حياة

منهم من وقع فى غرامها ومن أوصى بدفنه فى مقابرها..

خواجات المحلة وأيامهم

 
للأجانب أو الخواجات فى المحلة ذكريات وحكايات تستحق أن تروى.. وقعوا فى غرامها.. وبعضهم تزوج منها.. وآخرون أصروا على أن يدفنوا فيها.. والأهم أن الكثير منهم أسهم فى نهضتها الاقتصادية والعمرانية، فنالوا حب المدينة وأهلها.. وتم تخليد بعضهم بإطلاق اسمه على شوارعها.
 
 
المحلة فى زمن الخمسينيات ويظهر فى الصورة (النادى اليونانى) الذى تحول إلى ( النادى الزراعى) بعد الثورة
  
تشير الإحصائيات إلى أن المحلة كان يسكنها أكثر من 300 أجنبى من مختلف الجنسيات بخلاف العدد الضخم لأفراد الجالية اليونانية واليهودية ومن أبرز هؤلاء الأجانب الذين تركوا بصمات كبيرة الخواجة الإيطالى "كاتينيو" الذى كان أول من أدخل السينما إلى مدينة المحلة الكبرى خلال فترة العشرينيات حيث أقبل الناس على دار التياترو والسينما التى أنشأها فى فرح وسرور لكن المناظر التى تخللت الأفلام فى ذلك الوقت كانت صامتة بدون أى صوت فهى مجرد كلمات مكتوبة على شاشة السينما بالإنجليزية وعندما قرر الخواجة تصفية أعماله والعودة إلى بلاده ابتاع الدار لممثل كومبارس من أبناء المحلة يدعى (إبراهيم البابلى) الذى قام بتحويل الدار إلى مسرح يستقدم للتمثيل على خشبته مشاهير التشخيص فى ذلك الحين لكنه تعرض للإفلاس بسبب بذخه الشديد واضطر إلى بيع الدار والمسرح حيث استقر به المقام فى القاهرة وشارك فى العديد من الأفلام مثل فيلم (الوحش) و(هجرة الرسول) كما مثل فى العديد من المسرحيات واشترك فى تأليفها أو إعدادها للمسرح مثل مسرحية (كفر أبو مجاهد) ومسرحية (قلوب خالية).
 
 
مسرح وسينما نادى غزل المحلة
  
أما الخواجة الإنجليزى "فرنسيس" فقد ذكره على باشا مبارك فى كتابه الشهير "الخطط التوفيقية " بأنه كان يملك ورشة معدة لإصلاح الوابورات كانت تقع بالقرب من قنطرة (نيروز) وأخرى فى محل ديوان المديرية سابقا وهى أيضا للخواجة المذكور.. بينما استعان رجل الاقتصاد العظيم طلعت حرب باشا بالخواجة الإيطالى "فيرارى " الذى كان واحدا من أشهر الفرازين فى مجال القطن وأسند إليه مهمة الفحص والإشراف على القطن الذى تجلبه شركة مصر لحليج الأقطان التى أسسها سنة 1924 وحضر حفل افتتاحها رئيس وزراء بلجيكا، وكانت أشهر الوقائع التى أثارت جدلا كبيرا ثورة الأزهر على الخواجة اليونانى "استيليو كاكريس " تاجر البن والخمور الشهير وذلك بسبب قرار الملك فاروق بمنحه وسام الاستحقاق نظير جهوده فى دعم حملة التبرعات لمناصرة حرب فلسطين ضد الصهاينة سنة 1948 وكذلك تبرعه بجزء كبير من ثروته لبناء مستشفى الرمد وملجأ الأيتام بالمحلة، حيث جاء اعتراض الأزهر على منحه هذا الوسام الرفيع لكونه تاجرا للخمور وانتهى الأمر بمنحه شهادة تقدير فقط.
 
 الخواجة اليونانى "استيليو كاكريس" ومعه جاره عبد الحى مقبل بائع الأجهزة الكهربائية سنة52
 
 الحكايات المثيرة فى تاريخ الأجانب بالمحلة مازالت مستمرة وبعضها يصعب تصديقه وكانت نهايتها مثل الأفلام المصرية القديمة ومنها قصة الخواجة الإنجليزى مستر "لينى" رئيس قسم الصوف بشركة غزل المحلة الذى وقع فى غرام عاملة ملابس تدعى (صفية) فتزوجها بعد أن أعلن إسلامه وجعل منها أول لاعبة للتنس داخل المدينة حيث كان لينى يجيد ممارسة العديد من الألعاب الرياضية ومنها لعبة التنس.. بينما تم إطلاق اسم الخواجة اليونانى "جيراديوس " على أحد شوارع المحلة تقديرا لدوره فى نهضتها التجارية.
 
  
مستر (باركنسون) مع أحمد توفيق البكرى رئيس الشركة ومحمد حبيب وعدد من ناشئي المحلة
  
أما أبشع النهايات التى أحزنت الناس لفترة فكانت مصرع مستر "كول" مدير محلج الخواجة الإنجليزى "أولبرايت بيل" حيث قام بالانتحار من فوق سطح منزله الذى كان يشغل جزءا من أرض المحلج بعدما علم بتأميم المحلج وأرصدته فى البنوك فى أوائل الستينيات وعندما شاهده الكلب الخاص به لم يتحمل فراق صاحبه فلحق به.
ويدين فريق الكرة بالمحلة فى عصره الذهبى إلى المهندس الإنجليزى مستر "باركنسون" رئيس قسم النسيج وزميله مستر "إيدن" حيث كانا وراء إقامة أول ملعب ترابى للكرة على أرض مصنع الصوف سنة 1939 وظلا يجوبان شوارع المحلة للبحث عن المواهب ونجح إيدن فى اكتشاف اللاعب (عصمت البهنسى) مهاجم المحلة الخطير فى الخمسينيات وضمه إلى الفريق الأول وعمره 15 سنة، كما دعما صفوف الفريق أيضا باللاعب اليونانى (ينى كومبانيدس) الذى طارده النادى الأهلى كثيرا بهدف ضمه لكنه رفض أن يلعب فى أى ناد داخل مصر غير المحلة.
 
 
ينى كومبانيدس مهاجم المحلة فى الستينيات
 
ورغم أن عددا كبيرا من هؤلاء الأجانب قد عاد إلى بلاده عقب قرارات التأميم إلا أن بعضهم فضل أن يعيش ويدفن فى أرض مصر ومنهم الخواجة اليونانى "خرستو" صاحب أقدم أجزخانة فى المحلة الكبرى والتى أسسها سنة 1910 وكانت تقع خلف محل عمر أفندى بشارع الطباخين ورفض أن يهاجر إلى دولة أمريكا التى كان يحمل جنسيتها أيضا وكان يقول لجيرانه دائما أن المحلة عنده أفضل من أمريكا التى عانت حروبا أهلية عديدة!!.. وكانت أسماء الأطباء الأجانب تملأ شوارع المدينة ومنهم الدكتور "باروناق" وهو أرمنى تعلم فى فرنسا وكان متخصصا فى علاج الأمراض الباطنية بأنواعها عدا الجراحة، "والحكيم الرومى الكبير"، "والحكيم الرومى الصغير" وهما يونانيان ويمارسان المهنة بتصارح، والدكتور " وروزيان " وهو أرمنى محترف يعالج الأسنان.
أما المصور الإيطالى العبقرى "روكا " فقد عاش بمفرده حتى آخر أيامه ورفض الزواج حتى يتفرغ لمهنة التصوير التى كان يعشقها وكان محل التصوير الخاص به يطل على شارع ترعة الملاح أسفل عمارة الأعصر القديمة وله مدخل من أمام لوكاندة الشعب بالمحلة.. بينما عاد زميله المصور " كلفيانو " إلى إيطاليا بعد أن باع الأستوديو الخاص به لأحد مساعديه الذى قام بتغيير اسمه إلى "استوديو العربى" وكان يقع فى شارع البهلوان.
 
 
صورة رائعة من أعمال روكا لجورجيت وأليس شقيقات الخواجة نيقولا حنيكاتى كبير الصرافين بالبنك الأهلى
 
 ومن المشاهير الذين احتكروا صناعة وتجارة القطن فى المحلة وكنا قد ذكرنا بعضهم فقط فى مقال سابق عن تاريخ محالج القطن فهم: الإنجليزى "كارفر" وكان محلجه يقع بجوار بنك مصر، واليونانى "ينى كبرياؤس وشريكه" جورجى غلناكى " ومحلجهم فى منطقة السبع بنات، "وخورى بناكى "يونانى الجنسية وتم تأميم شركته تحت اسم "شركة بورسعيد للقطن" وكانت تقع مكان بنك الإسكندرية، والخواجة اليونانى" متروبادس " ومحلجه تحول إلى مدرسة ابتدائية هى مدرسة النصر، والخواجة" متنياى" وكان له محلج بجوار السكة الحديد وبجواره قصر بجنينه، والشاميان الخواجة " سليم " و" حبيب بولاد " الشهير "بزلزل " وكانا لهما وابورا مشتركا بجوار "محلج بيل" وعلى مقربة منهما وابورا للخواجة " إبراهيم الشاغورى " وبه محل سكنه، وبحارة المحجوب عند جامع أبو العباس " وابورا للخواجة "موسى حنا " والشركة الإنجليزية "رينهارد" التى تحولت للشركة المساهمة للقطن، والخواجة اليونانى الشهير "باندليه باندبلو" الذى كان منافسا قويا لفرغلى باشا ملك القطن ببورصة الإسكندرية"، والسويسرى "رودلف بليس "، والخواجة اليونانى "بوقراطى " واليونانى " أنطوان خورى " و"جورج ميخائيل" الشهير " "بماركو" وكان مدير شركة القاهرة للقطن وهو شامى الجنسية و" إليان بدارو " المحاسب بالشركة من أصول شامية.
 
  
صورة نادرة للمحلة سنة 1920 ويظهر فيها عدد من محالج القطن على اليمين
  
أما (الصيارفة) الذين كانوا يعملون داخل حلقات بيع محصول القطن الذى يجلبه الفلاحون إلى داخل المحلة فقد احتكر هذه المهنة معظم اليهود والشوام وكانت أعمالهم تشبه أعمال البنوك حاليا ومسئولون عن سداد ثمن المحصول للفلاح ثم تحصيل قيمته من الحليج مقابل عمولة وكانت لهم مكاتب منتشرة داخل المدينة وأبرزهم "أبو كاسيس" يهودى مصرى وكان رباويا وله دكان بجوار قهوة سميراميس، و"مزراحى" يهودى مصرى ودكانه أسفل العمارة الضخمة بميدان السكة الحديد، و" أبو زخم " شامى الجنسية ومقره أمام مسجد أبو العباس من جهة بابه الغربى، وإخوان "حنيكاتى" شوام أيضا.
 
  
قهوة الزجاج للخواجة اليونانى "فواكليه"
  
كما شهدت العديد من الحرف والمهن المختلفة أسماء كثيرة لهؤلاء الأجانب مثل اليونانى "إسكندر بلتاس" كهربائى السيارات وكانت ورشته تقع بجوار القهوة التجارية، والشامى "على الأعرج " وكان الأول فى صناعة الكباب الفاخر، "ويوسف ونقولا عفيش " تجار الصينى والأدوات المنزلية وهما من الشوام، واليهودى" ألفريد زبال " تاجر الجوخ والحرير ومقره كان أسفل عمارة البهلوان، والخواجه اليونانى " جورجى " تاجر الحدايد ولوازم العمارات بشارع كنيسة الأروام، وتاجر القماش والخردوات اليهودى " باخور " بسوق السلطان، والخواجه " طناش " صاحب مطعم، " ويوسف حموى " اليهودى صاحب توكيل راديو فيلبس بشارع البهلوان وجاره البقال اليونانى الخواجه " أنطون " والترزى اليونانى " تودرى طناش " والخواجه " أندريا" صاحب سينما نادر، والخواجه " ينى " صاحب مخبز أفرنجى بشارع الطباخين، واليونانى " ببادبلى " تاجر البقالة بالجملة فى سوق السلطان، "وجبر اشكينازى " المشرف على أوقاف وأملاك اليهود بالمحلة، ومستر " حراد " رئيس الطائفة اليهودية بالمحلة، واليونانى "اسبيرواسترافينوس" صاحب مقهى الكلوب الذى كان الملك فؤاد يعشق الجلوس بداخله لممارسة هوايته المفضلة فى لعبة البريدج مع أصدقائه من أثرياء المدينة وأبناء الجاليات الأجنبية قبل توليه عرش مصر، والخواجة اليونانى "فواكليه" صاحب قهوة الزجاج.. وغيرهم الكثيرين الذين تركوا ذكريات طيبة مع أهل المحلة وكان لكل منهم قصة وحكاية أخرى.
 
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع