حياة

فى الذكرى الثالثة عشر للمحرقة..

حان الوقت ليستريح شهداء مسرح بنى سويف فى مراقدهم

كنت مرشحًا لأن أكون واحدًا من ضحايا محرقة مسرح بنى سويف المروعة التى هزت مصر والعالم فى الخامس من سبتمبر 2005، كنت مرشحًا لأن أكون شهيدًا أو، على الأقل، مصابًا.
الذى حدث أن الصديق الشاعر محمود نسيم دعانى لحضور الجزء الأول من مهرجان نوادى المسرح الذى تقيمه هيئة قصور الثقافة، واختارت بنى سويف لاستضافة فعالياته، ولأننى كنت استعد، وقتها، للسفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وكان موعد عودتى فى الثالث من سبتمبر، فقد اتفقنا أن يكون حضورى للمهرجان يوم الخامس من سبتمبر، فليس معقولًا أن أعود من أمريكا فى الثالث من سبتمبر بعد رحلة طيران تستغرق أربعة وعشرين ساعة، وأذهب فى اليوم التالى مباشرة إلى بنى سويف.



صباح الخامس من سبتمبر وبينما أعد حقيبتى للسفر إلى بنى سويف، اتصل بى مسئول الإعلام فى وزارة الثقافة يخبرنى بأن رئيس الوزراء سيفتتح اليوم مسجد أحمد بن طولون بعد انتهاء المجلس الأعلى للآثار – كان تابعًا وقتها لوزارة الثقافة – من مشروع ترميمه، وأننى مدعو لحضور الافتتاح ، باعتبارى مندوب جريدة المساء لدى وزارة الثقافة.



كان من الصعب أن أتجاهل مثل هذا الحدث الذى تقتضى وظيفتى متابعته، قلت أذهب اليوم إلى ابن طولون، وغدًا إلى بنى سويف، ثم إن المهرجان مش هيطير.
فى مساء 5 سبتمبر عدت إلى الجريدة لأكتب تقريرًا عن افتتاح المسجد لينشر فى اليوم التالى، أثناء جلوسيفى " ديسك " الجريدة جاءنى خبر نشوب حريق فى مسرح بنى سويف، ظننت ، فى البداية، أنه حريق بسيط وتم إخماده، لكن الأخبار، بعد ذلك، توالت عن سقوط شهداء ومصابين.
اتصلت برئيس هيئة قصور الثقافة د. مصطفى علوى، عضو لجنة السياسات بالحزب الوطنى، استطلع الأمر، كان الخبر قد وصله، اقترحت عليه أن يتوجه فورًا إلى بنى سويف لمتابعة تداعيات الحادث، فوجئت به يقول سأذهب غدًا إن شاء الله، ولا أدرى هل ظن الرجل أن الأمر بسيط ولايستدعى السفر فورًا، أم أنه أدرك فداحة الحادث وخشى السفر على طريق الصعيد ليلًا، وقال الصباح رباح؟ الله أعلم.



لماذا أحكى لك هذه الحكاية الشخصية؟ أحكيها لأننى أتصور السيناريو الآخر، سيناريو ذهابى إلى بنى سويف يوم 5 سبتمبر وجلوسى فى الصفوف الأولى المخصصة للنقاد والصحفيين، هؤلاء الذين احترق أغلبهم فى أماكنهم، ومن قفز منهم من فوق مقعده وحاول الخروج لم يسعفه الوقت واحترق هو الآخر.
كنت سأترك زوجة وأبناء دون عائل، ودون يد تمتد للمساعدة أو المواساة، كنت سأذهب إلى النسيان كما ذهب معظم الراحلين، ولم تحظ أسرهم لا برعاية ولا تكريم، ولا أى شيء من هذا القبيل.
لست من الذين يفضلون المناحات التى لا تنتهى، ولست من الداعين إلى إقامة مناحة يوم الخامس من سبتمبر كل عام، فتكريم هؤلاء الشهداء ليس بالمناحات بقدر ما هو بالإجراءات العملية التى تخص الضحايا وأسرهم من جانب، وتخص المسرح المصرى عمومًا ومسرح الثقافة الجماهيرية خصوصًا، من جانب آخر.


الشهيد صلاح حامد 
ولنبدأ بالضحايا، ودعنى أذكر لك، أو أذكرك ، بأسمائهم حتى تدرك حجم الكارثة المروعة التى حلت بالمسرح المصرى، وأرجو ألا تخوننى الذاكرة وأنسى واحدًا منهم:
حازم شحاته، د. محسن مصيلحى، بهائى الميرغنى، حسن عبده، نزار سمك، أحمد عبدالحميد، د. مدحت أبو بكر، حسنى أبو جويلة، شادى منير الوسيمى، صلاح حامد، محمد صلاح حامد، مؤمن عبده، ياسر ياسين، سامية جمال، رائد أبو المجد، رشا ربيع، سيد معوض عثمان، عبدالله عبدالرازق، مازن قرنى، محسن السيد كامل، محمد السيد أيوب، محمد أشرف حسنى، محمد أحمد حسن، محمد أحمد إبراهيم، علاء المصرى، محمد رجب جاب الله، محمد شوقى الغريب، محمد على منصور، محمد مصطفى حافظ، محمد يحى صلاح، إبراهيم الدسوقى، أحمد السيد أبو القاسم، أحمد محمد جودة، أحمد عزت عبداللطيف، هناء عطوة، محمود نبيل، أحمد محمد فيومى، أحمد على سليمان، أسماء محمد السيد، أشرف جابر سعيد، أشرف محمد عبدربه، السيد رجب سعيد، أميرة حسين محمد، إيمان محمد الجندى، أحمد عرفه محمد( مجند)نصر حسن جوده( مجند بالمطافئ).


نزار سمك
ما الذى فعلناه لهؤلاء وأسرهم؟ لا شيء تقريبًا، أطلقوا اسم حسن عبده على إحدى القاعات بقصر ثقافة الجيزة، واسم هناء عطوة على مكتبة الطفل بقصر ثقافة الفيوم، وتقريبًا اسم مؤمن عبده على قاعة بأحد قصور الثقافة بالإسكندرية.
هل أصدرنا الأعمال الكاملة للمؤلفين والنقاد منهم، هل أنتجنا عملًا مسرحيًا ضخمًا لتخليد ذكراهم ويليق بهم وبحجم ما قدموه للمسرح المصرى، هل وثقتا الأعمال التى قدمها المخرجون منهم، هل قدمنا معاشات استثنائية كريمة ولائقة لأسرهم؟ لا شيء من ذلك حدث.
كاد هؤلاء جميعًا أن يطويهم النسيان، ولولا الجهود التى تقوم بها المخرجة المناضلة مها عفت لتخليد ذكرى هؤلاء الشهداء والحصول على حقوق أسرهم ما حدث شيء، وقد نجحت مها عفت فى أشياء وفشلت فى تحقيق أخرى بسبب الجحود والنكران واللامبالاة التى تجدها من قبل المسئولين.
نجحت جهود مها عفت كذلك فى استصدار قرار من وزير الثقافة الأسبق د. عماد أبو غازى باعتبار يوم الخامس من سبتمبر يومًا للمسرح المصرى.
الذى أفهمه أن يوم المسرح المصرى يجب أن يتضمن، على الأقل، احتفالية ، ولو بسيطة، نتذكر فيها هؤلاء الشهداء، وكلمة يكتبها كل عام أحد المسرحيين الكبار ويتم تلاوتها فى جميع المسارح التى يجب أن يقف الحاضرون فيها دقيقة حدادًا على أرواح الشهداء، لا شيء من ذلك حدث، وتم اختزال الأمر فى وقفة بالشموع أمام مسرح الهناجر فى الخامس من سبتمبر كل عام، وحتى هذه تتم بمبادرة شخصية من مها عفت وأسر الشهداء.
 

مؤمن عبده
الحاصل أن الثقافة الجماهيرية تجاهلت الأمر تمامًا وكأنه لا يعنيها، وإن كان هناك أمل فى أن يلتفت المخرج عادل حسان ، الذى أصبح مديرًا لمسرح الثقافة الجماهيرية ، إلى هذا الأمر، فهو أحد مصابى الحادث، ويدرك ، أكثر من غيره ، حجم الكارثة التى ألمت بالمسرح المصرى، وحجم التضحيات التى قدمها شهداؤه ومصابوه.
هذا عن الشهداء وأسرهم، فماذا عن المسرح نفسه؟ فى ظنى أن أكبر تكريم لشهداء المسرح هو الاهتمام بمسرحيى الثقافة الجماهيرية الذين يعملون فى ظروف بالغة الصعوبة، عندما استشهد الذين فى بنى سويف وقيل إنهم من خيرة أبناء المسرح المصرى، علق أحد كبار الموظفين فى وزارة الثقافة قائلًا" طب لما هما كده رايحين بنى سويف ليه وأجرتهم فى اليوم 100جنيه"، وكانت مكافأة الناقد الذى يشارك فى لجنة التحكيم أو لجنة الندوات 100 جنيه فى اليوم، ارتفعت الآن إلى 200 جنيه وهو مبلغ تافه بأسعار هذه الأيام.
 


أيضًا مازالت الأجور التى يحصل عليها المخرجون والمؤلفون ومهندسو الديكور والممثلون وغيرهم من العاملين بمسرح الثقافة الجماهيرية، متدنية وغير لائقة ولم تطرأ عليها سوى تعديلات طفيفة، حارب مدير إدارة المسرح السابق د. صبحى السيد من أجل الحصول عليها.
وإذا نظرت إلى البنية المسرحية فى الأقاليم فسوف تصدم من حجم الإهمال الذى تعانيه بيوت وقصور ومسارح الثقافة الجماهيرية، فأغلبها لايصلح للاستعمال بل ويمثل خطورة على المواطنين، وحتى المعقول منها يقوم الدفاع المدنى بإغلاقه بحجة عدم الالتزام باشتراطات الدفاع المدنى، صحيح أن هناك بعض المواقع الجديدة أو التى تم ترميمها وافتتاحها، لكن ذلك كله لايكفى، والتجهيزات المسرحية من أجهزة صوت وإضاءة وخلافه فى غاية السوء ، إذا توافرات، لأنها غير متوافرة فى معظم المواقع، اعرف أن ذلك ليس وليد اللحظة، وأنها تراكمات عشرات السنوات نظرًا لأن ثقافة الصيانة منعدمة لدينا، لكن المطلوب الآن الأسراع بترميم المواقع الخربة، والشروع فى بناء جديدة، وتزويد المواقع بأجهزة صوت وإضاءة وغيرها حتى يستطيع المسرحيون العمل فى ظروف آدمية، ومطلوب كذلك ان تخرج الثقافة الجماهيرية من كهفها وتكف عن تقديم النصوص التى أكل عليها الدهر وشرب، وتقدم للناس مسرحًا يمس همومهم وقضاياهم ويطور وعيهم.
 


وإحقاقًا للحق فقد بدأ د. صبحى السيد مدير إدارة المسرح السابق خطوات جادة فى سبيل تطوير مسرح الثقافة الجماهيرية، وعمل على رفع الأجور وزيادة الميزانيات، وقدم مشروعات مهمة تحسب له ، وإن لم يسعفه الوقت لاستكمالها، والأمل معقود الآن على المخرج عادل حسان ليستكمل ما بدأه صبحى السيد ويضيف إليه، حتى يستعيد مسرح الثقافة الجماهيرية مكانته وتأثيره، ووقتها سيشعر الشهداء بالراحة فى مراقدهم، وأنهم ضحوا بأرواحهم لأجل شيء يستحق.
 
وفى ظنى أن فرصة مسرح الثقافة الجماهيرية الآن ذهبية، فالذى أعرفه أن الفنانة د. إيناس عبدالدايم لديها رغبة قوية فى دعم وتطوير هذا المسرح ولا تتأخر فى تلبية أى طلب من شأنه أن يسهم فى هذا التطوير، ولعل رئيس قصور الثقافة د. أحمد عواض، بحماسه الذى أعرفه، ينتهز وجود شخصية مثل د. إيناس عبدالدايم ويفرط فى مطالبه من أجل النهوض بمسرح الثقافة الجماهيرية ، ويطالب بمضاعفة ميزانيته أربع مرات على الأقل، فقصور الثقافة تقدم كل عام حوالى 100 عرض مسرحى لفرق البيوت والقصور والقوميات، و250 عرضًا لفرق نوادى المسرح، وكل ذلك بميزانية تبلغ خمسة ملايين جنيه، كانت قبل ذلك حوالى مليونى جنيه فقط نجح د. صبحى السيد فى زيادتها إلى خمسة ملايين، بينما هناك عروض فى البيت الفنى للمسرح أو البيت الفنى للفنون الشعبية تبلغ ميزانية الواحد منها أكثر من مليون جنيه، أى أن ميزانية خمسة عروض فقط يقدمها هذا البيت أو ذاك هى نفسها ميزانية 350 عرضًا تقدمها الثقافة الجماهيرية.. هل يعقل يابشر؟!!!!

(35 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع