حياة

عاشت الأسامى..

"جاتك نيلة"

لا أعتقد أن أحدا منا أفلت منها كبيرا كان أو صغيرا، عازبا أو متزوجا، فلقد طالت هذه الكلمة الجميع سرا وعلانية، ذلك على أساس أنها واحدة من كلمات التوبيخ واللوم والتنكيل والإهانة لمن تقصده بها.. 
جتك نيلة وستين نيلة، بالطبع تتذكرها ولاتستطيع أن تحصى عدد المرات والمواقف التى تم مداهمتك بها على كل المستويات "العمل والبيت والنزهة والأسرة". 
فقليلون هم الذين يعرفون أن النيلة هى صبغة سمراء جافة كانت المرأة الفرعونية تستخدمها وقت الحزن واستكمال طقوس الجنازات الفرعونية، تبللها بماء النيل ومن هنا اكتسبت اسمها بالنيلة، حيث كانت بعد ذلك تصبغ بها وجهها وملابسها رمزا للحداد، وأما ستين نيلة جاءت لأن فترة الحداد على المتوفى آنذاك تبلغ ستين يوما.
 


ويقال أن هذه الصبغة يتم استخراجها من نبات الفراعنة كانوا يزرعونه للحصول على اللون الأزرق وهو نسبة إلى واحد من مشتقات النيل وهو النيل الأزرق، وكان محصولها يباع ويشترى بالأردب، وعند خروج الفلاحين للأسواق كانت الزوجات تلاحق أزواجهن بالدعاء "فلتكرمك الآلهة برزق بيع ستين أردب نيلة". 


نبات النيلة

وعلى ذلك فلتبحث كل زوجة عن لفظ آخر للتوبيخ أكثر دقة وتأثيرا، فكم من السنوات مضت وهى تضيع عمرها ووقتها فى تقليد الفنانة الكوميدية الرائعة الراحلة مارى منيب بترديد مقولتها الشهيرة فى غالبية أعمالها الفنية "جتك نيلة" متوهمة أن كلما رددت هذه الكلمة عند حدوث خلافات زوجيه، فهى تأخذ حقها من زوجها. 



ومن الحكايات القديمة التى يروى أن نساء مصر رددت هذه الكلمة بشكل جماعى وفى حالة أقرب لمظاهرة نسائية جامحة، كانت أحداثها فى قرية برديس إحدى القرى التجارية المهمة بمحافظة سوهاج بالصعيد التى تحلم وحتى هذه اللحظة أن تتحول إلى مسمى مدينة وتستحق ذلك فعلا. 
تقول الحكاية: إن أحد مماليك عثمان بك ويدعى البرديسى فى ظل فترة قدوم الاحتلال الفرنسى كان مكلفا بالإشراف على بيع وتحصيل أسعار محاصيل برديس، ولكن لسوء حظه أنه فى هذه الفترة انخفض منسوب النيل وحدث جفاف فى الأراضى الزراعية وقلة المحاصيل فارتفعت أسعارها بشكل كبير، وكان محمد على آنذاك يحرض الجيش أن يقوم بثورة على عثمان فراحوا وطلبوا منه رواتبهم المتأخرة، فوعدهم أنه سيدفعها، وأمام قلة المحاصيل وانتشار الجفاف لم يجد طريقا لسداد هذه الرواتب سوى أنه قام بفرض ضرائب جديدة على أهل برديس، الذين كانوا فى ذلك الوقت يعانون الأمرين والجوع فخرجوا من بيتهم وأغلقوا دكاكينهم وراحت نساؤهم يصبغون وجوهم وأيديهم بالنيلة ويرددون هتافا "ستين نيلة يابرديسى حرام عليك إيش تاخد من تفليسى".


 رجل يصبغ بصبغة النيلة
 

(71 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع