حياة

فى ذكرى وفاته الـ 40..

الهجرة الكبرى فى سبيل السلام" مقال نادر لزيتون"

هل علينا عام هجرى جديد يحمل فى ثناياه عبق الذكرى بما تحتويه من سيرة عطرة للنبى محمد صلى الله عليه وسلم.. نتذكر دائما تفاصيل هجرة النبى صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة وما سبقها من أحداث وأعقبها من وقائع.. ومع أن أحداث الهجرة ماثلة أمامنا ومعروفة بتفاصيلها إلا أننا لا نمل أبدًا من نسيم ذكراها.. وبمناسبة العام الهجرى الجديد 1440 نعرض هنا لمقال نادر للأديب الراحل محمد محمود زيتون (1916-1978) فى ذكرى مرور 40 عامًا على وفاته.. فقد عُرف زيتون- الذى ولد بمدينة إدكو محافظة البحيرة، بمواهبه المتعددة وكتاباته المتنوعة، فبالإضافة إلى أشعاره فإن له العديد من الكتب فى التاريخ والتراجم.. كما كتب زيتون العديد من المقالات الأدبية والتاريخية فى كثير من المجلات والصحف فى مصر وخارجها من أربعينيات القرن الماضى وحتى وفاته عام 1978.
 
ومن أبرز المجلات الثقافية التى كتب بها الأديب محمد محمود زيتون مجلة الرسالة التى كانت تصدر منذ عام 1933 برئاسة تحرير أحمد حسن الزيات ، وكان يكتب فيها نخبة من كبار كتاب مصر. المقال الذى كتبه زيتون فى مجلة الرسالة جاء تحت عنوان (الهجرة الكبرى فى سبيل السلام) وقد اشتمل العدد 913 الصادر فى ربيع الأول 1370 هـ- يناير 1951م على مجموعة متميزة من المقالات من أبرزها "كيف أعلن محمد حقوق الإنسان" لصاحب المجلة ورئيس تحريرها أحمد حسن الزيات، "هذا بيان للناس" لصاحب الفضيلة محمود شلتوت، "ابتهال إلى الله.. يا محمد" للشاعر محمود حسن إسماعيل، "دين ودولة" محمود تيمور بك، "عمر وكبرياء قريش" أنور المعداوي، "نجوى الرسول الأعظم" لجورج سلستى، "الغزالى أعجب شخصية فى تاريخ الإسلام" قدرى حافظ طوقان.. بالإضافة إلى مقالات أخرى.
 
وقد ختم زيتون مقاله الذى يقع فى أربع صفحات بقوله "واليوم ونحن على باب سبعين عاما بعد ثلاثمائة وألف من هذه الهجرة الكبرى، نرى أن فيها للعالم كله العبرة كل العبرة، فما أحوج الإنسانية إلى هجرة السوء من كل لون، ونصرة الحق فى كل حين، ودفع الشر والخصام بنشر الخير والسلام". وما جاء فى ختام المقال تأكيد لما بدأه فى مقدمته "لم تكن هجرة النبى صلى الله عليه وسلم إلا مرحلة من مراحل الدعوة إلى السلام ، فقد دعا العرب إلى الحق والخير بالحكمة والموعظة الحسنة، فآذوه فى شخصه وأهله وصحبه، وطوى الزمن ثلاثة عشر عاما، وهم بين مضروب ومشجوج ومعذب بالرمضاء تارة، وبالحديد والنار تارة أخرى، واحتل المعذبون مكانهم فى التاريخ، وتلألأت صفحاته بآل ياسر وبلال وخباب، أولئك الذين ابتلوا فصبروا، وامتحنوا فشكروا، وهل الإيمان إلا الشكر والصبر، وإنها لكبيرة على النفس أن تحتمل من العنت والرهق ما لا تطيق).
 
وقد وقف زيتون على نقطة هامة فى بداية رسالة الإسلام "أن يغير عشرات الرجال وقليل من النساء معهم، مجاهل الجزيرة فى سنوات فإذا الوجه العباس يرتد بساما ضحوكا، والقلب المتحجر يرفض بالرحمة والرقة، والعقل البليد يتفتح لنور الحق، ويستجيب لصوت السماء".
وأهم ما جاء فى المقال نعرضه كما هو بلغة زيتون الشعرية وكلماته القوية حتى تتضح الصورة العامة من مقاله (الهجرة فى سبيل السلام) .. (كان طبيعيا أن يكون الجهر بالإسلام بمثابة إعلان الثورة على جميع الأوضاع المألوفة، ولكن لم يؤلف عن العربى سكوته على الضيم والهوان، فكيف بهؤلاء الصفوة يفتنون فى دينهم، ويستضعفون فى وطنهم! تلك المشكلة التى تتطلب الحل المعقول، وإن كان الوقت لم يمطلها بالتردد والتخير كالمعهود فى أشباهها ونظائرها، فقد تم إعداد الحل المسعف، وسرعان ما نزل من السماء على لسان محمد، ومضى أتباعه فى الطريق المستقيم.
 
ذلك بأن دعوة الإسلام ليس لها أن تنحدر إلى مخلفات الجاهلية فتقاوم الإساءة بالإساءة، وتقابل العدوان بمثله، وإلا كان دين الإسلام متناقضا مع نفسه، يتنزى الدم من يديه، وتتساقط الأشلاء من بين شدقيه. والحل الذى يستقيم مع روح هذا الدين هو "الهجرة" المرسومة فى بدئها وختامها المليئة بمدخراتها للتاريخ إذا أعوزه الكشف عن مواطن العبرة، ومظان الفخار، وليس بدعا من الأحداث أن يهاجر محمد، فقد سبقه لوط إذ هاجر بأهله.. ولكن ما أصعب الهجرة من الوطن على المواطن المضيم. فما بال محمد وتابعيه تهون عليهم مكة، وفيها بيت الله الحرام وبها الأهل والولد؟ ألم يقف محمد فى وسط المجلس يوم خرج مهاجرًا، والتفت إلى الكعبة فقال: "إنى لأعلم ما وضع الله بيتا أحب إلى الله منك، وما فى الأرض بلد أحب إليه منك، وما خرجت منك رغبة، ولكن الذين كفروا أخرجوني". وأمعنت قريش فى الأذى والفتنة من كل وجه، ولما شكا المسلمون إلى نبيهم وقد ضاقوا ذرعًا قال لهم: "تفرقوا فى الأرض فإن الله تعالى سيجمعكم" وأمرهم بالخروج إلى الحبشة "فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد". وتهامس الأعرار: إنه فرار، واستدرك الدهاة: بل استنصار.
 
حقا إنه فرار بالأمانة خشية الضياع.. وحقا إنه استنصار للدعوة من أتباعها فيما وراء الحدود، ولكن هل سكنت ثائرة من قال إنه فرار، وهل أجدى دهاء القائلين بأنه استنصار. وضربت قريش الحصار على شعب أبى طالب فلم يتمكن أهل النبى من البيع والشراء والمصاهرة، وأضر الجوع بهم، وكادوا يهلكون من عند آخرهم، وبعد موت خديجة وأبى طالب اشتد الأذى، وأخذت المؤامرات تدبر فى الظلام لاغتيال محمد. هذا وهو ماض فى سبيل الدعوة، لا يمل عن لقاء الحجيج فى المواسم، والاستكثار من القبائل، بينما فراعنة قريش يحاربونه بكل ما يسعفهم به قلوب مريضة، ونفوس منحلة، ومفاسد مستحكمة، والأصنام تستبد بعقولهم أيما استبداد.
وما يكون لنبى السلام أن يهدم السلام، وما ينبغى لمنطق الغريزة المقاتلة أن تستثار فلا تستجيب، ولكن التسامى بها هو المطلب الكريم والأمنية الكبرى، فما هو إلا أن تراكض المسلمون مهاجرين إلى يثرب تاركين المال والعيال، لم يجردوا سيفًا، ولم يتنكبوا رمحًا، بل تجردوا للسلام.


واجتمعت بدار الندوة نزعات إبليس بنـزوات الجبت والطاغوت، وانطفأت فى الحال جذوة التدبير، وانقطع حبل التفكير، فما كان اجتماع قريش هناك إلا لاغتيال محمد، وذلك أيسر ما ينتظر من أصحاب الفراغ، بل هو الشيء الذى لا تسعفهم الغريزة بما فوقه. ولا أقل من أن يجد العدو مصرفًا للضغينة المكتومة فيما دون غرضه المأمول، أما إذا تركوا محمدًا فى وجهه إلى يثرب، فإن له بها أنصارًا، وإنهم لناصروه، وإنه لفاتح بهم مكة على أهلها عاجلاً أو آجلاً. ياله من يوم ! كلما تمكن من خيالهم وتحدى كيدهم، لا يستطيعون له صرفا، ولا يزيدون معه إلا تضييقًا على محمد وتنكيلاً بمن سلك سبيله.
 
وأطلع الله رسوله على دار هجرته، فأخبر بها صاحبه أبا بكر الصديق الذى طالما كان يستأذنه فيستأجله النبى حتى أراد الله لهما "صحبة" فى الهجرة الكبرى إلى الله، وأعد أبو بكر ماله كله ليهاجر معه، وتواعد مع النبى على ساعة الخروج من الليلة الفارقة بين العدوان والأمان، الفاصلة بين الشر المهجور والخير المراد. وتسجى على بالبردة الحضرمية الخضراء، ولزم حزب الضلال باب الدار، وسهدوا أجفانهم، وكدوا أذهانهم، فما هى إلا الخيبة التى لا بعدها، على الرغم من الصفوف والسيوف، وما هو إلا نصر السماء "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين" الأنفال 30. ولبثا ثلاثا بغار ثور، والطلب لا ينقطع، وكان أبو بكر يسمع القوم يتهامسون ويتخافتون، فيأخذه الخوف من كل سبيل، ولكن الذى أعمى بصائر الكفار عند خروج النبى من الدار هو الذى ضلل حدسهم وهو فى الغار "ثانى اثنين إذ هما فى الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا" التوبة 40.
 
وخرجا من غار الخفاء إلى نهار الجلاء، ومضيا على راحلتيهما بين تصويب وتصعيد، وكلما رأى أهل البادية أبا بكر سألوه عن هذا الرجل الذى معه فيقول لهم فى تورية صادقة "هذا الرجل يهدينى السبيل". ولم يمض على رحيلهما ثمانية أيام حتى أشرف النبى على المدينة فقابله أهلها والبشر تندى به وجوه الرجال، وبالغناء تتجاوب دفوف الجواري، وبالشعر تتعالى أناشيد الفتيان، وبالحراب تتنوع ألعاب الأحباش. والأنصار يتسابقون إلى خطام الناقة ويقولون: "هلم يا رسول الله إلى المنعة والقوة" وهو يقول لهم: "خلوا سبيلها فإنها مأمورة"، ولم تلبث إلا قليلاً حتى أناخت، لا فى (المنعة والقوة) ولكن فى مبرك "الأمن" ومناخ "السلام" حيث المربد الذى لسهل وسهيل ابنى عمرو والذى اختاره نبى السلام ليكون منذ الساعة الأولى له بالمدينة دار السلام.. وأعلن "دستور السلام" منذ اللحظة الأولى فقال: "يأيها الناس، أفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام".
 
وأسرع إلى موادعة يهود المدينة ليستل السخيمة من نفوسهم فلا يعكروا صفو السلام، وعقد معهم معاهدة كتب فى ختامها "وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم، وإنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم أو أثم، وإن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم" فكان له الأمان ولليهود التأمين، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه. ثم التفت إلى الجماعة ينظم أمرها، ويجمع شملها، ويؤلف وحدتها، فابتنى "المسجد" ليكون بمثابة دار السلام لطلاب السلام، وكان بناؤه نقطة التقاء الهجرة والنصرة، فسرعان ما أصلح النبى فيه العلاقات بين الأوس والخزرج، وعجلان ما نزل فيه التأييد من السماء "لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه، فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين" التوبة 108.
 
ودوى صوت بلال بالأذان للصلاة فكان دعاية لانتصار الهجرة وإذاعة لانتشار التوحيد، ومتى جلجلت البطاح بصوت "الله أكبر" وتجاوبت بصوت "لا إله إلا الله" عرف كل من لا يعرف أن هذه الهجرة الكبرى إنما جاءت لتوحيد الصفوف، ووحدانية المعبود، ووحدة الكلمة، وتلك هى العناصر الأساسية التى لابد من أن يتألف منها السلام ، وتتابع المهاجرون أرسالا، والمسجد يغص بهم يوما بعد يوم والمسلمون والمؤمنون أخوين أخوين سواء فى الهجرة أو النصرة.. وتفيأ النبى ظلال السلام منذ نزل بين الأنصار، لذلك قال فى مقام الذكر والشكر: "لولا الهجرة لكنت من الأنصار" الذين نصروه وأكرموا من معه "والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون فى صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة" سورة الحشر 9.
ويتأكد هنا لكل منصف أن الهجرة الكبرى لم تكن إلا إسراء بالأرواح قبل أن تكون انتقالاً بالأشباح، وبذلك تميزت "الهجرة الكبرى" إذ ارتفعت فيه الإنسانية من الهاوية إلى العالمية، وخلفت فيما وراءها غريزة الوحش، وشريعة الغاب، ومضت فى تصعيدها إلى القمة، وصدق الشاعر:
إذا ما علا المرء رام العلا * ويقنع بالدون من كان دونا
وهذا أبرز ما جاء فى المقال .. والآن بعد مرور 70 عاما هجرية و 67 عاما ميلادية على نشر هذا المقال مازلنا بحاجة إلى هجرة السوء ونصرة الحق، ونشر الخير والسلام للإنسانية جمعاء.
 
 

(49 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع