حياة

إن أعطيته شكر وإن منعت عنه صبر..

رجل الصبا ر


على اليسار قليلا بعد المدخل الرئيسي لحديقة الأورمان بالجيزة، حيث "معرض زهور ربيع" المستمر هذا العام في الفترة من 19 مارس وحتى 2 مايو، يقف المستشار "ثروت بدوي" القاضي السابق، ومؤسس "المزرعة العالمية للصبار"، بملامحه السمراء المصرية بين "صباراته" الأثيرة التي جمعها من مختلف بلدان العالم، مستقبلا محبي ومُريدي هذه النباتات.



رحلة طويلة وممتعة بدأها المستشار بدوي، منذ 35 عاما، جمع خلالها "صباريات" من مختلف بلدان العالم وخاصة بلدان أمريكا الجنوبية؛ التي تعتبر موطنا أساسيا لنباتات الصبار، حيث كان يسافر بنفسه أحيانا، وأحيانا أخرى يكلف أصدقاء ومعارف له بجلب النباتات والبذور من هناك، حتى وصل رصيد مزرعته إلى 12 ألف صنف من هذه النباتات، أي ما يقرب من نصف المكتشف العالمي من هذه النباتات.



في البداية كانت الهواية:
"في البداية كانت محض هواية"، كما يقول بدوي وهو جالس بين أشكال وألوان مختلفة من صباراته المتواجدة بالمعرض. "لم يكن لدينا أدنى تفكير في أي منعطفات تجارية، وكان ذلك في وقت كانت أقصى حدود مفاهيم المصريين عن الصبار أنه النبات الخاص بالمقابر، إلى أن تطورت الفكرة بدافع من بعض الأصدقاء إلى إنشاء مزرعة متخصصة في الصبار لإتاحة الفرصة لمزيد من الناس في التعرف على هذا العالم الفريد".



ومع الوقت تحولت "المزرعة العالمية للصبار"، ومقرها في "شبين القناطر" بمحافظة القليوبية، إلى مزار، ليس فقط للمصريين المهتمين بهذه النباتات، وإنما، كما يشير بدوي، لمواطنين من بلدان الصبار الأصلية، الذين رصدوا اهتمامه بتجميع عديد من الأصناف التي كان يلزم لتراها أن "تلف كعب داير على عدد غير عادي من المزارع والبلدان، فأصبحت الآن في مكان واحد"، لأنه "لم يكن مهتما بالتجارة بقدر ما كان مهتما بالهواية وتجميع أكبر قدر من أنواع الصبار".



فضل الصبار على البشرية:
يرتبط تاريخ اكتشاف نباتات الصبار المختلفة التي تصل إلى قرابة 25 ألف صنف، كما يشير صاحب "المزرعة العالمية للصبار"، بالرحالة والمستكشفين العظام من أمثال "كرستوفر كلومبس"، و"فاسجو دي جاما"، و"مارتليميو دياس".
ولكلومبس، على سبيل المثال، قصة مثيرة مع الصبار، حيث كان في رحلة من منطقة القرن الأفريقي صوب إسبانيا، وعثر في أثناء ترحاله على مجموعة من نباتات الصبار التي كانت في حينه غريبة للغاية، وأخذها وأهداها للملكة إيزابيلا، ملكة إسبانيا وقتها، حسبما يذكر بدوي.
"كان وقع هذه الهدية على ملكة إسبانيا أعظم قيمة من المجوهرات، لدرجة أنه بعد هذه الهدية بدأ الملك تشارلز ملك إسبانيا يهتم اهتمامات غير عادية بتربية نباتات الصبار وأصبح من مريديها ومحبيها، وكانت النتيجة أنهم خصصوا بعض قطع الأسطول الإسباني لكلومبس في رحلاته وجولاته، وكان ذلك سببا في اكتشاف الأمريكتين، اللتان اكتشفهما بقطع بحرية من الأسطول الإسباني، ولذلك قالوا إن هناك فضلا للصبار على البشرية".



إن أعطيته شكر:
يحكي المستشار ثروت بدوي أنه ذات مرة بينما كان أحد وزراء الزراعة يفتتح المعرض، طلب منه أن يقول كلمة موجزة جدا عن الصبار، فقال "أحمد الله أن جعلني راعيا لهذا النبات الذي إن اعطيته شكر وإن منعت عنه صبر"، وكان يقصد بذلك إيصال رسالة بأن "نباتات الصبار قوية جدا، وشديدة التحمل، وتعطينا الجمال الطاغي الموجود في كل النباتات الأخرى، بل ويزيد، وتتفوق عليها بأنها نباتات أكثر تحملا وأكثر صبرا، ولا تجهد مربيها بالمرة، ولو نسيتها أسبوعا أو 15 يوما في الصيف، وفي الشتاء شهرا ونصف، لن تتأثر سلبا على خلاف النباتات الأخرى.



غير أن ما سبق لا يعني أن هذه النباتات ليست بحاجة إلى رعاية، حسبما يؤكد بدوي الذي يشير في هذا السياق إلى 3 مقومات أساسية تتمثل أولا في توافر "نسبة إضاءة معقولة"، حتى لو كانت صناعية، ليتمكن النبات من إتمام عملية التمثيل الضوئي، وثانيا "الري" لأن الصبار وإن كان يتمتع بقدرة على التحمل إلا أنه في النهاية كائن حي ويحتاج للمياه بما يتناسب مع الظروف المناخية القائمة، تماما كالإنسان الذي تختلف احتياجاته للمياه من الصيف للشتاء، وأخيرا يأتي "التسميد" الذي لا يعتبر ضروريا لحياة النبات بقدر ما هو ضروري لجماله ونموه، ويعتمد على "السماد المركب" الذي ينبغي أن يتضمن العناصر الغذائية المتكاملة.



البحث عن غذاء الروح:
والآن وبعد 19 عاما من المشاركة السنوية المتواصلة لـ"المزرعة العالمية للصبار" في "معرض زهور الربيع"، كما يضيف بدوي، "بدأ المصريون يعرفون معنى الصبار، ويرون نماذج وأشكالا وألوانا وأحجاما وارتفاعات وندرة وقيمة، ومن هنا بدأوا يحترمون الصبار باعتباره قيمة نباتية وجمالية كبيرة، ومصدر مهم، مع غيره من النباتات والزهور والجميلة الأخرى، لما يسميه المستشار ثروت بدوي بـ"غذاء الروح" اللازم للارتقاء بالشخصية الإنسانية وتحليها بما يصفه بـ"الشياكة والكياسة والذوق العام".
 
 

(51 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع