حياة

صالون النحات ناثان دوس في جزيرة الدهب

بيت الجزيرة.. مخزن الذاكرة

بيت الجزيرة هو المساحة التي اختارها النحات القدير ناثان دوس في جزيرة "الدهب" المحاطة بنهر النيل ليكون ملاذًا بعيدًا عن ضجيج القاهرة رغم أنه يقع في قلبها مثله مثل الجزيرة الواقع فيها. لمزيد من الصور 



البيت الذي بدأ كاستراحة للفنان وأسرته عندما اشترى قطعة الأرض المطلة على النيل منذ ست سنوات، تحول بالصدفة إلى مساحة للقاء حميمي شهري للأصدقاء والمعارف من الفنانين ومحبي الفن لتبادل الأحاديث والاستمتاع بالموسيقى والشعر والرسم والنحت والصحبة المبهجة للفنان وأسرته.  بدأت الحكاية بصورة شاركتها السيدة نيفين زوجة الفنان ناثان دوس على الفيس بوك للبيت بعد الانتهاء منه فلاقت إعجابا كبيرًا من الأصدقاء والمعارف والمحبين، فقرر الزوجان مشاركة محبيهم ساحتهم على أرض الواقع. 



لكن جزءا من الغرام بالبيت من أول صورة يكمن في الأسلوب الذي اتبعه دوس في إنشائه، وهو يقول إن هذا البيت بمثابة مخزن لذاكرته وهو طفل في إحدى قرى المنيا التي نشأ فيها، وهو أيضًا رسالة تؤكد أن التراث المعماري المصري في القرى والمناطق الشعبية ينطوي على الكثير من الجمال الذي صار يختفي تدريجيًا تحت وطأة الإسمنت المسلح الذي غزى القرية المصرية وغير معالمها.  "اخترت أن أبني البيت بإتباع أساليب البناء التي تعلمتها في قريتي بالمنيا والتي تتشابه مع أسلوب حياة أهل الجزيرة لكنه آخذ في النسيان، حتى أن أهل الجزيرة كانوا مندهشين من طريقتي في البناء باستخدام الطين المعجون بالتبن كما كانت تفعل والدتي ربة المنزل في المنيا ووالدي المزارع، فأنا واحد من أهل الجزيرة ولست مدنيًا غريبًا قادمًا إليهم من الخارج، بل أنني غريب عن المدينة رغم طول مقامي فيها". لمزيد من الصور



والبيت على بساطته من الخارج حيث تمت تغطية الطوب الأحمر الذي بنيت به الجدران بالطين يبدو من الداخل واحة من البساطة والدفء حيث حرص دوس على أن يتبع أسلوبًا وظيفيًا في كل عنصر من عناصر البيت دون أن يهمل العنصر الجمالي "هكذا كانت تفعل والدتي وأهل قريتي في المنيا فرغم الفقر كانت الزخارف البسيطة والجميلة موجودة في كل التفاصيل المحيطة". 



البيت يطل على النيل ويقابله من الجهة الأخرى القرية الفرعونية وجزيرة القرصاية، وقد حرص دوس على وجود هذه المساحة خالية من المباني لزراعة بعض الحوليات والنجيلة حتى يتيح الفرصة لأكبر قدر من التفاعل مع النيل، وهي المساحة المفضلة لزواره الذين يقضون بها أغلب أوقاتهم يمارسون ما يشاءون من ألوان الفنون تحيطهم زرقة السماء والمياه والمساحات الخضراء التي تحيط بالبيت من كل اتجاه. وحتى تتأكد علاقة المكان بزواره وطبيعة ما يجري فيه فقد حرص دوس على أن تكون تلك الأنشطة خالية من ضجيج الأجهزة الحديثة فلا سماعات ضخمة ولا ميكروفونات وإنما موسيقى العود أو آلات النفخ التي تترك الفرصة للأحاديث الودية لأهل البيت وزوارهم فلا يطغى شيء على التواصل الإنساني في ظلال الفن. لمزيد من الصور



وكل عنصر من عناصر البيت مستوحى من الطبيعة فالبيت حسب تعبير صاحبه يطرد العناصر الغريبة كالبلاستيك بينما الخشب والفخار والقماش هي أهم الخامات التي يعتمد عليها، فالمدفأة الموجودة في قلب الرواق الأساسي للبيت مصنوعة بتصميم فريد من آنية فخاريه ابتكرها  دوس مستلهمًا طريقة والدته، أما الستائر المعلقة على الجدران فمن القماش المطبوع بموتيفات مصرية شعبية، وفروع الأشجار هي الحامل الرئيسي لكل ما يحتمل التعليق في أرجاء المنزل بما في ذلك أواني المطبخ.  



ولأن البيت كان في بداية إنشائه خاليًا من الكهرباء فقد صمم دوس ما يشبه طاحونة الهواء لاستخراج الكهرباء من طاقة الرياح قبل أن تدخل الكهرباء إلى المنزل دون أن تسرق شيئًا من سحره البكر وهي علامة مميزة يعرفها القادم إلى البيت من بعيد. وعلى أرفف خشبية اختار الفنان مجموعة من الألعاب بعضها من الصفيح كان يلعب بها في طفولته بقريته في المنيا وبعضها الآخر من ألعاب أبنائه، أما باقي الاكسسوارات فخليط من مقتنيات الفنان التي يشتريها من سوق الإمام وكلها من عناصر البيت المصري التقليدي، بالإضافة إلى بعض أدوات الزراعة التقليدية التي سافر إلى المنيا خصيصًا للحصول عليها وبعضها يحيط بأرجوحة بسيطة في مدخل البيت معلقة في شجرة حافظ على بقائها خلال البناء، فكأن كل تفاصيل البيت تحاور الطبيعة الموجود بها في تناغم وحب ينتقل مباشرة إلى قلوب زواره. لمزيد من الصور



وأصر النحات على عدم احتواء البيت على أعماله النحتية فمن جهة هو يرى أن البيت في ذاته عملًا نحتيًا لا يرغب في أن تصرف تفاصيل منحوتاته الانتباه عنه، ومن ناحية أخرى فإن البيت هو استراحة يلتقط فيها الفنان وأسرته وأصدقاؤه أنفاسًا نقية بعيدًا عن روتين الحياة اليومية في الأتيليه. 



يقول الفنان أن والدته، وهي معلمته الأولى عندما زارت البيت شعرت بأنه جزء من حياتها اليومية في المنيا بل لقد قامت ببعض التعديلات كأستاذ خبير على فرن الخبيز في الخارج ويضيف "تعلمت من والدتي كل التقنيات التي استخدمتها في بناء البيت وتنسيق أرجائه من الداخل، كل ما أضفته كفنان عارف بالمقاييس هو تشذيب العشوائية دون التنازل عن البساطة وسحرها الذي يميز ما تصنعه أيدي المصريين في قرى ونجوع مصر والذين هم أصل الفن والحافظين لتراثنا الفني منذ الأزل". لمزيد من الصور



(29 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع