حياة

كشفت عنها رحلة "محمد بن عمر التونسى".. دارفور من الداخل

من الرحلات المعروفة للباحثين المتخصصين فى تاريخ السودان فى أوائل القرن التاسع عشر، رحلة محمد بن عمر التونسى سنة 1803 إلى السودان ودارفور وواداي، الذى أتيح له من خلالها أن يلم إلماما واسعا بأحوال دارفور الاجتماعية والاقتصادية ونظمها السياسية والإدارية والحربية وعلاقاتها بجيرانها فضلا عن تاريخها، وتوفر له ما لم يتوافر لغيره من الرحالة الأوربيين الذين أرادوا دخول دارفور ولم يستطيعوا بسبب جنسياتهم الغربية ودياناتهم، ونظرا لأهمية رحلته تاريخيًا وجغرافياً - خاصة أنها بدأت من مصر - فإننا نورد للقارئ العربى فى موقع "بوابة الحضارات" موجزاً عنها وعن أهميتها حتى تضاف إلى حصيلته عن تلك البلاد وأحوالها فى ذلك الزمن.
  


ولد الرحالة محمد بن عمر التونسى بمصر فى عام 1204 هـ - 1789 م. كان جده سليمان التونسى من أعاظم أهل تونس ومن علمائها، وكان خارجا من تونس فى سفينته إلى مكة قاصدا الحج عبر البحر المتوسط حتى مصر ومنها إلى مكة لكنه دخل مصر بعد رحلة شاقة غرقت فيها سفينته وضاع ماله ثم وصل الحجاز، واجتمع فى ميناء جدة بأناسٍ من سنّار بالسودان وارتبطت بينهم صحبة فعاد معهم إلى بلادهم، ولما علم حاكم سنار ( المَك ) أنه رجلً من أهل العلم غريب الديار وضاع ما كان يملكه من مال ومتاع، رحب به وأجزل له العطاء، فاستقر الجد سليمان بسنار وتزوج هناك ونسى أهله بتونس، فتكفل بهم خال محمد بن عمر الرحالة، ثم خرج والد الرحالة – وهو السيد عمر التونسى – والخال من تونس بقصد الحج أيضاً، فتوجها من تونس إلى الإسكندرية ومنها إلى ميناء القصير على البحر الأحمر حتى يبحرا إلى الحجاز، ويشاء الله أن يحضر جد الرحالة من سنار لمصر بقصد التجارة فيلتقى ابنه والخال هناك قبل سفرهما للحجاز، ويتواعد الجميع على اللقاء ثانية فى القاهرة بعد العودة من الحج، إلا أن الخال قد مات فى مكة ودفن هناك، ورجع الوالد إلى القاهرة على أمل أن يلتقى بالجد فلما طال به الانتظار سافر إلى سنار ووجده هناك مغتبطاً لا يخطر له السفر على بال، فرجع الوالد إلى القاهرة، واستقر بها وعمل على التدريس بالجامع الأزهر وتزوج والدة الرحالة وأنجبا صاحبنا الرحالة محمد بن عمر.
يقول الرحالة فى كتابه "تشحيذ الأذهان" أنه ولد فى يوم الجمعة منتصف ذى القعدة عام 1204 هـ -1789 م، وسافر أبوه وهو فى سن السابعة إلى سنار حيث بلغه خبر وفاة الجد، أما الرحالة نفسه فقد بقى بمصر ليحضر دروس العلم بالأزهر.


صفحة العنوان للكتاب في طبعته العربية

ذهاب الرحالة إلى دارفور..
ولما طال غياب أبيه وانقطعت أخباره، عزم الرحالة على البحث عنه فى بلاد السودان، وكان قد بلغ وقتها الرابعة عشرة من عمره، ويشاء الله أن يلتقى محمد بن عمر التونسى فى وكالة الجلابة بالقاهرة بتاجر سودانى يدعى "السيد أحمد بدوي" من كبار تجار دارفور ويتضح له أنه صديق لأبيه الذى كان قد ارتحل من سنار واستقر بدارفور، فسافر فى صحبته إلى دارفور عبر درب الأربعين، وكان محمد طوال هذه الرحلة محل اهتمام ذلك التاجر، ولما وصلت القافلة إلى دارفور، جاء عم الرحالة المدعو أحمد زروق وصحبه إلى حيث يقيم أبوه عمر التونسى فى إقطاعه الذى كان قد منحه إياه سلطان دارفور "السلطان عبد الرحمن الرشيد" فى (أبو الجدول )، من أعمال دارفور، بعد أن استراح الرحالة من عناء السفر قدمه أبوه للسلطان محمد الفضل الذى كان قد خلف إياه عبدُ الرحمن الرشيد فى حكم دارفور، واستأذن هو فى السفر إلى تونس لرؤية أهله وأقاربه بعد أن اطمأن إلى أن ابنه سيقوم عنه بإدارة إقطاعه فى أبو الجدول.
 
قضى محمد بن عمر التونسى فى دارفور نحو سبع سنوات ونصف، ألمّ خلالها بأحوال البلاد وبعادات سكانها وتقاليدهم وبلغتهم إلماماً كاملاً . ثم غادر دارفور إلى واداى وبقى فيها ما يقرب من العام والنصف، حيث غادرها فى عام 1228 هـ - 1813 م متجهاً إلى تونس . ثم غادرها بعد ذلك إلى القاهرة بعد غيبة حوالى عشر سنوات قضاها فى دارفور وواداي.
 

جدول سلاطين دارفور بكتاب تشحيذ الأذهان

كتاب تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان..
ترجع ظروف وضع هذا الكتاب الذى جمع فيه الرحالة التونسى مشاهداته وملاحظاته خلال الرحلة التى قام بها لدارفور وواداى وما سمعه عن هذه البلاد خلال إقامته فيها – إلى الظروف التى ربطت بين الرحالة والمستشرق الدكتور بيرون الفرنسي، فبعد عودة محمد بن عمر التونسى من رحلته إلى دارفور وواداى التى استغرقت عشر سنوات كما ذكرنا آنفا؛ وذهب إلى تونس وعاد منها إلى القاهرة، التحق بالخدمة فى الجيش المصرى الذى أسسه محمد على بوظيفة واعظ، ثم عمل عام 1832 مصححاً لكتب الطب التى كانت تدرّس بمدرسة الطب بأبى زعبل، فاتصل أثناء قيامه بهذا العمل بالأساتذة الأوربيين الذين استقدمهم محمد على للتدريس بهذه المدرسة، وكان منهم الفرنسى بيرون حيث تلقى دروساً فى اللغة العربية على يد محمد بن عمر التونسي، ولما عُين بيرون مدرساً لمدرسة الطب بالقصر العينى عام 1893، أوصى بتعيين التونسى كبيراً للمراجعين اللغويين الذين كانوا يترجمون كتب الطب والعلوم للغة العربية والعكس، وكان أن علم بيرون من التونسى بتفاصيل رحلته إلى السودان، فشجعه على تدوين مذكراته عن رحلته لدارفور وواداى التى اتخذ لها هذا العنوان الذى التزم فيه بالسجع "تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان"، والنص العربى لهذه الرحلة والذى كُتب بخط الرحالة مفقود ولا نعلم عنه شيئاً حتى اليوم، لكن حتى تحكم مشيئة الله حكمتها فى إخراج هذا الكتاب النافع إلى القراء العرب، قام بيرون عام 1845 بترجمة الرحلة إلى الفرنسية وطبعها فى باريس، وذيّلها بملاحظات عديدة وتوضيحات اعتمد فى أغلبها على ما أمده به الرحالة نفسه من معلومات وبيانات وشروح، بالإضافة إلى ملحق عن سلاطين دارفور ومقدمة لهذه الترجمة من وضع بيرون والمهندس الفرنسى الشهير جومار، وبعد ظهور هذه الترجمة الفرنسية للرحلة بخمس سنوات – أى فى عام 1850 – نشر بيرون طبعة عربية للكتاب طُبعت على الحجر فى باريس، وهذه النسخة العربية هى بخط بيرون، وقد ظهرت هذه الطبعة فى حياة المؤلف التونسى نفسه.
وقد قام الأستاذان الدكتور خليل عساكر والدكتور مصطفى مسعد بالاعتماد على تلك النسخة العربية لكونها طُبعت فى حياة المؤلف، وذلك بالإضافة إلى النسخة الفرنسية، لعدم وجود الأصل العربى الذى قدمه المؤلف بخطه. 
 

قصر سلطان دارفور من كتاب تشحيذ الأذهان

أهمية رحلة التونسى إلى دارفور.. 
تقاس أهمية رحلة التونسى للسودان ودارفور بمدى ما استطاع أن يضيفه الرحالة إلى معلوماتنا عن الأوضاع الجغرافية والتاريخية والحياة الاجتماعية فى المناطق التى زارها وعاش فيها وسجل ملاحظاته عنها . وأهمية رحلة التونسى وقيمتها الحقيقية تظهر عند مقارنتها بالرحلات التى قام بها الرحالة الإنجليزيون دينهام و كلابرتون وأودنى فى الفترة 1823 -1824، وكذلك رحلة الألمانى بارث فى الفترة 1849 -1855، والحقيقة، إن رحلات التونسى تعتبر إضافة مهمة للمعلومات الخاصة بإفريقيا ولا يحض من قيمتها إغفال الأوروبيين لذكرها أو قلة تقديرهم لها، وقد أشار إلى هذه الحقيقة المستشرق الألماني"شِتِرْك" محرر مادة التونسى فى دائرة المعارف الإسلامية، حيث قال: "إن كتابات التونسى تعد مصدراً مهما لدراسة الأحوال الإثنوجرافية والثقافية والسياسية لبلاد السودان التى زارها، ولكنها مع ذلك لا تلقى سوى القليل من الاهتمام والتقدير". وكذلك أشار جومار فى مقدمته للكتاب: " لقد اتضح لى عند قراءتى لهذه الرحلة أنها ستضيف الكثير إلى ما لدينا فى الوقت الحاضر من معلومات عن أفريقيا، وأنها ستكون نعم العون لأولئك الذين سوف يعتزمون السياحة إلى ذلك البلد النائي، حيث سيعتبرونه مدخلاً إلى تلك البلاد السودانية".
هذا وقد نُشر الكتاب مرتين، الأولى: فى عام 1965 عن الدار المصرية للتأليف والترجمة بالقاهرة من تحقيق الدكتور خليل عساكر والدكتور مصطفى مسعد، والثانية: فى مشروع "مكتبة الأسرة" عام 2009، وهى نفس الطبعة السابقة الكاملة إلا أنها أصغر فى المقاس، وإننا نرجو أن تظهر منها فى القاهرة طبعة جديدة، وبالأخص فى هذه الفترة التى تتجه فيها أنظار المصريين حكومة وشعباً إلى إفريقيا من جديد .  

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع