حياة

داوود حسني.. عبقرى التلحين اليهودى الذى تتلمذ على يد مشايخ المسلمين

إنه التسامح مرة ثانية وثالثة وحتى ما شاء الله!
أن تكون يهوديا، ولكنك قبل ذلك مصرى أبا عن جد، فيتم الاحتفاء بموهبتك الاستثنائية وتبحث عنك أم كلثوم وهى فى بداياتها الأولى لتلحن لها العديد من الأدوار والطقاطيق بعد أن تتلمذت أنت على يد مشايخ المسلمين! نعم ففى ذلك الزمن الذهبى النبيل، لم يكن أحد يتوقف ليسأل عن نوع ديانتك..
 
فى حى شعبى بالقاهرة، تفاءل أبوه خيرا بمولده ديفيد لعله حين يكبر ينتشل الأسرة من الفقر المدقع الذى ترزح تحته، ولذلك اهتم بتعليمه اهتماما بالغا، لكن الابن كان يهوى الطرب ومغرم بموسيقى الأدوار والطقاطيق التى كانت شائعة فى نهايات القرن التاسع عشر. كان يريد أن يكون واحدا من الوسط الغنائى آنذاك وبأى ثمن!
 
 هرب ديفيد – وهو الاسم العبرى لداوود – إلى المنصورة حيث لا يعرفه أحد وهناك تتلمذ على يد الشيخ محمود شعبان، أستاذ ومعلم نجم نجوم هذا الجيل، الفنان عبده الحامولي، وشرب الصنعة فى العزف على العود وتعلم أنواع الأوزان والقواعد الموسيقية..
عاد إلى القاهرة مرة أخرى وقرر تغيير اسمه ليصبح داوود حسني، فى شارع محمد على، عنوان الفن والطرب، اختلط بأجواء شعبية خالصة وجاءت موسيقاه وألحانه متأثرة بحالة السلطنة وخفة الروح والبهجة الخالصة وهو ما يظهر فى أغنيات مثل "قمر له ليالي" و"على خده يا ناس ميت وردة" و"عصفور العصارى يا أماه" وغيرها من الأعمال الباقية حتى اليوم تشجى المستمعين.
 



ويبقى الإنجاز الأكبر لهذا العبقرى أن قام بتمصير فن الأوبرا بعد أن كان فنا إيطاليا أوروبيا خالصا، حيث قام بتأليف أوبرا "شمشون ودليلة" بروح مستوحاة من الحارة المصرية، كما قام بصياغة عدد من الأوبريتات.
 
 كان داوود حسنى صانع النجوم بحق، فبفضل موسيقاه الشعبية المستوحاة من الشارع أسهم فى تقديم ونجاح أم كلثوم التى لحن لها على سبيل المثال "شرف حبيب القلب بعد الغياب" و"يا قلبى إيه ينوبك" و"روحى وروحك فى امتزاج" و"العد علمنى السهر"، كما لحن للمطرب الكبير صالح عبد الحى عددا كبيرا من الأدوار منها "حرمت أعشق بعد اليوم" وكذلك قدم ليلى مراد ونجاة على وأسمهان.
 


ويعد الرجل الأب الروحى للموسيقار سيد درويش باعتراف الأخير نفسه الذى يقول "كلما فتحت بابا جديدا للموسيقى وجدت داوود حسنى وقد سبقنى إليه". 
وبرغم نجاحاته الواسعة، لم يكن يحسن الادخار ولا يجيد التعامل مع النقود فعاش حياته صعلوكا يأخذ الدنيا بالطول والعرض. إخلاصه الوحيد للفن الذى لا يكف عن تخيله فى ألحان عظيمة حتى وهو عائد للبيت قبيل الفجر يترنح بعد سهرة ممتدة والألحان تتدفق على لسانه بينما آهات الإعجاب تتوالى على جانبى الطريق صادرة عن بيوت لا تزال ساهرة.
 
تزوج للمرة الأولى فى 1906 وأنجب ثلاثة أولاد وبنتا واحدة ثم ماتت زوجته فوضع لها لحن "ودعت روحى وحبى لم يودعني" ما يذكرنا بأستاذه عبده الحامولى حين توفيت زوجته ألمظ فغنى فى ذكراها "شربت المر بعد التصافي".
 
وتزوج للمرة الثانية 1930 حيث أنجب ولدين هما فؤاد وبديع الذى غير اسمه إلى اسحق هاليفى ليعمل محررا للشئون العربية فى إذاعة إسرائيل! نعم هذه الحياة.. أب يغير اسمه العبرى من أجل مصر.. وابن يغير اسمه المصرى من أجل إسرائيل..!!
 

(8 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع