حياة

الهيريرو.. أبشع إبادة جماعية في القرن العشرين

ينتمي أبناء قبيلة الهيريرو الذين يطلقون على أنفسهم اسم: "رماة الرماح" إلى شعوب البانتو ويتحدثون لغتها كذلك.
وقد سكنوا في وقت مبكر في ناميبيا وبتسوانا، وقدر عددهم بنحو 175 ألف نسمة، ويعتقد أنهم هاجروا إلى هذه المنطقة من بحيرة تنجانيقا في شرق إفريقيا.
 

أثناء المجاعة التي مرت بالهيريرو

أسطورة وجودها ودلالة اسمها..
تقول الأسطورة التي ترويها هذه القبيلة: إنه ذات مرة تركوا أرضهم، في رحلة لقطع الأشجار وكان يقودهم الأخوان "كاثو" و"نانقومبي" اللذان قررا أن يذهب كل منهما في طريق، فاتجه كاثو إلى الشمال، بينما وصل نانقومبي إلى ناميبيا وظل هناك حيث أسس شعب الهيريرو.
أما كلمة الهيريرو، فربما تكون قد اشتقت من كلمة أوكوهيرا التي تعني "رماة الرماح" التي كانوا يستعملونها في صيدهم، وربما أطلقها عليهم الألمان في عام 1904.

وتدل بعض الإحصاءات التقديرية إلى أن نحو 150 ألف نسمة منهم يعيشون في ناميبيا بنسبة 7 بالمئة من تعداد السكان ونحو20 ألفا في بتسوانا وهناك نسبة قليلة تعيش في جنوب أنجولا.
وتذهب بعض الروايات الشفاهية عند الهيريرو، إلى أنهم هاجروا من منطقة البحيرات العظمى في شرق إفريقيا في القرن الخامس عشر الميلادي، إلى منطقة جنوب غرب إفريقيا، حيث استقروا في ناميبيا بعد صراع مع القبائل الموجودة في المنطقة استمر لمدة 150 عاما.
ويلاحظ أن الهيريرو الذين يعيشون في ناميبيا وبتسوانا، يتميزون عن جميع القبائل التي تسكن جنوب إفريقيا من حيث ثقافتهم ونظام نسبهم الأسري وانتمائهم الديني وخاصة نظام الأسرة الأبوية التي تستمد قيمتها من مكانة الأم فيها.
 

الهيريرو يحتفلون بأعيادهم التقليدية بارتداء الملابس العسكرية

عاداتها وحياتها الاجتماعية..
كانت قبيلة الهيريرو قبل فترة الاحتلال تعيش حياة بدائية، وبعد دخول المستعمرين الأوروبيين إلى مناطقها في منتصف القرن التاسع عشر، تأثر الكثير منهم بثقافة الاحتلال وأصبحوا يعيشون على الزراعة المنظمة، وتربية الماشية وصيد الطيور.
هذا من الناحية الاقتصادية، أما من الناحية الاجتماعية، فثمة عادات وطقوس عندهم منها أنه لا يحق للزوج أو الزوجة التصرف في ممتلكاته الخاصة من دون إذن صاحبه.. مثل الكثير من القبائل الإفريقية التي تعرف تعدد الزوجات، فإن قبيلة الهيريرو تمارسه هي الأخرى في حياتها لكنها لا تسمح للنساء بتعدد الأزواج، إلا أن العرف السائد عندهم يبيح للمرأة أن تقيم علاقات مع آخرين خارج نطاق الحياة الزوجية !.


نساء الهيريرو لازلن يرتدين ملابس العهد الفيكتوري

ملابسهم..
تستقى نساء الهيريرو تصميمات ملابسهن من النموذج الفيكتوري القديم، وقد شجعهن المبشرون الألمان على ارتداء الملابس وفقا للموضات الأوروبية في ذلك الوقت.
وحتى منتصف القرن التاسع عشر كان الهيريرو يرتدون الملابس الجلدية، وكانت الجلود التي يرتديها الرجال والأطفال تختلف عن تلك التي ترتديها النساء، فقد كان الرجال يرتدون قطعا من فراء الحيوانات، وكانت النساء البالغات يرتدين قطعتين منها.
 
وكسائر جيرانهم، بدأ الهيريرو يرتدون الملابس على النمط الأوروبي منذ العام 1850 بعد أن استقر المبشرون الأوروبيون في جنوب إفريقيا، وقد شاهد الهيريرو جماعات الناما والمبشرين يرتدون هذه الملابس، لكن لا تزال ملابسهم تجمع بين اللباس التقليدي والألبسة الأوروبية . أما الأطفال، فيرتدون الملابس الجلدية خارج أوقات الدراسة.. ويشتري الرجال ملابسهم من المحلات العادية ولكن عندما يكونون في احتفال سنوي، فإنهم يرتدون الملابس العسكرية وفراء الحيوانات.
 

قبعة قرني البقرة

معتقدهم..
تؤمن قبيلة الهيريرو في أصلها بوجود خالق علوي يدعى أوموكورو العظيم الأوحد أو "نجامبي كارونجا" كما يسمى في لغتها المحلية وتعبده.
وهي تمارس في صلواتها ما يعرف بطقس النار الذي يرمز إلى الحياة والخصوبة والازدهار. لكن لوحظ أن الأغلبية كانت قد اعتنقت المسيحية . وبالرغم من أن كنيسة الهيريرو ( الأورواناو ) تمارس عقائد المسيحية وتعاليمها، إلا أنه لاتزال هناك بعض الممارسات الوثنية مثل عبادة الأسلاف التي تمارس من دون إنكار الكنيسة ذلك فضلا عن انتشار السحر والشعوذة وغيرها من ممارسات .
 

رأسان لفتيين استخدمهما العلماء الألمان في تجاربهم

تاريخ مأساوي.. 
تعد قبيلة الهيريرو من أكثر القبائل التي عانت بشدة الاستعمار الألماني في إفريقيا، إلى الحد الذي كادت أن تختفي فيه من الوجود بسبب ممارساته الوحشية التي بلغت درجة الإبادة الجماعية.
فعندما عقد مؤتمر برلين عام 1884 كان الألمان قد استولوا على منطقة غرب جنوب إفريقيا أو ما يعرف اليوم بناميبيا، وزعموا أنها جزء من وطنهم، ولكي يستتب لهم الوضع تماما عمل الكولونيل تيودور ليوتوين قائد القوات الألمانية آنذاك على الوقيعة بين قبيلتي الهيريرو والناما، وخلال ذلك كان مزيد من البيض يتوافدون إلى المنطقة للعمل في التجارة أو الزراعة، ومن أجل هؤلاء كان لابد من إجراء عملية تفريع للمنطقة من سكانها ومنهم الهيريرو ليحل محلهم القادمون الجدد.
 

هيريرو في سلاسل الألمان

وفي عام 1890 أصيبت قطعانهم بالأمراض ونفق معظمها، وساومهم الألمان على مساعدتهم في علاجها مقابل الاستيلاء على أراضيهم، وعندما ضاقت بهم الحياة ثاروا عليهم تحت قيادة زعيمهم صموئيل ماهيريرو، فقطعوا خطوط الهاتف وكسروا خطوط السكك الحديدية وهاجموا حاميات الجنود الصغيرة، وكانت النتيجة في هذه الثورة قتل 150 ألمانيا.
بعد هذه الواقعة ادعى الكولونيل الألماني أن الهيريرو قتلوا الجنود الألمان بوحشية واتهمهم بأنهم قطعوا آذانهم وجدعوا أنوفهم وبقروا بطونهم وأذاع بين الناس أن من يقبض على أي شخص من الهيريرو سوف يكافأ بألف مارك، أما من سيقبض على زعيمهم صموئيل فسوف يكافأ بخمسة آلاف مارك، وأصدر أمرا بأن يغادر الهيريرو أراضيهم ومن لا يفعل يقتل هو وماشيته، وحذر من عدم استثناء الأطفال والشيوخ والنساء.
 

معلقون على مشانق الألمان

مذبحة مروعة..
وعلى إثر ذلك وقعت مذبحة مروعة في يناير 1904 ذهب ضحيتها معظمهم ولم ينجو منهم إلا من فر سريعا وتركت جثثهم متناثرة في صحراء ( أوماهيك) واستولى الألمان على أراضيهم وقطعان ماشيتهم واستعبدوا النساء والأطفال في العمل بالسخرة في مخيماتهم.
ويقول المؤرخون إن الجنرال لوثر فون تروثا الذي أرسلته ألمانيا لإخماد ثورة الهيريرو سنة 1904 أمر قواته بالقضاء على القبيلة كلها وراح ضحية هذه المذبحة ثلثا عدد القبيلة، أو ما يزيد عن 65 ألف شخص، فضلا عن تأثر عدد من القبائل الصغيرة.
 
يذكر أن عددا من نشطاء الهيريرو الحقوقيين كانوا قد رفعوا يوم التاسع من سبتمبر عام 2001 دعوى أمام المحكمة المدنية في الولايات المتحدة يطالبون فيها ألمانيا بتعويضات عن جرائمها التي ارتكبتها في حق أجدادهم سواء كانت بالقتل أو العبودية أو العمل بالسخرة أو اضطهادهم وسرقة مواشيهم، وقد اعترفت ألمانيا مؤخرا بهذه المذبحة، ولمحت إلى استعدادها لدفع تعويضات ولكنها ترفض التفاوض مع الأشخاص وتقصر تفاوضها مع الدولة، إذ تدعي أنها تقدم مساعدات كبيرة لناميبيا لا تتناسب مع عدد سكانها القليل، ولا تزال مطالبات الهريرو بالتعويض قائمة أمام المحكمة.
 

(35 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع