حياة

بين العبادة والتطرف.. معركة المسجد

للمسجد دور عظيم فى حياة المسلم، يلجأ إليه ليتمّ تواصله مع ربه، ففى الجماعة فضل وثواب عظيم، ويحضّ الشيخ والأب والكبير على التزام الفرد بجماعة فى لقاء ربّه، ويفضل الذكر الجماعى على الذكر الفردي، فيد الله مع الجماعة، والصحبة ضرورة فى حياة السالك إلى ربه، ففى الصحبة تثبيت وجمع وتشجيع على الاستمرار فى الطريق. اعتدنا ونحن صغار على حلقات المسجد التى يتجمع فيها الكبار ذاكرين أو مصلين على حضرة النبي، أو معتكفين فى المسجد بشكل جميل، يجمع بين العادة والعبادة بين ثواب الدنيا وثواب الآخر، الكاسب فى هذا الجمع الإنسان، طفلاً أو شابًا أو عجوزًا، ومن بدأت حياته وختمت حياته بالمسجد يشهد الجميع له بالإيمان ورجاء الجميع أن يموتوا وهم سجود بين يدى الرحمان.
 
انتكست الأمور فى بلادنا منذ فترة بعيدة فصار المسجد المرغوب مستغلاً لأغراض بعيدة عن أساس بنائه، فمن فقد طفلاً يذيع المسجد الخبر، ومن فقد بهيمة يطلبها من المسجد، ومن أراد استغلال البسطاء يدخل المسجد، ومن أراد سرقتهم يدخل المسجد، ومن أراد مكانًا آمنًا لممارسة البغاء يدخل المسجد! ومن أراد مكانًا دون ضابط يدخل المسجد، ومن أراد أن يعلن توبته وميلاده الجديد يدخل المسجد وبعد أن كان مجرمًا يصبح فى 5 أيام عالمًا وخطيبًا.
لا يضجر الناس من كل هذا بل يشجعون على استمرار فوضى المساجد، فمن أيقظ نائمًا فى المسجد يغضب الناس منه، ومن يعترض على خطاب إمام يضجر الناس من فعله، مهما قال الإمام من كلام لا يمكن أن تقبله دابة أو بهيمة فضلا عن أن استيعاب عقل صحيح له.


المسجد الذى فُجّر بالأمس فُجر بأيدى المصلين أنفسهم، فأحكام البدعة وتكفير البشر يذيعها المسجد ليل نهار، حتى أصغر التفاصيل التى لا تحتمل كل هذا الصراخ من الممكن أن تأخذ نصيبًا من تكفير الصادح من المسجد، فمن تعطّرت أو خففت بعض شعرات من وجهها تصير آثمة وأحيانا زانية وفى غالب الأحيان يفقد زوجها من الرجولة والديانة قدرًا كبيرًا يجعله أقل رتبة من الشيخ صاحب الشعرات الوفيرة.
الغريب أن الشيخ (الجاهل) ليس وحده المكفّر أو الداعى إلى التكفير! بعض أصحاب العقول والأساتذة المعلمين يطالبون الأزهر الشريف أن يكفّر الجماعات الدينية من باب إعلانه البراءة والتنصل عن هذا الفكر المريض! من الممكن أن يفعل الأزهر ذلك لكن هل تكفير الأزهر لجماعات مريضة أمر صحيح؟ فكرة التكفير نفسها ممقوتة وغير آدمية بالمرة وما نعانيه اليوم ونشهده من فاجعات سبب من أسبابه استسهال التكفير والانشغال بالحكم على الآخرين. يمكن للأساتذة أن يطالبوا الأزهر بتنقية كتبه من العائبات كما هو شائع اليوم، ويمكن أن يطالبوه بتجديد المناهج والانفتاح على الآخرين، ويمكن أن يطالبوه أن يلتزم بشئون الدعوة وأن يفرض مزيدًا من الرقابة مع وزارة الأوقاف ومجمع البحوث على خطاب المتخرجين فيه من الأئمة والدعاة، ويمكن أن يطالبوه أن يفعّل دوره كمؤسسة دينية فى الإشراف على المساجد التى تبث خطابات ظلامية، لكن أن يطالب احد الأزهر أن يكفّر جماعة! أو أن يكون فعله مجرد رد فعل ببيان وتنديد هذا أمر لا يفيد المطالب ولا يفيد المجتمع ولن ينتشله من الكوارث التى تنزل بنا كل يوم.


إن معركة المسجد مستمرة قبل الحوادث وبعدها ولن تنتهى بمجرد الصراخ أو الشتم أو التفسيق أو التكفير، حينما سئلت باندهاش من البعض كيف يُقتل مسلمًا وهو يصلي؟! أجبت أن منطق القاتل يرى أن المصلى ليس مسلمًا وأن المسجد مجرد بناء لا حرمة له، فمن فى المسجد حسب تفكير القاتل كفّار مبتدعون! ومسجدهم مسجد ضرار لا خير فيه وهو صنم من الأصنام الكثيرة التى تستحق الهدم! هذا التفكير ليس تفكير المجرم أو المتطرف وحسب بل تفكير خطيب الجمعة اليوم، وتفكير المهندس الذى يواظب على الصلاة وتفكير الطبيب الذى يرى أن اهتمامه بعلوم الدنيا حجبه عن تحصيل علوم الآخرة، هو تفكير تربّى ويتربى عليه أبناء المسلمين فى مصر وغيرها من البلدان لن يتبدّل بين يوم وليلة ولن يتغير عبر كلمة مذاعة على إثر حادثة بل بفعل مؤسس يتجدد كل يوم مع إيمان حقيقى بأهمية هذا الإنسان المهدور طيلة الوقت.
 
فى إفطار رمضانى دعتنا إليه حركة focolari التى تعمل على نشر ثقافة الإخاء والتعاون والسلام، كان أغلب الحضور من المثقفين والمتعلمين فى الجامعات المصرية، وكان على هامش الإفطار حديث حول التصوف شاركت فيه مع الأب جوزيبى سكاتولين بالحديث عن جماليات الإسلام وروحانيته، وضرب هو أمثلة بأشعار ابن الفارض الذى اشتغل على تحقيقها فترة طويلة وارتبط اسمه فى مصر بسلطان العاشقين، وتحدثت أنا عن كون التصوف قلب الإسلام وعالمه الرحب الذى يستوعب جميع البشر ويقدّم لهم خطابًا إنسانيًا جامعًا.
انقسم الحضور بطبيعة الحال بين مستمع ومناقش وطالب للمزيد، كان المدهش فى النقاش أن أغلب المسلمين الحضور الذين لبّوا دعوة حركة مسيحية بالإفطار على مائدتها أن يعتبروا الإسلام دين والتصوف هرطقة من الهرطقات، حاول الأب سكاتولين أن يدافع عن التصوف ويشرح لهم خطأ موقفهم من التصوف، وعبثًا أن تحاول إقناع جمهور تربّى على الرفض الموروث ويربّى أبناءه على ذلك أن يقبل بأخيه المسلم كما قبل دعوة أخيه المسيحي!


لم يكن هذا السلوك مفاجئا لى فقد حضرت الكثير من الفعاليات والنقاشات التى ترأسها (متدينون بالتدين الشائع) -لا أقول سلفيين أو داعشيين كما هو ذائع فهذه تسميات فقدت معناها واستُهلكت دون وعى وبتطرّف كتطرّف الموصوفين بها- كانوا يتساهلون مع المختلف دينيًا ولا يتسامحون ولو للحظة مع شريكهم فى الدين (المبتدع)! ربما يفعلون ذلك رغبة منهم فى إظهار تسامحهم تجاه الآخر وكسبه لصالحهم وهو ما يحدث كثيرًا ويتحقق لهم ويُعترف بخطابهم وحدهم وأنهم خير تمثيل للإسلام! فى حين أن غيرهم إما دراويش مجانين أو مرقعين ومجمّلين لوجه الإسلام (البشع)!
 
بدأت معركة المسجد من المسجد وخرجت للمجتمع كله، فالجامعة والمدرسة والمقهى وأماكن التجمعات انتقل إليه فيروس الإقصاء والتكفير، ومن العسير اليوم أن تجد شخصًا محايدًا، ليس مقبولاً عربيًا أن تكون محايدًا وقارئًا موضوعيًا، لا بد أن تكون متطرفًا إن كنت ليبراليًا أو علمانيًا أو صوفيًا أو شيعيًا من الصعب عليك أن تتخلى عن ثقافة الإقصاء والاستخفاف بالآخرين وأول المعركة يبدأ بذلك ونهايتها كما تشاهد أنت اليوم من دماء جارية فى الشوارع مستباحة بالتحليل الاستراتيجى ومن كان فى رقبة المقتول لا تزال دموعه جارية لا يمسحها غيره ولن يشعر بمعاناته غيره!

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع