حياة

الكنيسة الإثيوبية من الانفصال إلى التحالفات المشبوهة

ـ من المستفيد من هجوم مجمع الأساقفة الإثيوبى على الأقباط
ـ فى تصعيد جديد.. الكنيسة الإثيوبية تتهم البابا، والأقباط بالتزييف، وتشكر إسرائيل
ـ ثغرات فى حكم المحكمة الإسرائيلية
 
 

لم يكن رد فعل الكنيسة الإثيوبية تجاه شقيقتها القبطية، مُستغربا فى ظل استقوائها المستمر بالحكومة الإسرائيلية، ولا إصدارها بياناً حاداً شديد اللهجة، كان أمراً مستبعداً، لكن ما وصل إلى حد الذهول هو خلو البيان الذى أصدره مجمع الأساقفة لكنيسة التوحيد الإثيوبية، من أية إشارة إلى الكنيسة القبطية، فالبيان تحدث عن استفزازات الأقباط، واتهم قداسة البابا تواضروس الثانى، والأقباط بالتزييف، فى إشارة ضمنية إلى أن أولئك الرهبان، والأساقفة، وبطريرك القدس، وبابا الإسكندرية لا يمثلون الكنيسة القبطية، إذ يقول البيان: "صدق الاجتماع العام نصف السنوى للمجمع المقدس لكنيسة التوحيد الأرثوذكسية الإثيوبية على النقاط التالية المتعلقة بالدير الإثيوبى لدير السلطان، وتشمل الآتى:
كتابة خطاب تقدير لحكومة إسرائيل لبدء ترميم كنيسة القديس ميخائيل المتضررة، وفقا لوعودها ودون إعاقة من الأعمال الاستفزازية للأقباط."!!، وهكذا تبرر الكنيسة الإثيوبية دعم إسرائيل لمواقفها، وتصبح إسرائيل، هى الراعى الرسمى لأمن وأمان زوار القدس وكنيسة القيامة، بل وراعى دير السلطان، فى مواجهة الاستفزازت القبطية، - حسب زعم الكنيسة الإثيوبية- وهنا يوجد عمد واضح فى تحديد الوصف على الأقباط، قد يعود لأحد سببين، فإما تريد كنيسة التوحيد إبعاد الوصف عن شقيقتها المصرية حتى لا تحدث قطيعة جديدة، إما أنها ترى الأقباط مجرد شعب بلا كنيسة، أو ربما تعلن هجوماً ضمنياً إيمانياً على قداسة البابا وكل من يدافع عن قضية دير السلطان، فى خطوة، لا استبعد أنها مدفوعة من حكومة الاحتلال، ومدعومة بشريحة مشعوذة من بعض أقباط المهجر الذين يعزفون على لحن الاعتراض على كل شىء، ويمارسون الهجوم على كل ما تقوم به الكنيسة، سواء كان ذلك مبرراً أو غير مبرر، حتى لو كان تضامنا مع إسرائيل.
 
ويسترسل البيان فى وضع أحجار العثرة فى العلاقة بين الكنيستين، فيقول: "سوف يتم إعطاء رد رسمى على البيان الزائف الصادر عن بابا الأقباط والمجمع المقدس القبطى بشأن تاريخ وملكية دير السلطان" وهو ما يعنى ان البيان الذى بين أيدينا الآن ليس هو الرد الرسمى شديد اللهجة وإنما هناك ما هو اخطر، وربما ما هو أكثر قسوة على الكنيسة الأم، كما ان وصف بيان الكنيسة القبطية بالزائف، تجاوز كل ملامح المحبة الصادقة التى جاءت فى تعاليم المسيحية، وما هو أكثر خطورة ما شددنا عليه سابقا من تجاهل ذكر الكنيسة القبطية تماماً، ونسب البيان للبابا وللمجمع المقدس، وهو ما يدلل على أن إزاحة لفظ الكنيسة القبطية لم يحمل نوايا حسنة أبداً بل أنه حمل سوءات السياسة التى يدفع ثمنها الدين، والناس معاً، لأنه بمثابة تلويح بعدم الاعتراف بالمجمع المقدس القبطى."
 


الأمر الثالث الذى تطرق إليه البيان: "إصدار بيان علنى وإنتاج إعلامى متعدد، لشرح التاريخ الحقيقى للدير بأنه ينتمى إلى الإثيوبيين وهو تراث قديم لكل الشعب الأسود ويعرض الأفعال الخاطئة والاستفزازية للأقباط." 
يا لها من فكرة رائعة، لو تمت من قبل لوفرت على كل الأطراف القطيعة، والخلاف، والاستفزازات -حسب تعبير البيان- وإذا كان لدى الكنيسة الإثيوبية تراثاً قديماً للشعب الأسود، يؤكد ملكية الدير، فلماذا لم تخرج به من قبل، على مدار العقود الفائتة، ولن أقول القرون الماضية، بل مجرد سنوات مضت، لماذا تآمرت مع إسرائيل فى 25 ابريل سنة 1970 لاستبدال مفاتيح الدير، وسرقته من الأقباط، وقهرتهم أمام الاحتلال الإسرائيلى فى توقيت الكل يعلم كم كانت حساسية موقف المصريين بسبب ظروف الحرب آنذاك، إذا كانت الكنيسة الشقيقة لديها وثائق وتراث، ماذا كانت تنتظر لتخرج على العالم بالإنتاج الإعلامى الضخم- حسب قولها- ام انها تنتظر استكمال عملية طمس الهوية التى تمارسها بمساعدة اسرائيلية، أم ان هناك ما نجهله ينتظر الكنيسة المصرية خلال الأسابيع القادمة وكل ما حدث مجرد مقدمة لنتائج أكثر تعقيداً؟
 
موجة انشقاق جديدة..
وبعيداً عن التفاصيل الإيمانية، واللاهوتية، فإن هناك موجة انشقاقات داخل الكنائس الأرثوذكسية فى القدس يخشى أن يكون الاحتلال هو الفاعل الأساسى فى تأجيجها لبسط مزيد من سيطرته، وسياساته الاستيطانية على الأراضى المقدسة، وتفتيت الكنائس من الداخل، لذلك لا يمكن قراءة المشهد الأخير فيما يخص بيان كنيسة التوحيد الإثيوبية الحاد ضد الكنيسة القبطية بعيداً عن المناخ العام للعلاقات بين الكنائس الأرثوذكسية، داخل القدس، فما حدث منذ أسبوعين وسبق واقعة اقتحام قوات الشرطة الإسرائيلية لدير السلطان وسحل الرهبان الأقباط، كان لافتاً جداً، فالكنيسة الأرثوذكسية الروسية لوحت إلى تعليق مشاركتها فى "قداس" كنيسة القيامة، بسبب إعلان الكنيسة الأرثوذكسية الروسية قطع العلاقات مع بطريركية القسطنطينية المسكونية ردا على قرارها بدء التحضيرات لمنح الكنيسة الأوكرانية المنشقة، التى لا تعترف بها بطريركية موسكو، صفة كنيسة محلية مستقلة. إذا وقفت بطريركية القدس للروم الأرثوذكس إلى جانب بطريركية القسطنطينية، وصرح حينها سكرتير البعثة الروحية الروسية فى القدس، القمص نيكون، بأن بطريركية القدس لم تبد أى رد فعل على قطع العلاقات بين الكنيسة الأرثوذكسية الروسية وبطريركية القسطنطينية المسكونية، مؤكدا أنه: "فى حال وقفت بطريركية القدس إلى جانب بطريركية القسطنطينية وسمحت لأتباع فيلاريت (بطريرك كييف غير المعترف به) بأداء القداس فى كنيسة القيامة وغيرها من الكنائس على الأراضى المقدسة، سنضطر لتعليق أداء القداس معهم"، وقال نيكون: "ذلك سيكون استمرارا للفضيحة، وأعتقد بأنه على الأرجح سنضطر تعليق التواصل مع بطريركية القدس أيضا، لأنهم سيقفون بالتالى إلى جانب المنشقين".
 
استئناف الترميم..
كانت لدى البعض تصورات أن الأمر سينتهى بحكم المحكمة، واستئناف أعمال الترميم، وتقف المناوشات عند هذا الحد مثل كل المرات السابقة، لكن العجيب جداً أن المحكمة الإسرائيلية التى فى الأصل منحت الأقباط -فى سبعينيات القرن الماضى- حق الحيازة وليس الملكية، كما يتصور البعض، أصدرت حكماً باستئناف أعمال الترميم، من جانب الحكومة الإسرائيلية، بالرغم أن الأقباط ابدوا تحمل التكلفة المادية والمعنوية، لكن الأحكام الإسرائيلية غير خالصة النوايا، منذ البدء، فعن الحكم الأخير جاء باستئناف ترميم دير السلطان من جانب الحكومة الإسرائيلية، فى حضور مهندس تابع للكنيسة برخصة إسرائيلية! رغم أن محكمة الصلح الإسرائيلية عقدت جلستها بناء على الدعوة المُستعجلة التى تقدمت بها الكنيسة القبطية فى القدس لوقف التدخل الإسرائيلى فى أعمال الترميم بكنيسة الملاك الملحقة بدير السلطان، وتم رفض الطلب، تحت دعوى انه طبقاً لقانون الأماكن الخطرةـ يجب استكمال اية اعمال ترميم حفاظاً على ارواح الناس، ويبدو أن أرواح الناس تكون فى أمان فقط عندما تتولاها حكومة اسرائيل، وتكون غير آمنة اذا تولتها الكنيسة القبطية!! إنه العبث غير المنطقى.
 
وانصاعت الكنيسة، درءً للمواجهات الدبلوماسية، ووافقت المحكمة على تحديد حجم الأعمال بما لا يزيد عن علاج أسباب الخطر، حتى لا يتشكك الأقباط فى تغيير الهوية القبطية للمكان، ومنحتهم الحق فى إعلام الكنيسة بكل المكاتبات المستقبلية بين البلدية والآثار، والحق فى وجود مهندس تابع للكنيسة يتابع أعمال الترميم شريطة أن يكون لديه رخصة عمل فى اسرائيل!! وكأنها تضع العقدة فى المنشار، فاستقدمت الكنيسة مهندساً فلسطينياً، كما منحت لهم الحق فى وقف الأعمال إذا خالفت التقارير المكتوبة عن طريق المحكمة، عقب صدور الحكم تواصلت مع الراهب الوحيد المقيم فى دير السلطان القس ميصائيل الأورشليمى، الذى أكد لى أن هذا اقصى ما يمكن الوصول إليه، لكن بعد صدور الحكم بيومين، فوجئ الجميع بتصعيد غير مبرر من قبل الكنيسة الإثيوبية، بإصدار البيان المذكور أعلاه، وهو ما يثير التساؤل حول النوايا، خصوصا بعد صدور حكم لحلفائهم بالترميم.
 


"حكم الأحقية" السم فى العسل..
لم يكن ذلك الحكم هو الوحيد المشوب بعوار ولا الوحيد الذى يدس السم فى العسل، لكن جاءت كل الأحكام القديمة الصادرة عن القضاء الإسرائيلى، لصالح الكنيسة القبطية فى شأن أحقيتها فى ملكية دير السلطان، مراوغة، ولم تخل من الانحياز للكنيسة الإثيوبية، إذ صدر للكنيسة القبطية عدة أحكام منها الصادر تحت رقم 109/71 فى 16 مارس 1971، بإعادة المقدسات المغتصبة إلى أصحابها قبل 6 أبريل 1971. ويتكون الحكم من 33 ورقة تمت ترجمتها رسمياً فى القضية رقم 106 لسنه 70، بمطالعة الترجمة العربية لهذا الحكم نجد أن سياقه منحاز للجانب الإثيوبى تماماً، إذ قال فى صدارة المقدمة أن السيطرة صارت على الممر بين الدير وكنيسة القيامة عبر مفاتيح تثبت على أبواب الممر، وان الحيازة أو وضع اليد ينقسم بين الطوائف على كنيسة القيامة ولا يعد الاقباط ضمن هذه الطوائف لأنهم طائفة صغيرة، ولهم كنيسة صغيرة، ولم يصلوا فى دير السلطان بشكل جماعى، كما أن الاحباش ليس لديهم مكان للعبادة فى كنيسة القيامة- القبر المقدس- لكنهم يطمئنون لحقوق وضع يد مطلقة فى دير السلطان، والكل يقر بأحقية الأحباش فى العبادة فى هذا الدير، بينما افلح الأقباط فى السيطرة على الدير فى القرن التاسع عشر بقوة الذراع وبمساعدة الحكم العثمانى!! الذى كان يعادى الاحباش.
 
واستمر الحكم فى شرح التاريخ، الذى لا يعلم أحد ما المزور منه وما الصادق، حتى وصل إلى أن الوثائق التى قدمت للمحكمة من جانب وزير الأديان الإسرائيلى، تثبت أن الحق فى الحيازة يعود للطائفة القبطية من ناحية وللطائفة الإثيوبية من ناحية أخرى، وأنه لا صلاحية للمحكمة فى الفصل فى النزاع على الحيازة وإنما يعود ذلك للسلطة التنفيذية "الحكومة الإسرائيلية"، مشيرا فى الصفحة رقم 11 من الصورة المترجمة للحكم، أن القضاء يعيد المال غير المتنقل – العقار- إلى صاحب وضع اليد، حتى لو لم يكن المالك الحقيقى، لأن إزاحة وضع اليد جاءت بالاغتصاب وبعد أن يعيد المال إلى واضع اليد، يمكن للمالك الحقيقى إتباع الإجراءات القانونية.
 
وهنا لا شك فى انحياز المحكمة للإثيوبيين اذ ترى أنهم ملاك أخطأوا فى طريقة استعادة أملاكهم، وهكذا يمضى الحكم فى الشرح حتى يص الى نهايته، بإبقاء الوضع على ما هو عليه باعتبار الأقباط كانوا فى محل وضع يد على الدير المملوك للأحباش، وأن القاعدة القانونية، المستقرة تقضى بان الوضع يعود لواضع اليد "المقصود الكنيسة القبطية" لحين حل النزاع بينهما، أى أن المحكمة أعادت الدير إلى حوزة الكنيسة القبطية على الورق، لكن الثابت فى يقينها وضميرها أنه ملكاً للأحباش وتصف فى سطور الحكم التاريخ المزور الذى تقدمت به الحكومة الإسرائيلية كطرف فى الدعوى.
 
كما نجد فى نهاية الحكم فقرة تهدم أركان الحكم، وتدمر الحيازة التى يتحدث عنها الجميع، وتضع ثغرة تمكن الاحتلال من البطش بالأقباط، إذ تقول الفقرة "تمكين الحكومة من استخدام صلاحيتها الممنوحة لها اذا ارتأت ذلك اصح لعلاج النزاع الموضعى بين الأقباط والأحباش، بما فى ذلك، تستطيع الحكومة ان تصدر فى أى وقت أوامر وقتية للطرفين، فى تسوية مؤقتة فى وضع اليد"، بعدها مباشرة أصدرت حكومة الاحتلال الإسرائيلية قرارا مؤقتًا بإيقاف الحكم فى 28 مارس 1971، كما أقامت الكنيسة دعوى أخرى أمام المحكمة العليا بالقدس فحكمت أيضًا بالإجماع وبنفس الصيغة فى 9 يناير 1979 بأحقية الكنيسة المصرية بتسلم دير السلطان، ولم يتم التنفيذ، وفى 26 مارس 1980 قرر المجمع المقدس منع زيارة الأقباط للقدس إلا بعد عودة دير السلطان للكنيسة، ومنذ هذا الحين والحكومة هى المتصرف فى الأمر وحتى اللجنة التى نص عليها الحكم للانعقاد لم تجتمع أبدا منذ 47 عاما وحتى الآن، طبقاً لرغبات أصحاب المصلحة من الجانبين الإسرائيلى والإثيوبى.
 
تحالف الأفاعي..
حينما تتحالف المؤسسات الدينية من أبناء الدين الواحد، ضد بعضها البعض، أعلم أن هناك من يزحف زحف الأفاعى لتحقيق مصلحة ما، فالكنيسة أيا كانت تتبع طائفة أرثوذكسة أو غيرها وأيا كان الخلاف، لم يحدث وتوجهت بضربة لكنيسة شقيقة إلا وكانت مدعومة سياسيا، وللآسف فإن الكنيسة الإثيوبية، غارقة حتى الثمالة، فى سيطرة النظام السياسى الإثيوبى عليها والذى هو فى الأصل مكون من مسيحيين، كانت علاقة الكنيسة القبطية بهم طيبة أيام الامبراطور هيلاسلاسى، وانقطعت بعد الإطاحة به من قبل منجستو وصعود الحكم الشيوعى، ثم تسللت إسرائيل الى اثيوبيا لتنفذ منها الى القرن الافريقى كله، وسيطرت عليها عبر صفقات مشبوهة غير معلنة لا فى الدبلوماسية الدولية ولا فى الميزانية الاثيوبية، صفقات تخص تمويل الجانب الإثيوبى بالسلاح، وتدريب عناصر أمنية، ونشر خبراء إسرائيليين فى كل مكان، هذا بخلاف أمل إسرائيل فى المياه، طبقا لحلمها الأول، إن المنطقة لها من النيل إلى الفرات، أنها الأسباب السياسية التى تدفع الكنيسة الإثيوبية للتحالف مع حكومة الاحتلال الإسرائيلية ضد شقيقتها القبطية، تلك الأسباب التى نعرضها باختصار شديد.

 
 

(14 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع