حياة

الشيخ إمام فى ذكرى ميلاده المائة والرئيس الأمريكى

بعد انتصار الجيش المصرى العظيم فى 6 أكتوبر عام 1973، قرر الرئيس الأسبق محمد أنور السادات أن هذه هى آخر الحروب، وأعلن بأن تسعة وتسعين فى المائة من أوراق اللعب فى يد أمريكا، وبالفعل بدأ المبعوث الأمريكى هنرى كيسنجر يقوم برحلات مكوكية بين الإدارة الأمريكية ومنطقة الشرق الأوسط للوصول إلى رؤوس موضوعات تكون مطروحة على مائدة المفاوضات، وهذه الرحلات المكوكية تمت بعد المفاوضات التى تمت فى الكيلو 101 بعد وقف إطلاق النار، وأطاح السادات بكل من اعترض عليها بطرق مختلفة، ولم يبق إلا على من سوف يعاونه فى مسيرة التفاوض والسلام كما كان يعلن دائما.
وبعد حرث المنطقة وهرسها كذلك، انبثقت فكرة دعوة الرئيس الأمريكى ريتشارد نيكسون إلى القاهرة، وبالفعل فى 12 يونيو 1974 وصل نيكسون إلى القاهرة، وهى أول زيارة رسمية أو غير رسمية يقوم بها رئيس أمريكى، وتأتى هذه الزيارة فى ظل تراجع شعبية الرئيس الأمريكى فى بلاده، وكانت الصحف الأمريكية تشنّ حملة موسعة عليه، بعد أن ثبت أنه أمر بزرع أجهزة تنصت فى مقر الحزب الديمقراطى المنافس له، ورغم ذلك غامر السادات بدعوته إلى القاهرة، رغم تنبؤ العالم كله بنتيجة تلك الحملة التى ستطيح حتما بنيكسون من مقعد الرئاسة.


موكب نيكسون فى مصر

وتصور السادات _حسب هيكل فى خريف الغضب_ بأن تلك الدعوة، سوف تصوّر نيكسون على أنه جل يستطيع أن يصنع السلام فى الشرق الأوسط، وبهذا من الممكن أن تعلى تلك الدعوة من أسهم الرئيس الأمريكى، وتقنع الشعب الأمريكى بالإبقاء عليه، ومن ثم عملت الصحافة المصرية آنذاك واجبها المكلفة به، وقامت بترحيب يكاد يكون أسطوريا لرئيس أمريكا، وبالفعل أحدثت تلك الحملة فعلها الكبير، وتم استقبال نيكسون استقبالا شعبيا حافلا.

ودون الاستطراد فيما هو معروف عن تلك الزيارة، كتب الشاعر أحمد فؤاد نجم قصيدته "نيكسون بابا"، والتى يقول في بعض فقراتها:
(شرفت يانيكسون بابا، يابتاع الووتلرجيت، عملوا لك قيمة وسيما، سلاطين الفول والزيت، فرشوا لك أوسع سكة، من راس التين على مكة، وهناك تنفد على مكة، ويقولوا عليك حجيت، ماهو مولد ساير داير، شى الله يا أصحاب البيت..)
ولم يمر يوم واحد على كتابة القصيدة، إلا وكان الشيخ إمام قام بتلحينها، وبالتالى قام بغنائها فى محافل مختلفة، ومن بين هذه المحافل الخاصة، تمت دعوة الشيخ إلى منزل القائد الوفدى القديم سيف الغزالى، وهناك غنّى الشيخ إمام أغنية "نيكسون بابا"، وبضعة أغنيات أخرى، وعلمت مباحث أمن الدولة بالأمر، فدبرت خطة للقبض عليه متلبسا بالغناء، بعد أن شاعت الأغنية، وتم تقديم محضر فى حق نجم وإمام فى 5 يوليو 1974، ولكن تم تأجيل القبض عليهما، إذ كان افتتاح فيلم "العصفور" يعرض فى تلك الفترة، ومن الممكن أن يحدث جدال ما، خاصة أن الفيلم كانت تعرض فيه أغنية "مصر يامه يابهية".


الشيخ إمام فى منزله

وفى 2 سبتمبر كانت الفنانة اللبنانية جلاديس أبو جودة فى زيارة ليوسف شاهين، وهى التى قامت بدور "حبيبة" فى فيلم "العصفور"، وكانت تريد أن تزور الثنائى نجم وإمام، ولكن يوسف شاهين أنكر أنه يعرف لهما بيتا، ولكنها استعانت بالفنان على الشريف زميلها فى الفيلم، وبالمصادفة كان هناك أحد أصدقائها الأمريكان يريد التعرف على القاهرة، لأنه يكتب بحثا فى هذا الشأن، فاصطحبته معها إلى الغورية، وهناك اجتمعت كوكبة من الفنانين المرموقين، وعلى رأسهم المخرج على بدرخان، وكان أحمد فؤاد نجم يكتب بعض الأغنيات لزوجته سعاد حسنى، وعندما اقترب الوقت من الساعة الثانية عشرة، وبدأت أصابع الشيخ إمام تضرب على العود، ليغنى أغنيته "نويت أصلّى"، حتى كانت المباحث قد هجمت على المنزل الكائن فى 2 شارع خوش قدم بالغورية، والقبض على كل من كان هناك.


الشيخ إمام واحمد فؤاد نجم

ولم يكن الشيخ إمام جديدا على الحبس، فمنذ أن بدأت علاقته بأحمد فؤاد نجم تتوطد، وأثمرت العلاقة عن مئات الألحان الوطنية والأغانى العظيمة، والتى كان يرددها آلاف الطلّاب والمثقفين والعام، ويطرب لتلك الأغانى المثقف والعادى والطالب وغيرهم من كل طوائف وطبقات الشعب، وباتت ظاهرة الشيخ إمام ونجم ، من أهم الظواهر الفنية الوطنية المعاصرة، وهناك من يقارن ظاهرة الشيخ إمام بالشيخ سيد درويش، وكلاهما قام بأدوار فنية عظيمة.

وعندما مثل الشيخ إمام أمام المحقق، لم يخف ، ولم يخشّ أن يقول رأيه بوضوح فيما يحدث، بعد أن يؤكد بأنه ليس مؤلفا للأغانى، ولكن مؤلفها "الزميل"_كما يلقبه_ أحمد فؤاد نجم، ولكنه يؤكد أيضا، أنه يتبنى كل حرف ينشده ويغنيه، وهو يقتنع تمام الاقتناع، وأكد أن قصيدة "نيكسون بابا" من الأغانى الوطنية التى أرادا بها أن يهاجما الرئيس نيكسون، وكان الشيخ إمام يرى أن حرب أكتوبر عمل معجز وعظيم جدا، ولذلك _كما قال للمحقق_: "أرجو أن يظل هذا العمل المعجز سارى المفعول حتى تحرر الأرض شبرا شبرا ، ولكنى اعترضت على زيارة نيكسون، لأنه الشريان الذى يغذى إسرائيل بالأسلحة والمساعدات، وأنا رأيي أن يكون تفاهمنا مع الأمريكان والروس بشرط أن نكون أصحاب الرأى الأول والأخير فى كل شيء، ومن رأيى أن كلا من الأمريكان والروس متآمران ضدنا، بدليل اعترافهما بإسرائيل".


فيروز وزياد الرحباني في صورة نادرة مع الشيخ إمام

هذا هو رأى الشيخ إمام باختصار، وبوضوح تام، ولم يرد أن يزوّق كلامه ببعض العبارات الجافة أو الجوفاء، وبالطبع لم تكن هذه هى الأغنية الوحيدة التى يتعرض فيها لأحد الرؤساء، بل غنّى أغنية "فارى ليج جيسكار ديستان"، وكذلك ذكر الرئيس الإيرانى، وكان يغلب على الأغانى التى كان يكتبها أحمد فؤاد نجم السخرية والتهكم، ولكن الشيخ إمام كان يجسّد تلك السخرية بجدارة، وكان الشيخ يؤدى تلك السخرية بأكثر من طريقة، وهذا كان يضيف أبعادا أخرى على الكلمات التى كان يكتبها الشاعر، وبالتأكيد فإن دور الشيخ إمام لم يكن مؤديا ميكانيكيا للكلمات التى كانت تكتب له، بل كان مبدعا عظيما فى تاريخ الأغنية الوطنية المصرية، سلاما على روحه الطاهرة فى ذكرى ميلاده المائة التى تحل فى 2 يوليو الحالى 2018.

(8 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع