حياة

المعجزة التاي يوانية ودرس الحفاظ على الهوية

ما أن لمست قدماي أرض تاي يوان، حتى وجدتني أردد بيني وبين نفسي حكمة كونفشيوس العظيم: "إن حفنةً من الرمال قد لا تكفي لتعلية قمة جبل شامخ، لكنها تكفي تمامًا بالمزيد من الجهد والمثابرة، وكمية مضافة من الحصى لردم حفرة عميقة في الأرض".
في الطريق لحضور فعاليات مؤتمر تطوير النشر الرقمي والمكتبات الرقمية، تحاول عيناي ملاحقة ناطحات السحاب التي يعكس زجاجها المصقول شمس تاي يوان الساطعة، يسير الباص السياحي بهدوء من الفندق حتى قاعة المؤتمرات على إسفلت يبدو من بعيد ــ من فرط استوائه ــ وكأنه حدُّ سكين فضي، يفصل بين الاتجاهين على الطريق السريع حاجز مروري أبيض قصير لا يزيد طوله عن ثلاثين سنتيمترًا فقط، وبالطبع لا نرى مَن يقفز فوقه من العابرين بسرعة لاختصار فترة المشي والوصول إلى الجانب الآخر، بمجرد رؤية الغريب لهذا الحاجز القصير قد يتساءل: "هل يحترم الناس هذا الحاجز الهزيل لأن أخلاقهم تمنعهم من مخالفة القانون، أم أنهم ببساطة يخشون بطش منفذي القانون"؟!
ولكن الغريب إذا كان قد تعرف إلى الشعب الصيني العريق، وقرأ قليلًا عن تراثه الديني والفلسفي الذي شكّل منظومته الأخلاقية، سينحي على الفور التبرير الثاني، وسيكتفي بالتبرير الأوَّل، فالصينيون الذين يقابلونكَ بابتسامة واسعة وأدب جم وانحناءة ترحيب واحترام، حافظوا على إرثهم الأخلاقي منذ آلاف السنين، تمامًا مثلما حافظوا على رموز لغتهم الصينية التي تحمل واحدة من أقدم حضارات العالم.
 
والتبرير الأوَّل هو المسئول أيضًا عن تحقيق "المعجزة التاي يوانية" في القرن العشرين، حين أذهلت تايوان العالم بعد خروجها من حروب شرسة وصراعات دامية أورثتها الفقر، لتصبح صاحبة طفرة استثنائية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والتكنولوجي، وصارت واحدة من النمور الآسيوية الأربعة الشهيرة، وواحدة من أغنى دول العالم في وقت لا يتعدى نصف القرن من الزمان. وقد حيرتْ العالم فأخذ يتساءل طويلًا عن سر صعودها، حتى أضاف أضاف أخيرًا إلى تفسير المعجزة التاي يوانية طبيعة التاي يوانيين الشخصية نفسها، وتقاليدهم، وإرثهم الفلسفي والديني المستمد من الكونفشيوسية والطاوية والبوذية، هذا الإرث الذي يدعوهم إلى احترام العمل وإتقانه، ونظافة اليد واللسان، واحترام وطاعة الكبير، وتقديس الأسرة، ومحبة الآخر حتى تحبَّ له ما تحبُّ لنفسكَ.


 
الشوارع نظيفة، ومرسومة رسمًا هندسيًّا متقنًا بأشجارها وأبراجها وجسورها وغاباتها وإشارات مرورها، ولا شيء ناتئ أو عشوائي أو نشاز قد يجرح عينيك جماليًّا، بالضبط وكأن الشوارع بكل ما فيها خارجة من كتب التصاميم الهندسية، البنات يسرن مثل أميرات الحكايات المصورة، يرتدين فساتينهن الصيفية الرقيقة من الحرير والدانتيل والشيفون المصممة، ويا للعجب! على طريقة فساتين نجمات مصر في ستينيات القرن العشرين، ومن السهل عليكَ أن تجد فساتين سعاد حسني ونادية لطفي وفاتن حمامة في أفلام الأبيض والأسود تسير إلى جواركَ. يسير الصينيون بسرعة وهم ينظرون أمامهم وكأنهم يلاحقون نقطة بعيدة في الأفق لا يراها سواهم، هم لا يتلفتون حولهم كثيرًا، بل يغضون البصر، ويهرولون إلى وجهاتهم وكأنهم يسيرون على طريق مستقيم غير مرئي، فتكاد ترى مقولة المتصوفة العربية الشهيرة مكتوبة أمامك: "إن المتلفت لا يصل"، أو تكاد تمسك هذه الحكمة الطاوية بيديكَ: "إن الألوان الخمسة تعمي بصر الإنسان، والنغمات الخمسة تصم الآذان، والطعوم الخمسة تفسد الذائقة، واختلاف العرقيات يؤدي إلى الجنون وتأجج المشاعر المتوحشة، والنفائس تقود إلى الضياع، ولذلك على الحكيم أن يكون مدفوعًا بالبصيرة لا بالبصر".
 
لا يوجد في الصين بأسرها موقع التواصل الاجتماعي الشهير: الفيس بوك ولا واتس آب ولا فايبر ولا تويتر، وهم على كل حال يعيشون، بل يحققون أحلامهم بكلّ إتقان، ويرعونها بدأب ومثابرة حتى تنمو أمام أعينهم وتصير أسطورة حديثة يتكلم عنها العالم، لأنها أسطورتهم الخاصة التي استفادت من التقدم العلمي، والتكنولوجيا وتفوقت فيها وصنعتها وصدرتها، ومع ذلك حافظت على هويتها التاريخية والتراثية والثقافية والقومية منتبهة تمام الانتباه ألا تسقط في فخ العولمة.
بدعوة كريمة من تاي يوان وتحديدًا من مكتبة شانسي، شاركت المدعوين من كل بقاع الأرض تقريبًا حضور فعاليات مؤتمر تطوير المكتبات الرقمية والنشر الرقمي في بلدانهم، كانت معظم الأبحاث لباحثين تاي يوانيين عن التجربة التاي يوانية المذهلة في هذا المجال، فالجدير بالذكر هنا أن نسبة التعليم في تاي يوان تزيد عن 96%، وأن الصين تُصدر أكثر من نصف مليون إصدار سنويًّا... دعتني مكتبة شانسي العامة للقيام بزيارة ميدانية، بصحبة مدير المكتبة "وانغ جيان دون" والبروفسور "هان شيانغ دون"، والوفد المصاحب لهما من مترجمين ومسؤولين كبار عن هذا الصرح.


 
داخل قاعات وأروقة مكتبة شانسي تستطيعَ أن تتنفس هواء الحضارة الصينية العريقة إلى جوار وقوعك في بحر تكنولوجي ليست له نهاية، فإلى جوار انتشار ماكينات استعارة الكُتب الورقية، بأن تكتبَ اسم الكتاب الذي تريد أن تقرأه ــ كما تكتب رقمك السري للحصول على أموال من ماكينة: "ATM" ــ ستجلس على كراسي حافظت على طابعها الصيني الإمبراطوري الفاخر، وسترى معارض فن تشكيلي حديث تكاد تلمس فيها رقة زهور ونباتات وطيور الصين ومطرها وثلوجها وتتعرف أيضًا على المنابع الملهمة التي نهلتْ منها، ستجدَ في مدخل الدور الأوَّل شجرة جميلة بأغصان جرداء، يعلق عليها قراء المكتبة رغباتهم في الاطلاع على بعض الكتب التي لا يجدونها، أو شكواهم من شيء ما لا يعجبهم، أو أمنياتهم المستقبلية، ويطلق عليها الجميع هنا: "شجرة الأمنيات". ظللت أتأمل الشجرة، وأنا أفكر في عبقرية الروح التاي يوانية التي لا تترك فرصة للتكنولوجيا لكي تهيمن تمامًا على الروح الصينية المبدعة منذ الأزل.
نصعد حتى الطابق الخامس والأخير في مكتبة شانسي، لأرى كثيرًا من الخطاطين يعملون على نَسْخ كتب الصين القديمة لتكون صورة طبق الأصل من المخطوطات النادرة، يحتفي بي مدير المكتبة متحدثًّا عن الحضارة الفرعونية العريقة وعن التشابه بين مصر والصين، فكلتا البلدين ضاربتان بجذورهما في عمق التاريخ، ثم أتلقى بسعادة كبيرة هدية مكونة من ثلاثة كتب منسوخة بخط اليد، أعرف أنها استغرقت ساعات طويلة ليتم إنجازها بهذا الشكل المتقن، على ورق تم معاملته لكي يبدو قديمًا، وكأنه استغرق رحلة عمرها آلاف السنين ليصل إليَّ.
 
على مائدة الطعام الصينية سترى مدى حرصهم على تعاليم بوذا، ممثلة في التخلص من الشهوات والزهد والتجرد ومحبة الآخر واحترامه، مع المحافظة على التقاليد الصينية التي باتت محفوظة للعالم العربي نتيجة انتشار المطاعم الصينية فيه، على المائدة قرصٌ زجاجيٌ دوَّار سيحرص الجميع على إدارته ليصل الطبق الذي تفضله أمامك، كما سيحرصون على الاهتمام بكَ سائلين سؤالهم الشهير: إذا ما كنتَ مسلمًا؟! حتى يراعوا تقديم اللحوم والمشروبات الحلال لكَ، ورغم أن المسلمين في تايوان يمثلون أقلية إلا أنهم يحظون بكل التوقير والاحترام ويمارسون شعائرهم الدينية بكل حرية. 


 
أثناء الجولة السياحية التي اصطحبونا خلالها بعد المؤتمر إلى المدينة القديمة، أفكر أنني ربما أقف الآن تحت خط مدار السرطان ، فتايوان جزيرة مستطيلة يمر بوسطها تمامًا مدار السرطان، ومدينة بينغياو التي زرناها تقع في وسط شانسي، بينغياو مدينة تراثية عالمية، تحتفظ بأسوارها كاملة منذ 2700 عام، وتعد من أفضل الأسوار العتيقة التي تمت المحافظة عليها، كما تم المحافظة على برج للتسوق من القرن الرابع عشر، كانت بينغياو هي المركز المالي للصين، زرنا بها "ريتشا ينغتشان"، أوَّل بنك في الصين من القرن الثامن عشر، وكم يشبه المصرفي الجالس على كرسيه وأمامه كومة من الأوراق المالية ــ الحديثة بالطبع، فالأموال الصينية القديمة في متاحف أكثر أمنًا ــ مصرفي من القرن العشرين، وقد يكون ما تبدل فحسب هو العداد الخشبي بكرياته الملونة الدالة على خانات الآحاد والعشرات والمئات والألوف... إلى الحاسب الآلي.
 


نتجول في مجمع عائلة "تشياو"، بين ممرات ضيقة طويلة وغرف نوم ومكتب ومعيشة كاملة التأثيث لنرى كيف عاش الصينيون في القرن الثامن عشر، مكاتبٌ بمقابض خشبية ما زالت بحالتها الجيدة وتصميماتها الفنية المبهرة، أسرةٌ بناموسيات من الدانتيل تأخذ العقل، مطابخ بقدور فخارية تكفي عائلة تعمل بجد ودقة وتحلم بغدٍ أفضل، فأردد بيني وبين نفسي أن الإنسان واحدٌ في كلّ بقاع الأرض، كل طموحاته وأحلامه وتوقه إلى الحق والخير والجمال والسلام واحدُ، وكل أحزانه جرَّاء الظلم والحرب والفقر والمرض والعدوان واحدةٌ.
نصعد إلى ذروة جبل هنغ شان أحد الجبال العظمى الخمس في الصين، لنشاهد المعبد الكبير المعلق على جرف والناجي من الزلازل والكوارث الطبيعية على مدار 1400 عام، هنغ شان جبل مقدس للصينيين، مكتظٌ بالمعابد الخشبية بألوانها الشمسية الساطعة على ارتفاع مئتي وعشرين قدمًا. نتابع تدفق المياه من علٍ في شلالات هادئة وهي تجري بين ممرات الجبال وكأنها آتية من السماء، أغيب بين السحاب على قمة جبل السحاب، وعندما نعود إلى الأرض أشعر أنني بالفعل سقطت في هوة زمنية، فمن السهل أن تشمل الجملة الواحدة في تاي يوان مقطعًا من آلاف السنين يُكمله مقطعٌ من الحاضر ثم مقاطع من المستقبل الذي يمكنكَ رؤيته بوضوح كما ترى طريقكَ الآن إلى المطار لتعودَ...
 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع