حياة

رسالة توفيق الحكيم إلى جمال عبدالناصر المثيرة.. والتحقيق مع لطفى الخولى

عندما أصدر الكاتب المسرحى الكبير توفيق الحكيم كتابه الشهير "عودة الوعى" عام 1974، قامت الدنيا ولم تقعد، وأشعل الكتاب حربا واسعة لم تنطفئ نيرانها حتى الآن، حيث مازال الجدال يتجدد كل عام عندما تحلّ ذكرى الزعيم الذى تناوله ذلك الكتاب، فالكتاب يتعرض لزعيم وطنى كبير هو جمال عبد الناصر، وارتبطت به قلوب وعقول على مدى الفترة التى امتدت من 23 يوليو 1952، عند قيام الثورة، حتى 28 سبتمبر حيث رحل بشكل مفاجئ، وخرج خلف نعشه ملايين من الناس البسطاء والمثقفين والكتّاب والصحفيين وكافة طوائف وطبقات الشعب، فى مشهد جنائزى تاريخى لا يتكرر إلا نادرا، وكان من بين الذين خرجوا وهتفوا وبكوا وذرفوا دموعا غزيرة، هؤلاء الذين اختلفوا معه، ودخلوا السجون فى عهده، بل وتم تعذيبهم بقسوة، وسقط بعض رفاقهم شهداء تحت ذلك التعذيب، ولكنهم كانوا قد عقدوا صلحا تاريخيا تحت راية وطنية موحدة، وتعاونوا معه، وترأسوا مؤسسات صحفية وغير صحفية كبرى.
 

جمال عبدالناصر
لذلك كان الكتاب مثيرا، خاصة عندما يصدر من كاتب وأديب كبير مثل توفيق الحكيم، الذى كان أحد الرموز التى تأثر بها الزعيم، فاحتضنه كثيرا، ومنحه أوسمة ونياشين ومجدا لا حصر له، وحماه من الخصوم والأعداء منذ انطلاق الثورة، ورفع اسمه من قوائم التطهير، حيث كان يعمل رئيسا لدار الكتب، ولم يكن كفؤا لهذا العمل، وكانت وجهة جمال عبدالناصر أن توفيق الحكيم مطلوبا فى هذه الوظيفة لكونه توفيق الحكيم، ليس لأنه ماهر فى الإدارة.
 
فالنقد الجارح والحاد والغاضب الذى وجهه توفيق الحكيم، كان مثيرا للغضب، حيث أنه رفع شعارا واسعا حاول أن يحتمى به من طلقات الرصاص التى توقعها، وشعاره كان "إن المهمة الكبرى لحامل القلم والفكر، هى الكشف عن وجه الحقيقة"، من ثم تساءل كثيرون: لماذا لم يكشف الحكيم عن وجه تلك الحقيقة طوال ثمانية عشر عاما، ولم ينطقها على الإطلاق؟.
لم يأت رد الفعل فى مقالات فقط، ولكن صدرت كتب اشتهرت آنذاك وذاع صيتها لمحمد عودة وحسنين كروم ومحمود مراد وغيرهم، ولم يتوقف الأمر عند فريق سياسى واحد، بل امتد ليشمل ماركسيين وقوميين وليبراليين وغيرهم، وكان كتابا محمد عودة وحسنين كروم أكثر الكتب حدة، وقدّم محمد عودة كتابه "الوعى المفقود" بجملة مشهورة تقول:
فقال الموسيقار الشاب للمايسترو الكبير: بالنسبة لتوسكانينى الفنان فإننى أحنى رأسى، وبالنسبة لتوسكانينى الإنسان.. وخلع حذاءه وانهال عليه"، وكان السؤال الذى فرض نفسه على كل ما كتب، هو: لماذ "سكت الحكيم كل هذا الوقت، وانتظر بعد رحيل جمال عبد الناصر، ثم هاجمه؟".
 

غلاف كتاب وثائق فى طريق عودة الوعى
ذلك استدعى هذا السؤال أن يصدر الحكيم كتابا آخر عام 1975 عنوانه: "وثائق فى طريق عودة الوعى"، ولم يكن الكتاب أقل إثارة من سابقه، وكتب حسنين كروم كتابا آخر عنوانه "سقوط الحكيم"، ليرد مجددا على ما جاء فى الكتاب الجديد، وينشر وثائق مضادة لوثائق الحكيم، وكان كتاب الحكيم الجديد يحمل شعارا يقول: "ها أنا ذا لم أسكت، ولم أنتظر حتى يأتى اليوم من يسأل: لماذا سكت؟ ولماذا لم تتكلم ولم تقل له رأيك وهو حىّ؟".
 

حوار جمال عبدالناصر مع محمد حسنين هيكل
وأفرج الحكيم عن رسالة قديمة ووحيدة كان قد أرسلها إلى جمال عبدالناصر عام 1970، عندما تم تعيين محمد حسنين هيكل وزيرا للإرشاد، ليترك مؤسسة الأهرام، وهنا كتب الحكيم رسالته لجمال عبدالناصر، وسلمها لحاتم صادق زوج ابنة الزعيم، وطرح عدة استفسارات ترقى إلى مستوى الاتهام، مثل "صدقنى ياسيادة الرئيس أن جريدة كالأهرام بأقلامها المستقلة تستطيع أن تعالج نفسية الرأى العام بأفضل مما تستطيع وزارة من الوزارات، ولا أقولها دفاعا عن زميل، فالموقف أجل وأخطر من أن أنظر إليه من زاوية شخصية، إنما هو الحق الذى أراه ونحن نجتاز مرحلة حرجة من تاريخنا، على كل مواطن فيها أن يكون صريحا"، ومما سبق يبدو أن ثمة اعتراض للحكيم على تعيين محمد حسنين هيكل، وكان قد قامت السيدة نوال المحلاوى مديرة مكتب هيكل، وزوجها عطية البندارى بزيارة عائلية لمنزل الكاتب السياسى والأديب لطفى الخولى ورئيس تحرير مجلة الطليعة، وهناك دارت أحاديث عديدة، من بينها الحديث عن رسالة الحكيم إلى جمال عبد الناصر.
 

لطفى الخولى
بعدها مباشرة تم القبض على لطفى الخولى وزوجته السيدة ليليان، وظلّ عدة شهور فى السجن، وذلك بعد أن تم تسجيل كل ما قيل فى تلك الزيارة العائلية، والبريئة من أى شبهة سياسية، وفى 13 مايو 1970 تم التحقيق مع لطفى الخولى بعد أن قررت النيابة "حبس المتهم أحمد لطفى الخولى حبسا مطلقا على ذمة القضية بسجن القناطر للرجال، وندب السيد رئيس القسم الفنى بإدارة المباحث العامة لتفريغ شريط التسجيل المقدم من هيئة الأمن القومى".
 

جمال عبدالناصر
وكان السؤال الأول الذى تم توجيهه للطفى الخولى هو: ألم تسمع أو تعلم أن السيد توفيق الحكيم أرسل هذا الخطاب إلى السيد الرئيس؟، وتم عرض الخطاب عليه، وكان رد الخولى :"أقرر أن هذه أول مرة أرى فيها هذا الخطاب، فلم يحدث أن عرضه علىّ الأستاذ توفيق الحكيم من قبل، وأنا أقرر أن الأستاذ توفيق الحكيم كان قد أبلغنى برغبته فى كتابة خطاب للرئيس وطلب منى مستحلفا ألا أذكر ذلك لأحد وهذا هو كل ما لى من علاقة بهذا الخطاب، والذى أذكره على وجه التحديد أن السيد توفيق الحكيم قال لى إنه عايز يوصل رأيه إلى سيادة الرئيس ولم يحدد لى الطريقة بدقة، ولا أذكر بالدقة أنه قال لى الطريقة اللى عايز يوصل رأيه بها إلى السيد الرئيس وأنا قلت له إذا كان هذا فيمكن بخطاب أو بمقابلة إذا أمكنك تحديد ميعاد ولكنه لم يحدثنى عن ما سيكتبه فى الخطاب والأستاذ توفيق الحكيم فى غنى عن القول إنه من المؤمنين إيمانا عميقا وقويا بالثورة وبقيادة عبدالناصر شخصيا وهو دائما يتحدث عن ذلك حتى أنه يسمى عبد الناصر عودة الروح بالنسبة إلى مصر وذلك نسبة إلى كتابه الوطنى المعروف عودة الروح".
 

غلاف كتاب الوعى المفقود
التحقيق مع لطفى الخولى طويل ومثير وذكى، ولكنه لم يخرج إلا بعد شهور مع السيدة ليليان حرمه، ولم ينقذ الكتاب الجديد للحكيم من منتقديه، بل زيدت نبرة الهجوم، خاصة بعد أن كرر اقتناعه وإيمانه بثورة يوليو ومنجزاتها وقائدها، ثم جاء لينتقده بضراوة.

(14 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع