حياة

المسئولون والصيف..

"النحاس باشا" وسط المصطافين.. و"وزراء مارينا" منعزلون

"قل لى كيف تصيف.. أقل لك من أنت"، إذا كانت هذه العبارة يمكن أن تصدق على البشر بشكل عام، فإنها تبدو أصدق ما يكون على المسئولين والسياسيين والشخصيات العامة، قديما والآن، حيث يظل هناك فارق كبير بين من اختار أن ينزل البحر وسط الناس، كما كان النحاس باشا، زعيم الوفد، يفعل فى النصف الأول من القرن العشرين، ومن اختار مكانا منعزلا يرفل فيه فى النعيم بعيدا عن بقية الشعب، كما هو الحال مع وزراء مصر فى القرن الحادى والعشرين.
 
فى تغطية لافتة لمجلة "المصور"، فى عدد خاص فى صيف 1938، أتاحت لنا عن الكيفية التى كان يقضى بها من وصفتهم بـ"العظماء" آنذاك الصيف، بدا فيها مصطفى النحاس باشا، زعيم الوفد، الذى كان وزيرا ورئيسا للوزراء لأكثر من مرة، رجلا بسيطا لا يأنف من الاختلاط بالشعب، أو يخجل من السباحة معه فى البحر.
 


وتحت عنوان "النحاس باشا السباح"، نشرت "المصور" صورة للنحاس باشا بعد خروجه من الماء، وبجوارها كتبت تقول: "رفعة النحاس باشا يرتدى المايوه وفوقه البرنس. وخلفه السباح العملاق اسحاق حلمى (مفتش شواطئ الإسكندرية، وقتها) الذى كان يلازمه كل صباح حين يستحم فى سيدى بشر، ورفعته من الوزراء القليلين أو لعله الوحيد الذى ينزل إلى البلاج مع الجمهور ويشارك الشعب فى مباهج الصيف والسباحة".

كان ذلك منسجما مع شخصية النحاس كزعيم سياسى ومسئول جاء على رأس حزب "الوفد" بإرادة الوفديين، خلفا لزعيم الأمة سعد زغلول، وكان حزبه يكتسح أى انتخابات نيابية نزيهة، ليشكل أعضاؤه الغالبية العظمى من البرلمان، ثم يكلفون بناء على ذلك بتشكيل الحكومة التى تتولى إدارة شئون البلاد.
ورغم اختلاف طرق الاستمتاع بالصيف بحكم اختلاف الميول والطباع والشخصيات، فقد بدت الطرق التى كان يقضى بها المسئولون والساسة ورجال الأعمال والشخصيات العامة فى تلك الفترة أيضا، بحسب ما عرضته المجلة، آنذاك، أقرب للبساطة والانفتاح بشكل عام، وتنوعت ما بين الرحلات البحرية أو النيلية، أو ممارسة رياضات مائية كالتجديف.



لطفى السيد باشا، هذه الشخصية ذات الأثر العميق فى الحياة الثقافية والسياسية المصرية، والذى لُقب بـ"أستاذ الجيل"، وشغل أكثر من منصب عام، حيث كان وزيرا ورئيسا لجامعة القاهرة ومديرا لدار الكتب، أشارت المجلة إلى أنه "فريد فى طريقة اصطيافه"، حيث يكتفى بأن يستقل باخرة من الإسكندرية إلى مرسيليا (ثانى أكبر مدن فرنسا، قبلة المثقفين)، ويعود عليها دون أن تطأ قدمه أرض أوروبا، وهكذا يقضى ثمانية أيام فى البحر ذهابا وإيابا".
 
حتى فيما يتعلق برجال أعمال ذلك الزمان، أشارت المجلة إلى أن "عباس بك الرمالي" (أحد رواد صناعة المطاحن فى مصر وأحد مؤسسى الجمعية التعاونية للبترول، وعضو مجلس النواب السابق): "يقضى الصيف عادة فى رأس البر. ويفضل دائما أن يمارس رياضة التجديف فى النيل هناك، عند ملتقى الماء الحلو بالماء المالح".



بعد ذلك بعشرات السنين، وتحديدا فى عهد الرئيس الأسبق مبارك، بالتزامن مع اتساع الهوة الطبقية بين المصريين التى سبق وتقلصت فى عهد الرئيس الراحل عبد الناصر، بدت الصورة مختلفة إلى حد كبير، واتجهت الغالبية العظمى من الوزراء وكبار رجال الدولة والمسئولين إلى منتجعات الساحل الشمالى المغلقة التى ازدهرت وقتها، والتى تعمل خلال أشهر الصيف فقط، وفى مقدمتها بالطبع "مارينا"، بحفلاتها الساهرة وأطعمتها التى كانت تأتى من الخارج بالطائرة.

لكن هؤلاء الوزراء وكبار المسئولين لم يكتفوا بذلك المنتجع المعزول عن بقية الشعب، وسرعان ما أنشأوا داخله "جيتو" آخر أكثر انعزالا، وهو ما عُرف بـ"لسان الوزراء" الذى ضم فيلتين لكل من نجلى الرئيس الأسبق، علاء وجمال، وكان ممنوع حتى على بقية سكان القرية دخوله أو حتى الاقتراب منه. وقد اتضح فيما بعد أن هذا ليس "اللسان" الوحيد للوزراء، وثمة آخر، على الأقل، فى الإسماعيلية.



كان ذلك متسقا إلى حد كبير مع طبيعة المنتجع الذى اتخذه مبارك نفسه فى "شرم الشيخ"، هو ورجاله المقربون، بعيدا عن المصايف التقليدية للمصريين، فى تلك المدينة التى تحيطها الجبال من كافة الجوانب تقريبا، وكان المصريون ولا يزالون يواجهون بصعوبات فى دخولها، تصل لحد الحاجة للحصول على "تصاريح أمنية".

ومع انطلاق "ثورة 25 يناير" 2011 تغير المشهد قليلا، وانطفأت أنوار قصور وفيلات هؤلاء الوزراء وكبار رجال الدولة بعد أن حل عديد منهم ضيوفا فيما بات يعرف، على سبيل التهكم، بـ"بورتو طرة"، على ذمة قضايا فساد، خرج أغلبهم منها براءة لاحقا، فيما أدين البعض منهم وتمكن من الهرب، وعادت أنوار قصورهم وفيلاتهم، مع زملائهم الجُدد، تضىء من جديد فى "لسان وزراء" مارينا، وغيره من المنتجعات المغلقة، بعيدا عن الغالبية العظمى من الشعب.

 من صحافة زمان
      نقلا عن
    "المصور"

(76 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع