمر إلى خداع القراء وتكريس الخرافة، ونفس الشىء حدث مع ظاهرة (مثلث برمودا أو مثلث الموت) الذى استغله البعض فصدرتْ كتب كثيرة فى أمريكا، ووصل توزيع بعضها إلى خمسة ملايين نسخة. ولكن إدارة السواحل الأمريكية ردّتْ على مزاعم اختفاء السفن فى المنطقة المقصودة بمثلث الموت، أنّ السفن التى اختفتْ أربع (فقط) من مجموع السفن المختفية عام 1976 وعددها 21 سفينة فى مواقع أخرى. وقالت تقارير حرس الحدود أنّ السبب لغرق السفن العواصف القوية التى تبلغ قوتها اقتلاع السفينة. وأشار التقرير إلى المغالطات الواردة فى الصحف حيث تحديد موقع غير الموقع الحقيقى الذى اختفتْ فيه السفينة، كما حدث فى حالات كثيرة. 
 



وكما روّجتْ الصحافة الأمريكية للخرافة، كذلك فعلتْ الصحافة العربية والمصرية. وذكر المؤلف الكثير من الأمثلة، من بينها مجلة عربية أسبوعية واسعة الانتشار استمرتْ لعدة أسابيع فى نشر الخرافات حول (ظاهرة الكائنات الغامضة) ونفس الشىء فعلته مجلة مصرية أسبوعية واسعة الانتشار. ومجلة مصرية أخرى نشرتْ سلسلة مقالات لكاتب معروف ويدّعى العلم حول (ظاهرة تألم النبات وسعادته) (لمن يرغب فى التفاصيل، ص16، 48، 152، 204، 225) وفى مجال الكتب أشار إلى سلسلة (كتاب اليوم) التى صدر عنها عدة كتب مثل كتاب (صـنع الله) وبه عشرات الأخطاء فى محاولات بائسة من المؤلف لإثبات معجزات نسبها إلى الخالق تارة وإلى الرسول تارة أخرى (ص152، 153) 
 


أما الصحفيون المشهورون فذكر من بينهم صحفى مشهور روّج للخرافة فى أربعة كتب: القوى الخفية، أرواح وأشباح، الذين عادوا إلى السماء والذين هبطوا من السماء. ومع مقارنة ما كتبه الصحفى (الكبير) تبيـن أنه كان ينقل من كتب أمريكية (غيرعلمية) كما روّج لأكذوبة القوى الخارقة التى كان الشاب الإسرائيلى (يورى جيلر) يزعم قدرته على تحريك الأشياء بنظرة من عينيه. وكتب هذا الصحفى أنه ((رأى شيخـا يمد يده من نافذة القطار فتعود بأرنب.. إلخ)) وفى كتابه (الذين هبطوا من السماء) ذكر أنّ النبى حزقيال كان يمشى بالقرب من بغداد فرأى شيئــا باهرًا فى السماء. وجاءتْ ريح عاصفة. وسحابة عظيمة ونار متواصلة..إلخ وفى ختام الفقرة كتب ((إنها تنطبق على طائرة نفاثة أو سفينة فضاء)) (ص98، 115، 139، 147، 192، 222).
 
ومن بين الأسماء التى نالتْ شهرة فى ستينيات القرن العشرين د.عبدالرزاق نوفل الذى أصدر أكثر من كتاب عن الإعجاز العلمى فى القرآن مثل كتابه (من أسرار الروح) الذى ذكر فيه أنّ الأبحاث العلمية فى العصر الحديث أكــدتْ (وجود الجسد الأثيرى) خصوصًـا بعد موت الجسم الترابى.. وأضاف: هذا ما جاءتْ به الأخبار العلمية مؤخرًا. وقد أظهرتْ الأجهزة الحديثة أنّ للإنسان (جسمه الآخر) وهذا هو الجسد الأثيرى. وعلى نفس الطريق سار د.رؤوف عبيد صاحب المؤلفات الكثيرة فى مسألة الروح، والمنقولة من كتب غير علمية (د.عبيد: أستاذ القانون الجنائى- جامعة عين شمس. من بين كتبه (الإنسان روح لا جسد) وبهدف تكريس الفكر الغيبى بين الطلاب، أطلقتْ الجامعة اسمه على قاعة من قاعاتها)


 
ومن بين الخرافات خرافة وردتْ فى كتاب (صـنع الله) وذكر مؤلفه بالحرف ((إنّ النخلة طأطأتْ رأسها أمام سيدنا رسول الله. وأحنتْ هامتها له فى محاولة لتقبيل يده الكريمة...ويوم وفاة الرسول الكريم شاهد الناس سعف النخل تبكى وسمعوا أنينها)) (ص153) والأكثر من ذلك أنّ البعض يشطح به الخيال، وينسبون للقرآن أوصافــا ليست فيه، مثل القول بأنّ الأطباق الطائرة وردتْ فى القرآن، ويستشهدون بآية ((والليل وما وسق والقمر إذا اتسق لتركبنّ طبقــا عن طبق)) (الإنشقاق: من17- 19) والبعض زايد- مثل الصحفى المشهور الذى كتب إنّ النبى إدريس أو حزقيال صعد إلى السماء أوهبط منها بطبق طائر. كما روّج البعض لخرافة: ظهور كوة أو فتحة فى السماء تخرج منها الملائكة لتسمع دعاء المسلمين فى ليلة القدر(من ص190- 192). 
 
ولكن بجانب هذه الكتابات التى روّجت للخرافة، صدرتْ دراسات تدافع عن المنهج العلمى، مثل د.أحمد أبوزيد الذى كتب فى (مجلة عالم الفكرالكويتية- العدد الأول- عام 1977) دراسة بعنوان (ماذا يحدث فى علوم الإنسان والمجتمع؟) أشار فيها إلى الخرافات التى روّج لها بعض المحسوبين على العلم فى أمريكا وبريطانيا.. وأنهم كانوا يـزيفون النتائج. أما مؤلف الكتاب د.عبدالمحسن صالح فكتب: المجتمعات الإنسانية تسير وفق شرائع الوجود. لا وفق رغباتنا. 
 

(23 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع