حياة

رمضان.. ذكريات جنوبية

كثيراً ما أتأمل حالة الخصام بين جنوب مصر ودلتاها فيما يتعلق بالتراث الشعبي، الأمر لا يدل دائماً على انتمائهم إلى معين واحد تنطلق منه كنوز هذا التراث، ولدينا ما قد نسوقه مستقبلاً لاستنباط صحة هذا الاعتقاد من عدمه.
 
أتذكر ذلك، بينما أكتب عن طقوس الأطفال في استقبال شهر رمضان، هذه الحالة التي تستدعي على الفور الأغنيتين اللتين لا تذبلا أو تشيبا مهما يطل بهما العمر: "وحوي يا وحوي إياحا"، و "حالو يا حالو.. رمضان كريم يا حالو"، دراسات عديدة تنسب كلمات الأولى إلى أصول فرعونية، اشتق منها مؤلف الأغنية الشاعر حسين حلمي المانسترلي هذه الكلمات، والثانية يسوق آخرون أدلة على أنها منحدرة من العصر الفاطمي أثناء استقبال موكب المعز لدين الله الفاطمي عند دخوله القاهرة.
 
كنا في قريتنا لا نأبه كأطفال بهاتين الأغنيتين، نراهما ترفاً زائداً، ربما التربية التي اعتاد عليها الآباء ليخشوشن أبناؤهم – من وجهة نظرهم بالطبع – لكن الواقع أن أطفال القرية لم تكن هذه الحالة طقساً من طقوس استقبالهم شهر رمضان.
 


من "جريد النخل"، نبدأ مرحلة صناعة الفانوس الأهم في الشارع الذي نقطن فيه، يتم قص "الجريد" وتهذيبه بعنايه، ثم يقوم خبراء الشارع من الشباب بتكوينه، وفقاً لرسومات هندسية – يدَّعون أهميتها- وللتحايل على تلوين جوانب الفانوس، يشتري البعض "الجلاّد الملون"، أي المساحات البلاستيكية الملونة التي يتم بها "تجليد" كتب المدرسة، وعندما يكتمل المشهد، يتوسط الفانوس "مصباح" عادي تماماً، إلى أن نبلغ مرحلة النهاية بتعليق الفانوس في وسط الشارع، بينما يمرح هو، ويتراقص بعد أن يتم شد ذراعيه بين منزلين متقابلين.
 
أما الزينة المستخدمة لتجميل الشارع، فقد كانت عصية إلى حد كبير على الجميع، ولكن الحل الأكثر شهرة، هو تقطيع أوراق الكراسات التي كانت تستخدم في العام الدراسي الماضي، وتتولى لجنة المشتريات، توفير علب الورنيش السوداء والقريبة إلى الاحمرار، إضافة إلى حبال قوية ومكونات "نشا".
وإليكم الخطوات التفصيلية للصناعة، تتم إذابة قطع من الورنيش في ماء بمقادير معينة، ليصبح لدينا لونان "الأسود، والأحمر ، يتولى فريق تلوين الأوراق بطريقة عرضية منتظمة تتكون من الأحمر، ثم مسافة بيضاء بنسب منضبطة، وصولاً إلى اللون الأسود، فيصبح لدينا علم مصر، يقوم الفريق الثاني بصناعة "النشا" وإعداد الحبال، بينما يتولى "مهندسو العمليات"، طي جزء من أعلى الورقة بعد "دهنه بالنشا"، حتى يتم تثبيت الجزء الذي تم طيه على الحبل، وانتظاره حتى يجف.
 


كنا نرسم أعلام وطننا لنستقبل بها طقسنا الديني، كأن الفطرة هي التي تحرك هذه الأفعال التي تختزل مقالات وكتباً في علاقة الدين بالوطن، خاصة في مصر.
ها نحن قد أعددنا العدة، بقي لنا أن نستكمل الكفاح بتنظيف الشارع، وإعداده ليكون ملعباً لكرة القدم، التي تقام مبارياتها يومياً بعد صلاة العصر حتى قبيل المغرب.
 
 سنشاهد هذه المباريات، ويتم اختيار المتميزين المهرة من الأطفال – ولست منهم- للمشاركة في بعض المباريات، أما أنا فأظنني مشجع من طراز لطيف، لا ينفعل عندما يؤكد أن ضربة الجزاء صحيحة، ولا يستفز مشجعي الفريق الآخر.
 


المساء لنا، سنلعب كما نريد، خشونة الحياة لا تتركنا أيضاً في ممارسة الألعاب، كنا نلعب "الطيرة" أي الاستغماية في عرف "عيال بحري"، المزعج بالنسبة لي أنني أرفض أفكار أعضاء الفريق الغريبة، فكيف مثلاً أقبل أن نختبئ في أغصان شجرة عالية نتسلقها واحداً تلو الآخر، أو أتجرأ على القفز من فوق سور "بيت الباشا" المهجور، لنختبئ بداخله، الأمر أيضاً شديد الصعوبة، في ضرورة الوصل إلى "الريد"، أي الحائط الذي يتم استخدامه لإعلان الفوز إذا تمكنت من الوصول إليه ولمسه.
 
الملفت أيضاً أنه في سبيل إعاقة اللاعب عن الوصول إلى "الريد"، من حقك استخدام كافة الوسائل، كالعرقلة، والضرب، واللكم، وكل ما هو متاح من طرق للحيلولة دون الوصول إلى منطقة الفوز.
في الغالب سأفضل أن أكون حكماً في هذه المباريات، أؤكد من لمس "الريد" بالفعل، ومن لم يتمكن من ذلك، سيحترمون قراراتي، لثقتهم في حياديتي، لكنني سأفزع عندما أرى صبياً ينزف دماً بسبب "لكمة" في أنفه، الغريب ليست إصابته، بل إصراره على عدم إبراز مشاعر الألم، إذ أنها ليست من شيم الرجولة المبتغاة.
 
يبدو أن الوقت قد قارب على منتصف الليل، وهو توقيت عودتي إلى منزلنا، أما غالبية الفريق سيكملون الليل مفترشين الأرض، ما بين نائم ومتيقظ، لكنهم هذه المرة لا يفعلون ذلك من قبيل "شقاوة الأطفال"، لكن هرباً من الحرارة الخانقة داخل منازلهم.
 
 

(21 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع