حياة

من القناة الأم إلى الجديدة

1-ماذا فعل سنوسرت الثالث؟

الخديوى اسماعيل
 
الخديوى اسماعيل
ــ
 
ــ

قبل ظهور الإنسان على الأرض وفي العصور الجيولوجية السحيقة في القدم، لم تكن صورة خريطة مصر الجغرافية كما استقرت عليه في العصور ما قبل التاريخية، فقد كان البحران الأحمر والأبيض بعد ظهورهما على صفحة الأرض، يتصلان وينفصلان نتيجة حركات القشرة الرضية التى تحدث على مدى ملايين السنين بشكل ما، فيتغير شكل الخريطة الجغرافية تبعا للتغيرات الجيولوجية، غير أنه في "عصر البليوستين" حدث زلزال كبير جعل الاتصال يعود بين البحرين عن طريق ممر ضيق نسبيا ، بقيت آثاره على مدى السنين الطويلة في خليج السويس والبحيرات المرة  وبحيرة التمساح.

غير أن نهر النيل الذي كان يأتى بمياهه المتدفقة من منابعه محملا بالطمي أو الغرين ليصبها في روافد انتشرت في الجزء الشرقي من مصر، فراح على مدى القرون يلقى برواسبه في الامتدادات ما بين خليج السويس والبحر الأبيض المتوسط، وجاء العصر الباليوليتي، لتختفي هذه الروافد وتتشكل ملامح سيناء بعد انكماش خليج العقبة في شرقيها  وتراجع خليج السويس حتى البحيرات المرة.



ومع بداية ظهور الإنسان وتجاوز عصور ما قبل التاريخ، بدأت الحضارة أولى خطواتها في وادي النيل  واستقر الإنسان على ضفافه ليشرع في الدخول بالإنسانية إلى مرحلة عظمى من مراحلها التاريخية، حيث تمكن من كبح جماح النهر العظيم وسيطر على مياهه وعرف كيف يستفيد من المهدر منها وكيف ينظم سريانها وعرف الأجواء المناسبة لبذر المحاصيل ونضجها وحصادها، فظهرت أشكال الاستقرار الزراعي وبدأ الإنسان يجنى ثمار هذا الكسب العظيم بالتفاعل مع الطبيعة لتعطيه ما يريده هو منها لا ما كانت تريد هي أن تعطيه إياه.

وكانت الزراعة التى اعتمد عليها الإنسان تاركا مرحلة التعيش بالصيد فقط، أحيانا وفيرة تجعل حياته حياة رغداء وأحيانا تخذله فلا تكفي حاجاته، خصوصا أن الإنسان قد عرف العيش في جماعات ونشأت القرى والمدن، فكان إن قصرت الزراعة عن تلبية حاجاته في منطقة ما، فيمكن أن تكون قد فاضت بالخير في منطقة أخرى، ومن هنا ظهرت التجارة، فكان الفائض يذهب إلى ما عرف بعد ذلك بالأسواق ليكفي حاجات من لم يجنِ ثمار جهده في الزراعة لأي سبب كان.

فنتج ذلك النشاط الجبار الذي شغل الإنسانية وكان سببا في قيام وانهيار مجتمعات بأكملها، لما جره من منافسات حادة بين المجتمعات الإنسانية، فإن كانت تلك المنافسات في إطار ما شرعه الإنسان من قانون ووضعه من أخلاق، عرف ذلك بالسلام وإن زادت حدة المنافسة وظهرت أطماع الكسب والتوسع، كانت الحرب.



فذلك النشاط الجديد المدعو بالتجارة هو الذي شغل الأمم وصار همها في السلم وفي الحرب.
وقد تمكن  قدماء المصريين من بناء حضارة عظيمة وكان لهذه الحضارة نتاج لابد من تصريفه وكذلك احتياج لابد من توفيره، فسلك السبل إلى الأمم الأخرى بائعا أو شاريا أو مبادلا.

فقد كان قدر هذا الإنسان العائش على ضفاف النيل أن يكون في قلب هذا العالم، فلا سبيل إلا الاتصال بمن حوله، ولا سبيل لمن حوله إلا أن يتصلوا به أو يمروا عليه في تواصلهم، فإن كان قويا حافظ على حضارته واستقلاله وإن كان ضعيفا وقع تحت سيطرة من لا يرحم ممن عاشوا حوله.

وجميع أمم العالم القديم احتاجت إلى مصر لتسلك من خلالها في طرق تجارتها بر أو بحرا.
كذلك كانت حاجة مصر أيضا، أن تتصل هي بالعالم، فلم يكفل لها موقعها الفريد على سطح الأرض، عزلة يمكن أن تنفصل فيها عن العالم من حولها حتى تأمن أطماعهم فيها.




وأدرك المصريون ذلك مبكرا، فخبروا طرق التجارة برا وبحرا، فانطلقوا في قوافل إلى البلاد المحيطة بهم، فرأيناهم يتاجرون مع الأمم من حولهم فوجدناهم في ببلوس في الساحل الشرقي للبحر المتوسط وكذلك في الجنوب، حيث بلاد بونت.
فالمصري القديم كان يعي جيدا بموقعه في قلب العالم القديم وكان يدرك جيدا أن بلاده ملتقى للطرق البرية والبحرية وكانت مصر تطل على ساحلى بحرين تمر من خلالهما أهم طرق طرق التجارة العالمية في ذلك الوقت، فلا يمكن الانتقال من الشرق إلى الغرب عبر  البر أو البحر، إلا من خلال مصر، لذلك كان الاتصال بين البحرين معناه انفتاح طريق التجارة بلا عوائق، فتنتقل سفن الركاب والبضائع عبر قناة تخترق كتلة اليابس، بلا عوائق.

"
بين النيل والبحر"
كان الملك مرنرع (أحد ملوك الأسرة السادسة التى  حكمت مصر من (2420 إلى  (3380 يفضل الإقامة في جزيرة الفنتين "أسوان" حيث كانت سفن التجارة تأتى من الشمال بالبضائع عبر مجرى النيل، فتفرغ حمولاتها لتسير بها القوافل عبر الطريق الذي يخترق جبال الصحراء الشرقية إلى ميناء برنيس على ساحل البحر الأحمر ثم تنطلق في طريق بحري جديد وكذلك تستقبل حمولات السفن القادمة لتسلك الطريق عكسا، فكان هذا أو استغلال فعلى لموقع مصر على البحرين واستغلال اتصال النيل بالبحر الأبيض المتوسط في الشمال.
وهذا دليل بين لإدراك المصريين لأهمية التواصل بين الطريقين البحريين في الشمال حيث المتوسط والجنوب حيث الأحمر وأن بلادهم هى الرابط بينهما.



"
أكبر مشروع لأعظم ملك في التاريخ"
لذلك كان قرار سنوسرت الثالث أحد ملوك الأسرة الثانية عشرة وهي من أعظم الأسرات في التاريخ المصري، بحفر قناة تربط بين النيل والبحيرات المرة التى كانت لا تزال جزءا متصلا بخليج السويس، فكان أول اتصال في التاريخ وانفتح الطريق الملاحي بحيث تنطلق السفينة من أي من الموانئ الواقعة على سواحل أي من البحرين، إلى بعضها البعض بلا أي عائق وصارت موانئ العالم القديم كلها متصلة بحريا، لأول مرة منذ استقرار البحرين على وضعهما الحالي، قبل ظهور الإنسان، فصار - بفضل القناة - بوسع الملاح أن ينطلق بزورقه من مضيق جبل طارق مثلا، إلى ما بعد مضيق باب المندب، لا يعترضه عائق بري، فانفتحت بتلك القناة جميع بحار العالم وتواصلت من خلاله كل الموانئ في أهم حدث بحري وتجاري في تاريخ الإنسانية.



وقد بدأ سنوسرت الثالث في حفر القناة عام 1887 وانتهى منها 1874 قبل الميلاد وسجل على عادة  ملوك مصر القديمة  لوحة بافتتاحها على واجهة معبده بالكرنك.

تبدأ الرحلة في القناة من الشمال في بحيرة المنزلة فتسير في أول فروع النيل السبعة آنذاك من جهة الشرق المعروف بالفرع البيلوزي الذي يصب عند مدينة بيلوزم القريب موقعها من بورسعيد وينسب إليها الفرع، وتبدأ القناة من بوبست بمحافظة الشرقية (الآن تقريبا تقع مكانها مدينة الوقازيق عاصمة الإقليم) ومتجهة إلى الشرق لتنتهي عند "تيخاو" (قرية أبو صير الآن التابعة لمحافظة الإسماعيلية) وتصب القناة في البحيرات المرة التى كانت تشكل الجزء الشمالي من خليج السويس، ثم إلى البحر الأحمر.

كانت تمر خلال القناة السفن التجارية ما بين الشرق والغرب، محملة بالبضائع من التوابل والثمار والأخشاب المجلوبة من غابات لبنان والحيوانات والحرير والعاج والجلود والمواد الغذائية  ومواد البناء أيضا.



وقد كان ملوك الأسرة الثانية عشرة (التى حكمت مصر من 1991 إلى 1778 قبل الميلاد) قد أحدثوا نهضة في البلاد المصرية ليس لها مثيل في التاريخ، فقد حفروا الترع وأقاموا السدود وشيدوا المعابد والأهرامات وكانت هذه الأسرة قد أعادت المجد لمصر بعد ما يعرف بالفترة البينية الأولى التى سادت فيها الفوضى البلاد قرونا عديدة، حتى جاءت الأسرة الحادية عشرة لتبدأ انتشال مصر من التفكك والفوضى ثم أكملت أسرة سنوسرت الثالث المشوار الحضاري لمصر وبلغت بها الأوج.

وساد الأمن البلاد وسار ملوك هذه الأسرة على رأس الجيش المصري في كل الأرجاء يوطدون لملكهم وينشرون رسالة مصر في الحضارة والسلام شمالا وجنوبا وشرقا غربا.

وبلغ من عظمة سنوسرت الثالث أنه أعيد ذكره بعد عدة قورن من رحيله، فأقام تحتمس الثالث المعابد التى كرست لعبادته بجوار الآلهة التقليددين في النوبة لما لمسه بنفسه من بقاء أعمال سنوسرت في جنوب البلاد، فهو الذي هبط إلى الجنوب ووطد أركان المملكة المصرية التى امتدت في الاتجاهات الأربعة باسطه سلطانها على السهل والبحر والصحراء.



ويصف المؤرخون، ملوك هذه الأسرة، خاصة سنوسرت الثالث، بأنهم من أعظم الذين جلسوا على عرش مصر، بل ووصفه معجم الحضارة المصرية القديمة بأنه "ذلك الفرعون الذي قهر العالم وأعظم ملك شهده التاريخ".
ودلالة حفر هذه القناة، دلالة عظيمة فهي تؤكد أن المصريين قد تقدموا في العلوم التى مكنت لهم تنفيذ هذا المشروع العظيم من حيث معرفتهم ودرايتهم بطبيعة الأرض ودراستهم جغرافية المكان وخبرتهم في شق الطرق البرية والبحرية.

وقبل القناة الموصلة بين النيل والبحر الأحمر، كان اهتمام هذه الأسرة بالتجارة مع بلاد السودان كبيرا بجانب الأعمال الحربية، إذ أنه تم حفر قناة على عهد سنوسرت الأول، عند الشلال الأول الواقع على مجرى النيل في جنوبي أسوان، لتفادي صخور هذا الشلال الذي يعيق حركة الملاحة عند مرور السفن عبر النيل شمالا وجنوبا.
والمشروعات المائية لهذه الأسرة، كانت عظيمة مثلها، بل كانت أهم مشروعات مائية في تاريخ مصر، فقد استطاع ملوكها أن يحولوا "بحيرة قارون" إلى خزان عملاق لمياه الفيضان عن طريق "بحر يوسف" والتحكم في مياهه بسد اللاهون الشهير، هذا مع حفر شبكة عملاقة من الترع والقنوات التى انتشرت في ربوع مصر، لتستفيد من كل قطرة مياه من النيل.



وقد سمى المؤرخون أهم هذه القنوات وهي هذه القناة الموصلة بين البحرين عن طريق النيل، خطأ باسم "سيزوستريس" وهو تحريف لاسم سنوسرت.

وهذه القناة وردت الإشارة إليها في كثير من المتون غير المصرية، لعل أشهرها ما ذكره هيرودوت الملقب "أبو التاريخ" في في كتابه الثاني من تاريخه العام وهو أقدم وثيقة يونانية تحدثت عن القناة، غير أن هناك من يشككون في بعض روايات هيرودوت ويتهمونه بعدم الدقة.

ولكن يعضد ما ذكره هيرودوت، ما حكاه الشاعر اليوناني الشهير "هوميروس" عن قصة عبور "منيلاس" أحد أبطال ملحمته ذات المكانة المميزة في التراث الأدبي اليوناني والإنساني وهي "الأوديسا".



كذلك تحدث عنها الفيلسوف العظيم "أرسطو" الذي كتب يقول: "نحن نعتبر أن أقدم البشر هؤلاء المصريون الذين تظهر بلادهم قاطبة من عمل النيل ولا تعيش إلا به وهذه الحقيقة تفرض نفسها على أي فرد يجوب هذه البلاد ولدينا شاهد ظاهر نجده في إقليم بحر"أرتيري" (البحر الأحمر) والواقع أن أحد الملوك شرع في القيام بحفر البرزخ، فإن جعل هذا الممر صالحا للملاحة كان له فائدة عظمى والظاهر أن "سيزوستريس" هو أول الملوك القدامى الذين تبنوا هذا العمل ولكنه قد لحظ أن مستوى الأراضى كان أكثر انخفاضا عن مستوى البحر "انتهى كلام أرسطو ولا نظن أنه بحاجة إلى شرح أو بيان".

وبجانب ذلك قد أورد عالم المصريات الكبير الدكتور سليم حسن ما جاء في المؤلفات الإغريقية واليونانية عن قناة السويس في الجزء الثالث عشر من عمله الضخم العظيم "موسوعة مصر القديمة" الذي نقلنا منه ترجمة ما كتبه أرسطو "وهو من هو" عن مصر وقناتها.
وقد أفرد سليم حسن في هذا الجزء ملحقا خاصا عن تاريخ قناة السويس بمناسبة ما كتبه عن العهد الفارسي وتجديد الملك دارا الأول لحفر القناة القديمة التى طمرت بالرمال.

وبجانب ما قاله هيرودوت وهوميروس وأرسطو، ورد ذكر القناة عند ديدور الصقلي وسترابون ولوسيان وبليني القديم وجرجوار الطوري والراهب فيدليس.

وفي المراجع العربية كتب عنها الفرجان والمقريزي وشمس الدين وبن سعد وأبو الفداء والمسعودي والكندي وبن الطوير.

(19 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع